المبادرة الوطنية للإصلاح NRI

المبادرة الوطنية للإصلاح NRI

Share

المبادرة الوطنية للإصلاح… مشروع وطن

01/06/2026

الزيدي في الاتجاه الصحيح... والهدف هو العراق

الدكتور ليث شبر

في السياسة العراقية اعتدنا طويلاً على مشهد يكاد يتكرر بحذافيره؛ رئيس وزراء يصل إلى المنصب فيبدأ الجميع بالحديث عمن جاء به، ومن دعمه، ومن يقف خلفه، ثم لا تمضي أشهر حتى يتحول النقاش كله إلى معارك جانبية تبتلع أصل المهمة. ولهذا أجد من الضروري اليوم أن نضع سؤالاً مختلفاً: هل يتحرك الرجل في الاتجاه الصحيح أم لا؟

حتى الآن، وبصرف النظر عن المواقف المسبقة، أرى أن بعض المؤشرات تستحق التوقف عندها بهدوء. فالتغييرات التي يجريها السيد علي الزيدي داخل مكتبه لا توحي بعقل يبحث عن استنساخ ما كان قائماً، بل بعقل يحاول بناء فريق أقرب إلى متطلبات المرحلة الجديدة. والفرق كبير بين من يجمع حوله دائرة ولاءات، ومن يبحث عن دائرة كفاءات. العراق خسر سنوات طويلة لأن كثيراً من المناصب الحساسة أُديرت بمنطق الثقة الشخصية، بينما تحتاج الدولة في حقيقتها إلى الثقة والكفاءة معاً.

ومن الأمور التي تستحق المتابعة أيضاً أن الرجل لا يبدو أسيراً للقوالب التقليدية التي حكمت المشهد خلال السنوات الماضية. فالعراق وصل إلى نقطة لم يعد فيها التفكير داخل الصندوق كافياً لحل أي أزمة؛ لا في الاقتصاد، ولا في الخدمات، ولا في الأمن، ولا في الإدارة. وما أوصلنا إلى هذا المستوى من التعقيد هو الإصرار على استعمال الأدوات نفسها لمعالجة المشكلات نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة.

وفي تقديري أن الامتحان الأول للحكومة سيكون في ملف السلاح. ليس لأن العراقيين يجهلون المشكلة، بل لأن الجميع يعرفها جيداً. الدولة لا تكتمل إلا حين تكون صاحبة القرار الأخير، وصاحبة الكلمة الأخيرة، وصاحبة القوة الأخيرة. وهذه ليست قضية تخص فصيلاً أو حزباً أو جهة بعينها، بل قضية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. وكلما اقتربت الحكومة من بناء عقيدة وطنية واحدة للأمن والدفاع، اقترب العراق من الاستقرار الحقيقي الذي يبحث عنه الجميع.

أما الملف الثاني فهو الفساد، وهنا أعتقد أن النقاش يجب أن يغادر الصور التقليدية. فالفساد في العراق لا يبدأ من الموظف الصغير، بل من العقود الكبرى. ولعل سبعين بالمئة من الأحاديث التي يسمعها العراقيون عن الهدر والسرقات والعمولات تدور حول العقود وآليات الإحالة والتنفيذ والمتابعة. ولهذا فإن مراجعة العقود القديمة والجديدة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، إذا جرت بمهنية وعدالة بعيداً عن الانتقائية أو تصفية الحسابات.

وأذهب أبعد من ذلك فأقول إن العراق يحتاج إلى قفزة حقيقية في هذا المجال. لماذا لا تمتلك الدولة منصة إلكترونية موحدة تُنشر عليها جميع العقود الحكومية؟ لماذا لا يستطيع المواطن والصحفي والباحث والنائب أن يطّلع بسهولة على تفاصيل المشاريع وكلفها ومددها ونسب إنجازها؟ في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة لم يعد مقبولاً أن تبقى العقود الكبرى حبيسة الأدراج والدوائر المغلقة. الشفافية اليوم ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل أداة إدارة ورقابة وحماية للمال العام.

وفي السياسة الخارجية تبدو الصورة أكثر أهمية. فالعراق لا يعيش في جزيرة معزولة، والمنطقة كلها تعيد رسم توازناتها بسرعة غير مسبوقة. ولهذا فإن زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن، وما يرافقها من حراك عربي وخليجي وإقليمي، يجب أن تُقرأ من زاوية المصالح العراقية أولاً. فالعراق لا يحتاج إلى اصطفافات جديدة، ولا إلى خصومات مجانية، ولا إلى أوهام الانتصارات الإعلامية. ما يحتاجه هو استعادة موقعه الطبيعي بوصفه دولة تبحث عن مصالحها، وتبني علاقاتها على أساس المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل.

لقد أضعنا سنوات طويلة ونحن نناقش ماذا تريد هذه العاصمة أو تلك، فيما كان السؤال الأهم غائباً: ماذا يريد العراق؟ كيف نستعيد الاستثمارات؟ كيف نجذب التكنولوجيا؟ كيف نحمي المياه؟ كيف نطوّر الصناعة؟ كيف نخلق فرص العمل؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون حاضرة على طاولة أي حوار خارجي، سواء جرى في واشنطن أو الرياض أو أبوظبي أو أنقرة أو طهران.

ومن هنا أرى أن كثيراً من الأفكار التي عملت عليها المبادرة الوطنية للإصلاح خلال السنوات الماضية أصبحت أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى. فالدولة الذكية السيادية، والحكومة فوق الذكية، والاقتصاد المنتج، والذكاء السيادي، والأمن الثقافي، والرأسمالية الاجتماعية، لم تعد مجرد موضوعات للنقاش الفكري، بل تحولت إلى احتياجات عملية تفرضها طبيعة المرحلة.

وما يميز المبادرة الوطنية للإصلاح أنها لا تقوم على الخطاب السياسي وحده، بل تضم علماء وخبراء وأكاديميين ومتخصصين في الاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا والطاقة والمياه والتعليم والأمن. ولهذا فإنها تمتلك رصيداً من الأفكار والبرامج والرؤى القابلة للتحويل إلى سياسات عامة متى ما توفرت الإرادة والقدرة على التنفيذ.

