21/09/2026
حريصا ليست مسرحًا… فمن يحمي حرمة المكان؟
الفيديو المنتشر لتيك توكر عربية وهي تستعرض ثيابها وثياب أصدقائها في باحة حريصا ليس مجرد فيديو عابر يمكن أن ينتهي بانتهاء موجة التفاعل عليه. المسألة، بالنسبة إليّ، تتجاوز الأشخاص والفيديو نفسه، لأنها تمسّ صورة المكان وهيبته، وتطرح سؤالًا مباشرًا حول مسؤولية من يتولون هذا الصرح في حماية حرمته وحدوده.
أنا شربل الغاوي، الماروني، وأقولها بصراحة ومن دون مجاملة: لا أزور حريصا منذ زمن، لأنني لم أعد أشعر فيها بذلك الخشوع الذي يفترض أن يشعر به الإنسان عندما يدخل صرحًا دينيًا يحمل اسم العذراء. وأنا لا أحمّل العذراء مسؤولية هذا الشعور، فالعذراء ليست بحاجة إلى موقع سياحي كي تكون حاضرة؛ هي في كل كنيسة، وفي كل بيت، وفي قلب كل مؤمن.
لكن حريصا ليست مجرد موقع سياحي. هي صرح ديني، والصرح الديني له هيبته وحدوده، ومن يتولى مسؤوليته لا يدير موقعًا سياحيًا فحسب، بل يحافظ على مكان له رمزيته في وجدان الناس.
وهنا أسأل: أين هي التدابير؟ عندما يظهر كتف امرأة، تصبح الأغطية جاهزة والتعليمات واضحة، وتُفرض قواعد اللباس بحزم. لكن عندما يتحول المكان إلى مساحة للتصوير والاستعراض وصناعة المحتوى، أين تختفي هذه الصرامة؟ هل التدابير لنا فقط؟ وهل احترام حرمة المكان مطلوب من المؤمن الذي يأتي للصلاة، بينما يصبح كل شيء مباحًا عندما تدخل الكاميرا؟
المسألة ليست قطعة ثياب، بل مسألة معايير. إذا كانت هناك قواعد، فيجب أن تكون واضحة وعادلة وتُطبّق على الجميع. أما أن تكون هناك صرامة في موقف وتساهل في موقف آخر، فهذا ما يفتح الباب أمام السؤال عن معنى القدسية أصلًا.
أنا لا أرفض السياحة، ولا استقبال الزوار، ولا التصوير في حد ذاته. لكنني أرفض أن تتحول الأماكن المقدسة إلى خلفيات لمحتوى يبحث عن المشاهدات، وأن تصبح الكاميرا أقوى من هيبة المكان. هناك فرق بين أن يأتي الإنسان إلى حريصا لزيارة مزار ديني، وبين أن يتعامل مع الصرح وكأنه مجرد موقع جميل يصلح للتصوير والاستعراض.
ورسالة اليوم أوجهها مباشرة إلى الآباء والرهبان المسؤولين عن هذا الصرح: ماذا تريدون من حريصا أن تكون؟ مزارًا للصلاة والخشوع، أم مساحة سياحية مفتوحة لكل أشكال الاستعراض؟ لأن المسؤولية ليست في فتح الأبواب فقط، بل في معرفة ما الذي يدخل من تلك الأبواب، وما الذي يجب أن يبقى خارجها.
أنا شربل الغاوي، الماروني، وأتحدث من داخل هذا البيت لا من خارجه. وانتمائي لا يعني أن أصمت، والإيمان لا يعني أن نغض الطرف، والاحترام لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة. عندما ينتقد المؤمن ما يراه خطأ في مكان ينتمي إليه، فهو لا يهاجم إيمانه، بل يطالب بأن يبقى لهذا الإيمان مكان يليق به.
وما يزيد قلقي أن هذه المظاهر ليست جديدة. وبعد الورشة التي حصلت في مار شربل، يصبح من حقنا أن نسأل إلى أين تتجه الأمور، وماذا يُحضّر للأماكن الدينية، وأين تنتهي الأنشطة المقبولة ويبدأ تجاوز حرمة المكان. لا أريد أن أرى يومًا تتحول فيه الأماكن التي تربينا على احترامها إلى مساحات مفتوحة لكل شيء، تحت عناوين السياحة والانفتاح والحداثة وصناعة المحتوى.
لذلك أقولها علنًا: أنا مستعد لمناظرة علنية مع المسؤولين عن هذا الصرح، كهنةً ورهبانًا، وأمام الناس. أريد أن أعرف ما هي المعايير، ومن يضعها، وعلى من تُطبّق، ولماذا تبدو أحيانًا شديدة على المؤمن ومتساهلة عندما يتعلق الأمر بالاستعراض. لا أريد بيانات إنشائية ولا شعارات، بل أريد إجابات واضحة.
حريصا ليست ديكورًا، وليست خلفية لصورة، وليست منصة لمحتوى عابر. حريصا صرح ديني، ومن يتولى مسؤوليته يحمل أمانة الحفاظ على هيبته. العذراء لا تحتاج إلى من يدافع عنها، لكن المكان الذي يحمل اسمها يحتاج إلى من يحمي حرمته.
لأن القضية في النهاية ليست من صوّر الفيديو، ولا من ظهر فيه. القضية هي السؤال الأكبر: عندما يصبح الاستعراض عاديًا في المكان المقدس، من يحمي قدسية المكان؟
فإذا سقطت هيبة المكان، فماذا يبقى من قدسيته؟
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي