12/05/2026
الوطن أمانة والدين رحمة.
إنَّ صيانة الأنفس والأوطان هي جوهر مقاصد شريعة رب العالمين، وإنَّ أشدَّ ما يبتلى به العقل هو انحراف الفهم الذي يجعل (الخراب) جهادًا و(القتل) قربة، وهو ضلالٌ مبين.
السبق التشريعي للشريعة الإسلامية في مكافحة الإفساد
لقد كان للشريعة الإسلامية فضل السبق والريادة في التصدي التشريعي لظاهرة الإرهاب؛ إذ وضعت منذ قرابة أربعة عشر قرنًا أول نظام قانوني متكامل يجرم أعمال الترويع، ويحدد أركانها، ويقرر لها عقوبات رادعة تتفق تمامًا مع الاتجاهات الحديثة لمكافحة الإجرام الممنهج [د/ أحمد عبد العظيم المصري: المواجهة التشريعية لجرائم الإرهاب، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، ٢٠٠٢، ص ٣٦]، ويرى فقهاء الشريعة أنَّ الإرهاب هو الوجه المعاصر للإفساد في الأرض؛ حيث يجب أن يُوصم الإرهابي بأنه (محاربٌ لله ورسوله)، وتُطبق في حقه العقوبات الشرعية المغلظة [أحمد بن سليمان الريش: جرائم الإرهاب وتطبيقاتها الفقهية، الرياض، ١٤٢٥هـ، ص ١٦٨].
إنَّ الدين الإسلامي الذي جاء رحمة للعالمين، قدس (الكليات الخمس): (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، وجعل الاعتداء عليها اعتداءً على جوهر الوجود الإنساني، وفي هذا السياق تبرز جريمة (الحرابة) كأخطر الجرائم التي تهدد استقرار المجتمعات، وهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰۤؤُا۟ ٱلَّذِینَ یُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَسۡعَوۡنَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُوۤا۟ أَوۡ یُصَلَّبُوۤا۟ أَوۡ تُقَطَّعَ أَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ یُنفَوۡا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡیࣱ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ ﴾ [سورة المائدة: ٣٣].
لقد أجمع المفسرون، ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما، على أنَّ هذه الآية نزلت في قطاع الطرق والمارقين الذين يروعون الآمنين [ابن العكنجار: معونة أولي النهى، ج ٨، ص ٤٩٩]، فالحرابة في جوهرها هي خروج جماعة لإحداث الرعب والفوضى وسفك الدماء، متحديةً بذلك الدين والنظام ومن هنا ندرك أنَّ الإسلام لم يعرف (الإرهاب المذموم) إلا بوصفه حربًا على الله؛ لأنَّ مَن أرعب عباد الله فقد حارب منهج الله في الأرض.
مفهوم البغي وفقه الطاعة وصيانة الدولة الوطنية
تعد جريمة (البغي) من أدق المفاهيم التي عالجتها الشريعة لضبط العلاقة بين الفرد والسلطة، وهي خروج طائفة لها منعة وتأويل على الإمام الشرعي والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِی تَبۡغِی حَتَّىٰ تَفِیۤءَ إِلَىٰۤ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ ﴾ [الحجرات: ٩]، إنَّ البغاة هم الذين يشقون عصا الطاعة، وهو ما حذر منه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [متفق عليه].
إنَّ وجوب السمع والطاعة للحاكم في غير معصية هو صمام الأمان الذي يحمي الأوطان من التفتت والفوضى؛ لذا قال - صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» [رواه البخاري، رقم ٧١٤٢]، لقد فطن علماء الأمة إلى أنَّ الفساد الناتج عن الفتنة والخروج المسلح أعظم بكثير من الظلم الذي قد يقع من الحاكم، فقرروا قاعدة (ارتكاب أخف الضررين) لحفظ بيضة الدولة [د/ محمود صالح العادلي: موسوعة القانون الجنائي للإرهاب، ص ١٣].
إنَّ الجماعات المتطرفة اليوم تتخذ من (التأويل الفاسد) تكئةً لتكفير المجتمعات واستباحة الدماء، وهو مسلك الخوارج الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، إنَّ المواطنة الحقة تقتضي الالتفاف حول مؤسسات الدولة؛ لأنَّ غياب الدولة يعني حضور الغابة، وضياع الأوطان هو ضياع للدين نفسه.