لا أكتب هذا المقال لأوزع شهادات نجاح مبكرة، فالحكومة ما زالت في بداياتها، والطريق أمامها طويل، والتحديات أكبر من أن تُختزل بخطوات أولى. غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعض المؤشرات الحالية تدفع إلى الاعتقاد بأن الاتجاه صحيح حتى الآن.

ويبقى الهدف واحداً لا يتغير.

ليس الزيدي.

وليس الحكومة.

وليس القوى السياسية.

الهدف هو العراق.

فإذا اقتربت القرارات من هذا الهدف وجب دعمها، وإذا ابتعدت عنه وجب تصويبها، أما البوصلة فينبغي أن تبقى ثابتة دائماً، لأن الدول التي تضيع بوصلتها تضيع معها كل الأسماء.

The Structural Law of Reality: Logarithmic Space, Unified Sensitivity Families, and the Reverse Discovery of Physical Laws 23/05/2026

ما بعد الكمومية… عبد السلام المياحي وكتابه الجديد

الدكتور ليث شبر


حينما تعرفتُ قبل سنوات على الدكتور عبد السلام المياحي، لم يكن أول ما شدّني إليه حديثه عن الفيزياء أو الرياضيات أو القوانين الكونية أو حتى رؤيته إلى النص القرآني، بل تلك السكينة العجيبة التي ترافق العلماء الحقيقيين؛ دماثة خلقه، وحسن أدبه، ووطنيته العالية، وشعوره العميق بالعراق، لا بوصفه جغرافيا فحسب، بل بوصفه فكرة حضارية تستحق أن تعود إلى موقعها الطبيعي بين الأمم.

وشيئا فشيئا بدأت أفكاره تتجلى أمامي بصورة مختلفة تماما، حتى أدركت أنني لا أقف أمام باحث وعالم تقليدي يكرر ما أنتجه الآخرون، وإنما أمام عقل يحاول أن يقترب من المنطقة التي تولد فيها القوانين نفسها. والمياحي تاريخ طويل في العلم والنضال معا، ومن يقرأ سيرته العلمية والنضالية سيعجب حتما كيف أن شخصية بهذا العمق والإخلاص لم تُسلَّط عليها الأضواء كما ينبغي، ولم تنل ما تستحقه في النظام الجديد، على الرغم من أنه كان صديقا وداعما أيام المعارضة لكثير من القيادات التي تبوأت لاحقا أعلى المناصب في الدولة العراقية.

غير أن بعض الرجال لا تقاس قيمتهم بما حصلوا عليه من مواقع، بل بما يتركونه من أثر، وبما فتحوه من أبواب جديدة للتفكير. وهنا تحديدا تبدأ حكاية عبد السلام المياحي مع الأسئلة الكبرى التي تتجاوز الفيزياء ذاتها، وتقترب من محاولة فهم “المنطق الخفي” الذي يحكم الكون والأنظمة والحياة.

في كل حقبة علمية كبرى، لا يظهر التحول الحقيقي حين تُكتشف معادلة جديدة فحسب، بل حين تتغير اللغة التي ننظر بها إلى الكون نفسه. هكذا انتقل الإنسان من العالم النيوتني الصلب إلى النسبية، ثم إلى الفيزياء الكمومية التي زلزلت يقين المادة والزمان والسببية. بيد أن السؤال الذي يلوح اليوم في الأفق ليس: ماذا بعد الكم؟ بل: هل كانت الكمومية نفسها مجرد مرحلة انتقالية نحو فهم أعمق للبنية الكامنة خلف الظواهر؟

هنا تبرز أعمال المياحي، لا بوصفها محاولة لتحسين أدوات الفيزياء التقليدية، وإنما كمحاولة لإعادة النظر في “منطق القوانين” ذاته. فكتابه الجديد [«بصمة القانون الواحدة: كيف يولد القانون، وكيف يتكلم الكون بلغة واحدة»](https://doi.org/10.5281/zenodo.20348199?utm_source=chatgpt.com) لا يتحرك داخل الإطار العلمي المعتاد، بل يحاول الاقتراب من تلك المنطقة الغامضة التي تسبق تشكل القانون نفسه.

لقد تعودنا عبر القرون أن نتعامل مع قوانين الفيزياء وكأنها جزر منفصلة؛ قانون هنا، ومعادلة هناك، ونموذج يفسر ظاهرة بعينها. غير أن المياحي يقترح زاوية مختلفة تماما؛ إذ يتساءل: ماذا لو أن كثيرا من القوانين ليست سوى “لهجات متعددة” لبنية واحدة أعمق؟ وماذا لو أن الانهيار، والاستمرار، والتوازن، والتحول، ليست أحداثا متفرقة، بل تعبيرات مختلفة عن حساسية بنيوية واحدة تتحكم بالأنظمة جميعا؟

هذا النوع من التفكير لا ينتمي إلى الفيزياء وحدها، ولذلك يبدو الكتاب وكأنه يتحرك بين الحقول كلها دفعة واحدة. فالقارئ يشعر أحيانا أنه أمام نص في الهندسة، ثم يكتشف أنه يقرأ الاقتصاد، أو الطب، أو الذكاء الاصطناعي، أو حتى فلسفة البقاء والانهيار الحضاري. والسبب في ذلك أن الفكرة المركزية لا تتعلق بالمادة بقدر ما تتعلق بالبنية التي تنتج سلوك المادة.

ولعل أخطر ما في هذا الطرح أنه ينقل مركز الاهتمام من “الحدث” إلى “ما قبل الحدث”. أي من مراقبة الانهيار بعد وقوعه، إلى محاولة قراءة البنية التي تقترب من حافة الانهيار قبل أن يراه أحد. وهذه النقلة وحدها كفيلة بأن تغيّر مستقبل علوم كثيرة؛ من تشخيص الأمراض، إلى تحليل الأسواق، إلى الأمن السيبراني، إلى إدارة الدول نفسها.

