08/05/2026
الجمعة 8\5\2026
كلمة الارشاد الديني
شعبة محاربة الشائعات \ قسم العلاقات والاعلام
الكلمة الرقمية مسؤولية
يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب قوله: «أَيُّها الكاتِبُ ما تَكتُبُ مَكتوبٌ عَلَيك، فَاِجعَلِ المَكتوبَ خَيراً، فَهوَ مَردودٌ إِلَيك». ولو تأملنا هذا المعنى في زمن منصات التواصل الاجتماعي لوجدناه أكثر حضوراً من أي وقت مضى؛ فما نكتبه اليوم لا يبقى بيننا وبين أنفسنا، بل قد ينتشر في لحظات، ويصل إلى أناس لا نعرفهم، ويترك أثراً قد يستمر طويلاً في فضاء الإنترنت.
أصبحت الشائعة اليوم أسرع من التحقق، والانفعال أسرع من الحكمة، وكثير من الناس يضغطون زر الإعجاب أو المشاركة أو التعليق قبل أن يسألوا: هل هذا الخبر صحيح؟ هل مصدره موثوق؟ هل في نشره منفعة أم أذى؟ وهنا تكمن خطورة النشر العشوائي؛ فهو لا يضر بالحقيقة فقط، بل قد يظلم إنساناً، أو يشوه سمعة، أو يثير خوفاً، أو يزرع كراهية، أو يوسع فجوة الشك بين أفراد المجتمع.
لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى قاعدة واضحة في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. فالتبين ليس ترفاً فكرياً، بل واجب أخلاقي يحمي الناس من الندم والظلم. وقال تعالى أيضاً: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي لا تتبع ولا تنقل ولا تحكم فيما لا تعلم حقيقته. ثم يأتي المعنى الأعمق في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ليذكرنا بأن الكلمة ليست فعلاً عابراً، بل مسؤولية محفوظة ومحاسب عليها.
وفي عالم التواصل الاجتماعي، لا يقتصر الأمر على من يكتب المنشور الأول؛ فكل تعليق قد يزيد انتشار الفكرة، وكل إعجاب قد يمنحها قوة، وكل مشاركة قد تنقلها إلى جمهور جديد. لذلك فإن المستخدم ليس متفرجاً محايداً دائماً، بل قد يكون شريكاً في نشر الخير أو في توسيع دائرة الضرر. ومن هنا يجب أن ندرك أن التفاعل الرقمي نفسه عمل من أعمالنا، لا يقل أهمية عن الكلام المباشر في المجالس واللقاءات.
إن معالجة الشائعات لا تكون بالرقابة وحدها، ولا بالتخويف وحده، بل ببناء وعي يجعل الإنسان مسؤولاً قبل أن يكون مراقَباً. علينا أن نتعلم ثقافة التوقف قبل النشر، والتحقق قبل المشاركة، والإنصاف قبل الحكم، والاعتذار إذا أخطأنا. فليس عيباً أن نحذف خبراً غير صحيح أو نصحح معلومة نقلناها، بل العيب أن نصر على الخطأ بعد ظهور الحقيقة.
وخلاصة الأمر أن كل منشور وتعليق وإعجاب ومشاركة هو جزء لا يتجزأ من أعمالنا التي سنُسأل عنها، وهو أثر قد يبقى بعدنا ما دام موجوداً في فضاء الإنترنت. فقد يترك الإنسان سنة حسنة بكلمة صادقة أو نصيحة نافعة أو معلومة موثوقة، وقد يترك سنة سيئة بشائعة أو إساءة أو اتهام بلا دليل. فلنجعل ما نكتبه خيراً، وما ننشره نافعاً، وما نتركه خلفنا شاهداً لنا لا علينا.

08/05/2026