التحديد القانوني في التشريع المصري وصيانة الاستقرار الوطني
بالانتقال إلى القوانين الوضعية، نجد أنَّ المشرع المصري كان سبّاقًا وأكثر تحديدًا في مجابهة هذه الظاهرة الجسيمة؛ ففي المادة (٨٦) من قانون العقوبات، وضع تعريفًا دقيقًا وصف فيه الإرهاب بأنه: (كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر) [قانون رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢م، بشأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات].
إنَّ هذا النص القانوني يبرهن على وعي الدولة المصرية بضرورة حماية (الأمن المجتمعي) من نزعات التفتيت؛ إذ اعتبر المشرع أنَّ أي فعل يهدف إلى إيذاء الأشخاص، أو إلقاء الرعب بينهم، أو تعريض حياتهم وحرياتهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة والممتلكات العامة والخاصة، هو (جريمة إرهابية) تستوجب الحسم، ورغم أنَّ جانبًا من الفقه قد انتقد هذا التعريف بوصفه (متوسعًا) قد يمس ظاهريًّا مبدأ المشروعية، إلا أنَّ هذا التوسع المحمود يعكس رغبة الدولة الأكيدة في سد كافة الثغرات أمام التنظيمات المارقة التي تتلون أساليبها بتلون الزمان [د/ مدحت عبد الحليم رمضان: جرائم الإرهاب في ضوء القانون الجنائي الدولي والداخلي، ١٩٩٥م].
إنَّ المشكلة الجوهرية التي تواجه صياغة المفاهيم تكمن في أنَّ الإرهاب (مفهوم ديناميكي) يتلون باختلاف البيئات الثقافية والأجندات السياسية؛ فما يراه مجتمعٌ نضالًا مشروعًا قد تراه قوى أخرى إرهابًا، وهذا التباين في المصالح الدولية هو ما حال دون الوصول إلى صياغة عالمية موحدة وشاملة [د/ هيثم موسى حسن، التفرقة بين الإرهاب الدولي ومقاومة الاحتلال، ص ١٦٩]، لذا فإنَّ التمسك بالتعريف الوطني المنضبط هو الحصن الحصين لصيانة سيادة الدولة وحماية أرواح مواطنيها من عبث المتطرفين.
الإرهاب في ميزان الاتفاقيات الدولية والعمل المشترك
لقد سعت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (١٩٩٨م) لضبط هذا المصطلح، ففرقت بين (العمل الإرهابي) وبين (كفاح الشعوب ضد الاحتلال)، مؤكدة أنَّ الأخير حق مشروع وفق مبادئ القانون الدولي [المادة ٢، الاتفاقية العربية]، وقد أدرجت الاتفاقية ضمن الجرائم الإرهابية أعمال القرصنة، واختطاف الطائرات، والتعدي على الممثلين الدبلوماسيين، وتمويل الجماعات الإرهابية [الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، دخلت حيز النفاذ ١٩٩٩/٥/٧م].
عالميًّا تتعدد الاتفاقيات مثل (اتفاقية طوكيو ١٩٦٣م) و(اتفاقية لاهاي ١٩٧٠م)، والتي تركز على أفعال مادية محددة دون الغوص في تعريف فلسفي شامل للإرهاب، وذلك لتجنب الصدام مع المصالح السياسية للدول العظمى، إنَّ النتائج المستخلصة تشير إلى أنَّ الإرهاب يتميز بـ (القصد الجنائي الخاص) وهو بث الرعب، وهو ما يميزه عن الجريمة الجنائية العادية.
إنَّ حماية الوطن تتطلب اليوم تضافرًا بين (الردع القانوني) و(التفنيد الفكري)، فالمجرم الإرهابي لا يواجه فقط بقوة السلاح، بل بقوة الحجة التي تكشف عوار فهمه لنصوص الشريعة، إنَّ الدولة الوطنية هي المظلة التي يستظل بها الجميع، والاعتداء على أمنها هو اعتداء على صريح القرآن وصحيح السنة.
الخلاصة
إنَّ الإرهاب جنايةٌ على الإنسانية، وهو في ميزان الشرع إفسادٌ في الأرض يستوجب أشد العقاب. إنَّ الالتفاف حول (الدولة الوطنية) وحماية (مؤسساتها) هو السبيل الوحيد لدحر الفكر المتطرف، فالدين رحمةٌ لا نقمة، وإحياءٌ لا قتل، ومن أراد الله والدار الآخرة فليجعل سعيه في العمران لا في الخراب، ولينصر وطنه الذي هو عرضه وعزه وملاذ أمنه.
#مقالات

12/05/2026
12/05/2026
12/05/2026
12/05/2026
11/05/2026
11/05/2026
11/05/2026
11/05/2026