لقد دخل العالم خلال العقود الماضية عصر البيانات الضخمة، ثم عصر الذكاء الاصطناعي، غير أن معظم هذه النماذج ما زالت تعمل داخل منطق وصفي يتعامل مع النتائج أكثر من تعامله مع البنية العميقة المنتجة لها. أما ما يطرحه المياحي، فهو أقرب إلى البحث عن “النبض البنيوي” الذي يسبق ظهور النتائج، وكأننا نغادر مرحلة مراقبة الأمواج إلى مرحلة قراءة المحيط ذاته.

ومن هنا تحديدا يمكن فهم لماذا تبدو بعض أعماله وكأنها تتحرك “ما بعد الكمومية”. فالميكانيك الكمومي فكك يقين المادة، لكنه لم يمنحنا بعد لغة موحدة لفهم الأنظمة المعقدة بوصفها أنظمة متشابهة في الجوهر البنيوي. أما هذا المسار الجديد، فإنه يحاول أن يبحث عن تلك اللغة المشتركة؛ اللغة التي تجعل الكون أقل فوضى مما نتصور، وأكثر ترابطا مما اعتدنا.

لا جرم أن الزمن وحده هو من سيحكم على مدى قدرة هذه الأفكار على التحول إلى مدرسة علمية متكاملة. بيد أن القيمة الحقيقية لأي مشروع فكري كبير لا تكمن دائما في الأجوبة التي يقدمها، وإنما في نوعية الأسئلة التي يجرؤ على طرحها. وهنا تحديدا تتبدى أهمية هذا الكتاب؛ فهو لا يطلب منك أن تصدقه، بل يدفعك لأن ترى العالم بطريقة مختلفة، وذلك أخطر ما يمكن أن يفعله كتاب صغير.

ربما نحن بالفعل أمام بداية مرحلة علمية جديدة، لا يكون السؤال فيها: ما القانون الذي يفسر الظاهرة؟ بل: ما البنية التي تجعل القوانين نفسها تتشابه؟ ويبقى السؤال الأزلي متى سيستفيد العراق والعراقيون من هذه الطاقات الخلاقة التي من خلالها سيستعيد موقعه بين الأم المتقدمة كما كان في عصور سابقة..

The Structural Law of Reality: Logarithmic Space, Unified Sensitivity Families, and the Reverse Discovery of Physical Laws This book introduces a unified structural interpretation of scientific laws through logarithmic structural space. Starting from the philosophical question “What is a law?”, the work traces the historical emergence of written law from ancient Mesopotamia and connects it to the mathematical formul...

14/05/2026

بيان تهنئة صادر عن المبادرة الوطنية للإصلاح
بمناسبة نيل الحكومة الجديدة ثقة مجلس النواب
14 أيار 2026

تتقدم المبادرة الوطنية للإصلاح بالتهنئة إلى دولة رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي، وإلى السادة الوزراء الذين نالوا ثقة مجلس النواب، بمناسبة تشكيل الحكومة الجديدة، متمنيةً لهم التوفيق في تحمل هذه المسؤولية الوطنية في مرحلة تُعد من أكثر مراحل الدولة العراقية حساسية وتعقيدًا منذ عام 2003.

إن العراق يقف اليوم عند مفترق بالغ الأهمية، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتحديات داخلية متراكمة، الأمر الذي يجعل من نجاح الحكومة المقبلة قضية ترتبط بمستقبل الدولة نفسها، لا بمصير دورة حكومية فحسب. ومن هنا فإن المسؤولية لم تعد مسؤولية إدارة يومية للملفات فقط، وإنما مسؤولية انتقال بالعراق من حالة الإنهاك المزمن إلى أفق أكثر استقرارًا وسيادة وإنتاجًا.

وتؤكد المبادرة الوطنية للإصلاح أن أي حكومة، مهما امتلكت من نوايا أو برامج، لن تتمكن من تحقيق تحول حقيقي ما لم تنطلق من مراجعة عميقة للبنية التي أنتجت أزمات العراق خلال العقدين الماضيين؛ بدءًا من الاقتصاد الريعي، وازدواج القرار الأمني، والمحاصصة، وضعف الإدارة، وصولًا إلى غياب الرؤية السيادية الشاملة للدولة.

لقد طرحنا، وما زلنا نطرح، مشروع الدولة الذكية السيادية النابضة بوصفه أفقًا جديدًا للحكم في العراق، دولة تمتلك عقلًا استراتيجيًا، وجهازًا مؤسسيًا مترابطًا، وقدرة على تحويل التكنولوجيا والبيانات والمعرفة إلى أدوات للسيادة والإنتاج والاستقرار. كما نؤمن أن الحكومة فوق الذكية لم تعد ترفًا فكريًا في عالم متغير، وإنما ضرورة لبقاء الدول وقدرتها على المنافسة وحماية مجتمعاتها.

وإذ نهنئ السادة الوزراء الذين نالوا الثقة، فإننا نأمل أن تكون المرحلة المقبلة بداية لتشكيل فرق حكومية كفوءة، تمتلك الجرأة على التفكير خارج الأطر التقليدية، والقدرة على بناء سياسات طويلة الأمد في مجالات الاقتصاد والطاقة والتعليم والمياه والأمن والتكنولوجيا والثقافة. فالعراق لا تنقصه الموارد، وإنما يحتاج إلى إدارة ذكية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

كما نرى أن تأجيل حسم بعض الوزارات إلى ما بعد العيد ينبغي أن يتحول إلى فرصة لمراجعة الأسماء والمعايير بعيدًا عن الضغوط الآنية والتوازنات الضيقة، لأن بناء الدولة يبدأ من حسن اختيار من يدير مؤسساتها، ومن قدرة الحكومة على تقديم الكفاءة على منطق المحاصصة والاسترضاء.

وتؤكد المبادرة الوطنية للإصلاح، مرة أخرى، أنها ستبقى داعمة لكل خطوة تعزز السيادة، وتحارب الفساد، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتدفع بالعراق نحو موقعه الطبيعي بوصفه مركزًا حضاريًا وسياديًا فاعلًا في المنطقة والعالم.

العراق يستحق أكثر…
ويستطيع أكثر…
إذا امتلك أخيرًا إرادة العبور إلى المستقبل.


01/05/2026

تشكيل الحكومة علميا..

المبادرة الوطنية للإصلاح
1 أيار 2026

لم تكن المشكلة في العراق يوماً في تأخر تشكيل الحكومات، ولا شحّاً في المبادرات، ولا غياباً في الخطابات. ما يتكرر هو النتيجة ذاتها، حتى حين تتبدل الوجوه، ويتغير العنوان، ويُعاد ترتيب المشهد كما لو أنه بداية جديدة. ذلك أن نقطة البدء نفسها ظلت على حالها، تُدار بمنطقٍ يكتفي بتقدير ما قد يحدث، دون أن يلامس ما يحدث فعلاً في عمق البنية.

المبادرة الوطنية للإصلاح، في جوهرها، لم تُطرح لتكون إضافة رقمية إلى قائمة المبادرات، بل لتعيد طرح السؤال الذي تم تجاوزه طويلاً: ما الذي نُديره حين نقول إننا ندير الدولة؟ هل نتعامل مع كيانٍ قائمٍ بذاته، أم مع صورة ذهنية عنه تتشكل وفق التوازنات والضغوط والانطباعات؟

حين ننظر إلى طريقة تشكيل الحكومات في العراق، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يتكرر بإيقاعٍ مملّ، تُحسم فيه الأمور تحت ضغط اللحظة، وتُبنى التفاهمات على ما هو ممكن سياسياً، لا على ما هو لازم بنيوياً. ولهذا، تمضي الحكومات وهي تحمل في داخلها بذور ضعفها، وتعمل ضمن زمنٍ مضطرب، لا يستقر على إيقاع، ولا يتيح تراكم الفعل.

في هذا الموضع تحديداً، يفرض نفسه طرحٌ مختلف، لا يأتي من السياسة التقليدية، بل من محاولة فهمٍ أعمق لطبيعة الأنظمة نفسها. ما يقدمه الدكتور عبد السلام المياحي في نظرياته حول الزمن الداخلي والبنية ليس تفصيلاً علمياً يمكن تجاوزه، بل مدخلاً لإعادة تعريف معنى “الإدارة” ذاتها. الفكرة التي تستحق التوقف عندها أن ما نسميه احتمالاً ليس خاصية في الواقع، بل انعكاس لعجزنا عن الوصول إلى بنيته. وعندما تتكشف البنية، يتراجع الظن، ويتقدم القياس.

إذا أُسقط هذا الفهم على الدولة، فإن كثيراً مما نعدّه تحليلاً سياسياً يتبين أنه مجرد تقدير احتمالي. نختلف حول فرص النجاح، ونحسب توازنات القوة، ونراقب ردود الأفعال، فيما تغيب عنا الحالة البنيوية للنظام نفسه: هل هو متماسك؟ هل يعمل ضمن زمنٍ منتظم؟ كم تبقى له من قدرة على الاستمرار قبل أن يدخل في طور الانهيار؟

هذه الأسئلة لا تُطرح في العادة، لأن أدوات القياس لم تكن حاضرة. أما اليوم، فإن إدخال مفهوم “الاستمرارية البنيوية” إلى التفكير السياسي يفتح أفقاً آخر. الدولة ليست خطاباً، بل منظومة، وهذه المنظومة لا تُفهم من خلال ظاهرها، بل من خلال عناصرها العميقة، حيث يكفي خللٌ واحدٌ في أحد المكونات حتى يبدأ التآكل، مهما بدت الصورة مستقرة على السطح.

من هنا، لا يعود تشكيل الحكومة غاية قائمة بذاتها، بل حلقة في مسار أوسع، يتطلب أن تُبنى السلطة التنفيذية على شروطٍ تضمن استمرارية النظام، لا مجرد توازنه اللحظي. الحكومة التي تُنتجها مساوماتٌ عاجلة قد تنجح في عبور اللحظة، لكنها تضيف طبقة جديدة من الاختلال، لأنها لم تُبنَ على فهمٍ للحالة البنيوية التي تعمل ضمنها.

المبادرة الوطنية للإصلاح، إن أرادت أن تحافظ على تمايزها، لا يكفي أن ترفع شعار الاستقلال أو الكفاءة، بل عليها أن تنتقل إلى مستوى أعمق: أن تُعيد تعريف معيار النجاح ذاته. النجاح لا يُقاس بعدد الأصوات، ولا بحجم التحالف، بل بقدرة الدولة على استعادة تماسكها، وانتظام زمنها، وتوسيع هامش أمانها.

وحين يُعاد بناء هذا المعيار، تتغير طبيعة القرار. لا يُسأل من يكون رئيساً للحكومة قبل أن يُسأل: هل البنية تسمح بحكومة قابلة للاستمرار؟ لا يُبحث عن التوافق قبل أن يُفهم ما الذي يجعل التوافق نفسه منتجاً، لا معطلاً. ولا تُدار الدولة بوصفها ساحةً للصراع، بل نظاماً يجب أن يستعيد قدرته على الحياة.

هنا يتبلور الفارق بين من يسعى إلى الحكم، ومن يسعى إلى بناء الدولة. الأول يتحرك داخل الإطار القائم، ويجيد التعامل مع معطياته، أما الثاني فيبدأ من إعادة تعريف هذا الإطار نفسه. وهذه هي اللحظة التي تمتحن كل المشاريع: هل تكتفي بتدوير الأزمة، أم تجرؤ على تغيير زاوية النظر إليها؟

في العراق، لا يبدو أن الوقت متاحٌ للمزيد من التدوير. ما نواجهه ليس تعثراً هامشيا، بل اقترابٌ تدريجي من حدود لا تُرى في العادة إلا حين يتم تجاوزها. وعند تلك النقطة، لا تنفع المعالجات الجزئية، لأن المشكلة لم تعد في قرارٍ هنا أو هناك، بل في البنية التي تنتج القرارات.

لهذا، فإن الحديث عن الإصلاح لا ينبغي أن ينشغل بالشكل الذي ستتخذه الحكومة القادمة بقدر ما ينشغل بالسؤال الذي سبق تجاهله: كيف نعيد للدولة قدرتها على الاستمرار؟ وعند الإجابة عن هذا السؤال، ستأتي بقية الإجابات تباعاً، لا بوصفها حلولاً منفصلة، بل نتائج طبيعية لإطارٍ تم تصحيحه من جذوره.

ومن هنا تبدأ الحكاية… لا من حيث ينتهي الآخرون.

01/05/2026

لماذا أدعم الزيدي اليوم؟

الدكتور ليث شبر
1 أيار 2026

وعدتُ القرّاء أن أكتب بوضوح عن موقفي من علي الزيدي، ولم أرد أن أترك الأمر في دائرة الانطباع، لأن اللحظة أكبر من مجاملة، وأعمق من رد فعل، ولأن العراق، في هذا المنعطف، يحتاج إلى مواقف تُبنى على قراءة واعية، لا على رغبة عابرة. ومن هنا فإن ما أكتبه اليوم هو محاولة لفهم ما يمكن أن يتيحه هذا التكليف، أكثر مما هو حكمٌ مسبق على نتائجه.

تمتد معرفتي بالزيدي لسنوات، وعرفته شاباً طموحاً، دمث الخلق، له علاقات طيبة مع مختلف الأطراف، وكان يحمل، في أحاديثه بين أقرانه، إيماناً بأن باب الإصلاح، وإن ضاق، لا يُغلق، وكان يرى أن العراق، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادراً على أن ينهض إذا توفرت إرادة مختلفة، وهذه ليست شهادة عابرة، لأنها تتصل بطبيعة الرجل، وكيف يفكر، وكيف ينظر إلى الدولة، وكيف يتعامل مع الآخرين، وهي أمور تظهر قيمتها حين يوضع صاحبها في موقع القرار.

وجاء تكليفه مفاجئاً لكثيرين، بيد أن المفاجأة، في بعض الأحيان، تفتح ما تعجز عنه التوقعات، لأن المسار الذي اعتاد إعادة إنتاج نفسه قد كُسر، ولو جزئياً، وهذا وحده يخلق مساحة للتفكير، ويمنح الفرصة لأن يُعاد طرح الأسئلة التي ظلت مؤجلة. ومع ذلك، فإن قيمة هذه اللحظة لا تتحدد بالمفاجأة، بل بما يمكن أن يُبنى عليها، وهنا يبدأ الحديث الجاد.

ومن بين ما يلفت النظر أن هذا التكليف جاء في سياق قبول إقليمي ودولي واضح، حيث ظهرت إشارات دعم من أطراف مؤثرة، أمريكية وخليجية وعربية، وهو أمر لا يمكن تجاهله في بلد يرتبط، بحكم موقعه، بشبكة معقدة من العلاقات، كما أن ما تردد عن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للزيدي لزيارة واشنطن يفتح باباً لقراءة مختلفة، لأن مثل هذه الخطوة تعني أن ثمة فرصة لإعادة تموضع العراق على الخريطة الدولية، واستعادة جزء من حضوره الذي تراجع في السنوات الماضية، وهذه ليست مسألة شكلية، بل عامل يمكن أن ينعكس على الاقتصاد، وعلى الأمن، وعلى موقع الدولة في التوازنات الإقليمية.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن الرجل يدخل إلى هذا الموقع وهو يمتلك إمكانيات مادية كبيرة، وهذه نقطة كثيراً ما تُقرأ بسطحية، مع أنها، في واقع الحال، قد تمنحه هامشاً أوسع في اتخاذ القرار، وتخفف من ضغوط الابتزاز التي كثيراً ما تقع على من لا يمتلك هذا الاستقلال، ولا أقول إن المال وحده يصنع النزاهة، غير أنه، حين يقترن بإرادة واضحة، قد يبعد صاحبه عن كثير من مواطن الشبهة التي أفسدت تجارب سابقة.

ومع كل ذلك، فإن دعمي لا يقوم على هذه العناصر منفصلة، بل على ما يمكن أن تنتجه إذا اجتمعت في مسار واحد. فالعراق لا يحتاج إلى حكومة تدير اليوم بيومه، وإنما إلى حكومة تفكر، ترتب الأولويات، تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، تفتح الباب أمام الكفاءات، وتتعامل مع الأفكار الجديدة، ومنها ما طرحناه في مشروع الدولة الذكية السيادية النابضة، باعتبارها أدوات عمل، لا نصوصاً للقراءة.

وأدرك أن في هذا الكلام قدراً من التفاؤل، غير أنني أرى أن الاستمرار في التشاؤم لم يعد خياراً منتجاً، لأننا جربناه بما يكفي، ورأينا كيف يتحول إلى ذريعة للبقاء داخل الدائرة نفسها. ومن هنا فإن دعم محاولة مختلفة، حتى مع ما يحيط بها من أسئلة، أقرب إلى العقل من الإصرار على إعادة التجربة ذاتها وانتظار نتيجة أخرى.

ومع ذلك، فإن هذا الدعم ليس نهاية النقاش، بل بدايته. فالزيدي أمام امتحان حقيقي، وعليه أن يثبت، بالفعل لا بالقول، أنه قادر على أن يتحرك خارج القوالب الجاهزة، وأن يبني فريقاً يفكر، وأن يعلن رؤيته بوضوح، وأن يتعامل مع الدولة باعتبارها مشروعاً، لا موقعاً. فإذا فعل، وجد منا دعماً لا يتردد، وإذا لم يفعل، فلن يكون مختلفاً عمن سبقوه.

وفي كل الأحوال، فإن هذه اللحظة، بما تحمله من مفاجأة واحتمال، تستحق أن تُقرأ بهدوء، وأن تُمنح فرصة، لأن العراق، في بعض مفاصله، يفاجئ من يظنه قد استنفد كل إمكاناته، وأنا ما زلت أرى أن في هذه البلاد ما يستحق أن نراهن عليه، حين يظهر من يفتح نافذة في جدار طال إغلاقه.

29/04/2026

بيان صادر عن المبادرة الوطنية للإصلاح
بمناسبة تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة
29 نيسان 2026

تتقدم المبادرة الوطنية للإصلاح بالتهنئة إلى السيد علي الزيدي بمناسبة تكليفه بتشكيل الحكومة، متمنيةً له التوفيق في أداء هذه المسؤولية الوطنية في ظرف دقيق تتعاظم فيه التحديات، وتتطلب معه المرحلة وعياً عالياً، وقراراً مسؤولاً، ورؤية تتجاوز المعالجات الآنية إلى بناء مقاربات أكثر رسوخاً في إدارة الدولة.

وتؤكد المبادرة أن هذا التكليف يمثل فرصة ينبغي أن تُستثمر في الاتجاه الذي يعزز الاستقرار، ويصون السيادة، ويقوّي مؤسسات الدولة، ويعيد الاعتبار لمتطلبات الإصلاح التي طال انتظارها. كما ترى أن نجاح الحكومة المقبلة يرتبط بقدرتها على مقاربة الملفات الأساسية بروح الدولة، وفي مقدمتها الأمن، والاقتصاد، والخدمات، والإدارة العامة، وترسيخ ثقة المواطن بالمؤسسات.

وفي هذا السياق، تجدد المبادرة الوطنية للإصلاح موقفها الثابت بأن الإصلاح لا يتحقق بإعادة إنتاج الصيغ التي أثبتت محدوديتها، وإنما بالشروع في مراجعات جادة تعالج الاختلالات البنيوية، وتفتح المجال أمام إدارة أكثر كفاءة، وسياسات أكثر اتزاناً، ورؤية وطنية تجعل مصلحة العراق العليا معياراً حاكماً في القرار.

كما تؤكد المبادرة أن المرحلة الراهنة تستوجب تغليب منطق الدولة على ما سواه، والنظر إلى تشكيل الحكومة مدخلاً لاستعادة الفاعلية المؤسسية، واستحقاقاً سياسياً يرتبط بمسار الدولة ومصالحها العليا. فالعراق يمتلك من الطاقات والإمكانات ما يؤهله للانتقال إلى مسار أفضل، متى ما توفرت الإرادة، وحسن التقدير، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.

وتود المبادرة الوطنية للإصلاح، في هذه المناسبة، أن تؤكد أن ما تطرحه لا يقف عند حدود إبداء المواقف أو تقديم النصح العام، بل يستند إلى مشروع وطني استراتيجي متكامل، تشارك فيه نخبة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين وذوي الخبرة في الإدارة والسياسة والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا، ممن يمتلكون الأهلية العلمية والعملية للإسهام في إدارة الدولة، وتحمّل المسؤوليات العامة، والمشاركة في بناء الحلول الوطنية المطلوبة.

كما تذكّر المبادرة بأنها عملت خلال السنوات الماضية على إنتاج رؤى وبرامج ذكية قابلة للنقاش والتطوير، في مقدمتها مشروع الدولة الذكية السيادية النابضة، ومقاربة الحكومة فوق الذكية، ومشروع الاقتصاد السيادي، وبرامج الإصلاح المؤسسي، إضافة إلى طروحات ابتكارية في مجالات التحول الرقمي، والسيادة التقنية، والعملة الرقمية الوطنية «أوركوين»، وسواها من الأفكار التي قُدمت بوصفها اجتهادات وطنية تستهدف تحديث منطق الدولة وتعزيز قدرتها على الاستجابة والتحول.

وتؤكد المبادرة أن غايتها ظلت، وما تزال، الإسهام في استعادة الدولة، وترسيخ الحكم الرشيد، وبناء نموذج وطني حديث يجعل من العلم والكفاءة والتخطيط أدوات فاعلة في إدارة الشأن العام، ويضع العراق في مسار يليق بإمكاناته وموقعه الحضاري.

وإذ تجدد المبادرة تهنئتها، فإنها تعرب عن أملها في أن تكون الحكومة المقبلة خطوة في اتجاه تعزيز الاستقرار، ودعم الإصلاح، وترسيخ السيادة، وبناء ما ينسجم مع تطلعات العراقيين إلى دولة قادرة، عادلة، ومتماسكة، كما تؤكد استعدادها للمساهمة بالرأي والخبرة وكل ما من شأنه خدمة العراق ومؤسساته.

المبادرة الوطنية للإصلاح
29 نيسان 2026

22/04/2026

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان
المبادرة الوطنية للإصلاح

بشأن مشروع قانون الخدمة العسكرية الإلزامية وأولويات المرحلة

بغداد – 22 نيسان 2026

تتابع المبادرة الوطنية للإصلاح النقاشات الجارية تحت قبة البرلمان بشأن مشروع قانون الخدمة العسكرية الإلزامية، وما رافقها من مواقف متباينة، في وقت تشير فيه التطورات الأخيرة إلى المضي بالقراءة الأولى لمشروع القانون، مع استمرار الجدل حول توقيته، وكلفته، وآثاره الاجتماعية، وتعقيداته الدستورية والتنفيذية، فضلاً عن اعتراضات سياسية ومجتمعية معلنة من أطراف مؤثرة بشأن آليات تطبيقه ونطاقه الوطني.

وإذ تنظر المبادرة إلى هذا الملف بصفته من الملفات السيادية الحساسة التي تمس بنية المجتمع والدولة معاً، فإنها ترى أن طرح مثل هذه التشريعات الكبرى في هذه اللحظة يقتضي أعلى درجات التأني، وألا يُزج بها في بيئة سياسية لم تُحسم فيها بعد المهمة الدستورية الأساسية الماثلة أمام مجلس النواب، والمتمثلة في استكمال تشكيل الحكومة والتصويت عليها.

إن الأولويات لا تُبنى بالاندفاع، بل بترتيب الاستحقاقات. والبلاد ما زالت أمام أسئلة جوهرية تتصل بإدارة الدولة، والاستقرار المالي، والبيئة الأمنية، ووحدة القرار السيادي، وهي أسئلة أسبق من الذهاب إلى تشريعات من هذا الوزن.

وتؤكد المبادرة الوطنية للإصلاح ما يأتي:

أولاً
إن أي قانون يمس البنية المجتمعية بهذا الاتساع ينبغي أن يُناقش ضمن رؤية وطنية شاملة، بعد حوار مجتمعي ومؤسسي واسع، لا في ظل انشغال الدولة بانتقال حكومي لم يكتمل.

ثانياً
إن مجلس النواب مدعو اليوم إلى إنجاز مهمته الدستورية الأساسية أولاً، فاستكمال تشكيل الحكومة ليس تفصيلاً إجرائياً، بل مدخل انتظام الدولة كلها.

ثالثاً
إن تشريع الخدمة الإلزامية، قبل حسم فلسفة الأمن الوطني، وعلاقة المؤسسة العسكرية ببنية الدولة، ومسألة احتكار السلاح، يفتح أسئلة أكبر من أن تُختزل بقانون.

رابعاً
إن الكلفة المالية والإدارية لمثل هذا القانون تستوجب دراسة دقيقة، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً اقتصادية معروفة، ولا يجوز إضافة التزامات كبرى من دون حسابات رصينة.

خامساً
إن معالجة بطالة الشباب، وترسيخ الانتماء الوطني، وبناء الانضباط، أهداف مهمة، غير أن بلوغها لا ينحصر في مسار واحد، بل يتطلب رؤية أوسع في التعليم، والتدريب، والخدمة المدنية، والاقتصاد المنتج.

سادساً
إن الدولة الذكية السيادية النابضة، كما نطرحها، تُبنى على قراءة المؤشرات، وقياس الأثر، والتدرج في القرار، لا على إدخال المجتمع في التزامات كبرى قبل تهيئة بيئتها المؤسسية.

سابعاً
إن العراق يحتاج في هذه المرحلة إلى تقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز تماسكها البنيوي، لا إلى تشريعات قد تتحول، إذا طُرحت بغير توقيت، إلى بؤرة انقسام جديدة.

ثامناً
إن المبادرة تدعو إلى تأجيل البت بهذا القانون إلى ما بعد إنجاز الحكومة الجديدة، وفتح نقاش وطني متخصص حوله، تشارك فيه المؤسسة العسكرية، والجامعات، والخبراء، والقوى المجتمعية.

تاسعاً
إن الإصلاح التشريعي الحقيقي يبدأ من سؤال الأولويات. وأولوية اللحظة هي الحكومة، والبرنامج، وإدارة المخاطر التي تواجه البلاد.

عاشراً
إن المبادرة تحذر من تحويل البرلمان إلى ساحة لتكديس القوانين الكبرى في لحظة اضطراب، فيما تبقى المهمة الأصلية معلقة، لأن اختلال ترتيب الأولويات أحد وجوه الأزمة البنيوية التي نبهنا إليها مراراً.

إن العراق يحتاج اليوم إلى عقل حكيم، وقرار مدروس، وفقه أولويات، وإدراك أن الدولة لا تُدار بردود الأفعال. أما القوانين التي تمس المجتمع في عمقه، فيجب أن تُصاغ بهدوء، وأن تُقرأ بعين المستقبل.

المبادرة الوطنية للإصلاح
ً_مرة_أخرى

15/04/2026

تهنئة رسمية
المبادرة الوطنية للإصلاح

بمناسبة حلول عيد رأس السنة للإخوة الأيزيديين، تتقدم المبادرة الوطنية للإصلاح بأحرّ التهاني وأصدق التبريكات إلى أبناء شعبنا الأيزيدي الكريم في العراق والعالم، سائلين الله أن يجعله عيد خيرٍ وسلام، وأن يعيده عليهم وعلى وطننا العزيز بالأمن والاستقرار والازدهار.

ويمثل هذا العيد مناسبة حضارية عريقة تجسد عمق التنوع الثقافي والديني الذي يزخر به العراق، وتؤكد أن التعددية التي نعتز بها كانت ولا تزال مصدر قوة لوحدته الوطنية واستقراره. لقد كان الأيزيديون عبر التاريخ جزءاً أصيلاً من النسيج العراقي، وأسهموا في بناء حضارته، وقدموا تضحيات جسيمة دفاعاً عن كرامة الإنسان ووحدة الوطن.

وإذ نشارك أبناء شعبنا الأيزيدي أفراحهم بهذه المناسبة، فإننا نستحضر ما تعرضوا له من مآسٍ جسيمة، وفي مقدمتها جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، والتي اعترف بها المجتمع الدولي بوصفها جريمة إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. وما تزال آثار هذه الجريمة ماثلة حتى اليوم، إذ تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة إلى أن الآلاف من الإيزيديين قد اختُطفوا، ولا يزال عدد منهم في عداد المفقودين، الأمر الذي يجعل هذا الملف جرحاً إنسانياً مفتوحاً يتطلب استكمال الجهود الوطنية والدولية لكشف مصيرهم وإنصاف ذويهم.

كما تستمر معاناة عشرات الآلاف من النازحين الذين لم يتمكنوا بعد من العودة إلى ديارهم في سنجار بسبب الدمار ونقص الخدمات وتعقيدات الواقع الأمني. ورغم إقرار قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021، الذي يمثل خطوة قانونية وإنسانية متقدمة في إنصاف الضحايا، فإن تطبيقه الكامل وتسريع إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار في مناطقهم تبقى مسؤولية وطنية ملحّة.

ولا يمكن إغفال التحديات الأمنية التي تعيق الاستقرار في سنجار، نتيجة تداخل القوى المسلحة والتدخلات الإقليمية، بما في ذلك وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) والعمليات العسكرية التركية، وهو ما يستدعي بسط سلطة الدولة العراقية حصراً على المنطقة، وضمان عودة آمنة وكريمة لسكانها.

وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية، تؤكد المبادرة الوطنية للإصلاح أن التهنئة الحقيقية لا تكتمل بالكلمات وحدها، بل تتحقق عبر إجراءات عملية، في مقدمتها:

الكشف عن مصير المختطفين وتحريرهم وإنصاف ذويهم.

استكمال تنفيذ قانون الناجيات الإيزيديات وضمان حقوق الضحايا.

تسريع إعادة إعمار سنجار وتأمين عودة النازحين بكرامة وأمان.

بسط سيادة الدولة العراقية وإنهاء تعدد مراكز القرار الأمني.

تحييد سنجار عن الصراعات الإقليمية وتعزيز الاستقرار فيها.

إن إنصاف الإيزيديين واجب وطني وأخلاقي وقانوني، ويُعدّ اختباراً حقيقياً لالتزام الدولة بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

إن المبادرة الوطنية للإصلاح تؤمن بأن حماية التنوع العراقي ورعايته تمثلان أساساً لتعزيز التماسك المجتمعي وبناء مستقبل آمن ومستقر، بما يليق بتاريخ العراق ومكانته الحضارية.

كل عام وأهلنا الأيزيديون بألف خير، ونسأل الله أن يعمّ السلام ربوع عراقنا العزيز.

المبادرة الوطنية للإصلاح
بغداد
15 نيسان 2026

15/04/2026

رسالة أخلاقية إلى قيادات المبادرة الوطنية للإصلاح وإلى أبناء الشعب العراقي..

السلام عليكم أيها الأحبة

لقد رافقني منذ سنوات طويلة كتاب «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» للعالم والفيلسوف والمؤرخ الكبير أبي علي مسكويه، ذلك السفر الخالد الذي كُتب قبل أكثر من ألف عام، فبقي حيّاً في العقول والضمائر، شاهداً على أن الأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُشيَّد على دعائم الفضيلة وسموّ الأخلاق. وقد أدرك مسكويه أن إصلاح الإنسان هو الطريق الأقوم لإصلاح الدولة، وأن العمران لا يستقيم إلا إذا استقامت النفوس.

ويروي التراث حادثة طريفة تعبّر عن عمق هذا الإرث الفكري؛ إذ مرّ الفيلسوف الطبيب ابن سينا بمجلس مسكويه وهو يدرّس طلابه، فرمى إليه جوزةً قائلاً: «احسب مساحتها بالشعيرات»، تعريضاً بدروسه. فما كان من مسكويه إلا أن ردّ عليه بكتاب «تهذيب الأخلاق»، وكأنه يقول: إن إصلاح النفس أولى من قياس الأجسام، وإن تهذيب الإنسان أعظم من أي علم آخر. وهكذا انتصرت الحكمة للأخلاق، وبقيت الكلمة الخالدة أبلغ من أي جواب.

ومنذ فجر التاريخ، أولت الحضارات الإنسانية للأخلاق منزلة سامية؛ فقد جعلتها الشرائع السماوية جوهر رسالاتها، وحملها الأنبياء نوراً يهدي البشرية، وجعلها الحكماء ميزان العقل، وتغنّى بها الشعراء المصلحون سبيلاً إلى صلاح الأمم. وما من حضارة نهضت إلا وكانت الأخلاق أساسها، ولا أمة سقطت إلا حين تهاوت قيمها وتصدّع بنيانها الروحي.

إن الأخلاق ليست ترفاً فكرياً ولا زينة خطابية، بل هي روح الحضارة وركن الدولة وميزان الإنسان. وإذا كانت القوانين تضبط السلوك، فإن الأخلاق تهذب الضمير، وتمنح الحياة معناها الإنساني الأسمى.

أيها الأحبة في المبادرة الوطنية للإصلاح،
وأبناء شعبنا العراقي الكريم،
وقياداتنا الوطنية الواعية،

إن أمام كل أمة خطاً فاصلاً دقيقاً، إذا اجتازته سقطت في المهاوي. والخشية اليوم أن يكون مجتمعنا قد بلغ عتبة هذا الخط الحرج. فالقيم لا تنهار دفعة واحدة، بل تنحرف تدريجياً حتى تفقد معناها الأصيل. وعندها يتحول الفرح إلى تهريج، والشجاعة إلى تهور، والحكمة إلى جبن، والحزم إلى ظلم، والحرية إلى فوضى، والاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى تجريح، والولاء إلى تعصب، والطموح إلى جشع، والتدين إلى تشدد، والسياسة إلى صراع بلا أخلاق.

إن الفضيلة تكمن في التوازن، كما علّمنا الحكماء؛ فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والعدل بين الظلم والضعف، والحكمة بين التردد والاندفاع. وحين يختل هذا الميزان، تختل معه الدولة والمجتمع معاً.

ومن هنا، فإن رسالتنا اليوم ليست دعوة نظرية، بل نصيحة عملية صادقة:
فلنحفظ هذا الخط الفاصل، ولنجعل الأخلاق مرجعيتنا في الفكر والعمل، وفي السياسة والإدارة، وفي الحوار والاختلاف. فبغيرها تضيع القيم، وتتآكل الثقة، وتفقد الدولة روحها، ويضيع الإنسان في متاهات الصراع.

إن المبادرة الوطنية للإصلاح، وهي تسعى إلى بناء دولة ذكية سيادية عادلة، تؤمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ من إصلاح الضمير، وأن بناء المؤسسات لا يكتمل إلا ببناء الإنسان. فالأخلاق هي أساس الحكم الرشيد، وهي الضامن لوحدة المجتمع واستقراره، وهي الطريق إلى مستقبل يليق بتاريخ العراق وحضارته.

فلنجعل من الأخلاق دستوراً غير مكتوب، ومن الضمير سلطة لا تعلو عليها سلطة، ومن القيم جسراً يعبر بنا نحو دولة عادلة ومجتمع متماسك.

ختاماً، نقول كما قال أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق مابقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

الدكتور ليث شبر
المبادرة الوطنية للإصلاح
العراق – 15 نيسان 2026

Want your business to be the top-listed Government Service in Baghdad?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Address

العراق/بغداد
Baghdad
10001