06/12/2025
التهامي نعمان رفيق عباس المساعدي
يسقط الاتهامات الموجهة للمهدي بنبركة !
سؤال : *
طيب سي التهامي نعمان، ما قصة المقاوم المغربي الكبير عباس المسعدي، الذي أصبح الكثيرون يتاجرون باسمه، والتي أسالت الكثير من المداد ؟وأود أن أتوقف معكم عند آخر ما خرج به أحرضان من موقف وتصريحه أنه يعرف قاتل المسعدي الذي لا يزال يقيم بالدارالبيضاء؟ مثلما أن البعض الآخر قد حاول مرارا إلصاق تهمة القتل تلك بالشهيد المهدي بنبركة. ما قصة الرجل، الذي لم يكن قائدا عاديا ضمن جيش التحرير المغربي، كما سبق وأكد لي مرارا الراحل الفقيه البصري؟.
ففي حدود علمي، أنت أكثر من يستطيع التكلم عنه لقربك منه ومعرفتك اللصيقة به. فما الذي يمكن أن تفيد به الرأي العام الوطني وعائلة الرجل وتنصف به الحقيقة التاريخية؟
قصة المسعدي طويلة ومثيرة. فعلا علاقتي به قوية، لسبب بسيط وهو أنني أنا واحد ممن عينوه في جيش التحرير بالشمال، وتعود معرفتي به إلى مدينة الدارالبيضاء، حين كان يعمل بشركة الشهيد إبراهيم الروداني، وهناك تعرفت عليه أول مرة، بعد أن غادر السجن لأسباب عائلية خاصة، قبل التحاقه بالمقاومة والعمل الوطني.
شخصيته رحمه الله شخصية قوية، وميزته أنه جدي كثيرا، بسبب انحداره من منطقة تامكروت قرب زاكورة، فهو سليل الزاوية الناصرية، واسمه الحقيقي ليس "عباس المسعدي" بل اسمه الحركي، أما اسمه الحقيقي فهو "محمد بن عبد الله الناصري"، والتقيته في السجن بعد نفي محمد الخامس بعد أن اعتقلت في سياق واعتقل هو في سياق آخر، لكن يجمع بيننا جميعا العمل الوطني للمقاومة.
أما قصة علاقته بالشهيد المهدي بنبركة، فهي قصة علاقة مناضلين كبيرين من أبناء المغرب الذين قاوموا ببسالة وإباء من أجل استقلال المغرب وحرية أبنائه وتقدمهم، ومن أجل بناء المغرب الكبير ونصرة الشعب الجزائري. ولقد وقع اختلاف بينهما، عادي، يحدث عادة بين أبناء الحركة النضالية الواحدة، حين التقيا معا في اجتماع ببيت الوطني المقاوم عبد الكبير الفاسي بالعاصمة الإسبانية مدريد، حيث قال له الشهيد المهدي: "أنتم رجال المقاومة ابتعدوا عن السياسة، لأنكم لا تدركون أحابيلها". وهو الجواب الذي لم يعجب عباس المسعدي، فخرج غاضبا.
ذات يوم كنا مجتمعين بمقر جمعيتنا التي أسسناها لرجال المقاومة وجيش التحرير، التي يترأسها اليوسفي بشارع الفداء بالدارالبيضاء، وهو الإجتماع الذي حضره في ما أذكر كل من الفقيه البصري، الدكتور الخطيب، المهدي بنعبود، الدكتور عبد اللطيف بنجلون، العمراني (صاحب محطة البنزين) والمحجوب بن الصديق.
كنا مجتمعين حتى دخل المرحوم المسعدي بذات اندفاعه، وطلب مني الخروج للحديث معه فاستجبت لطلبه، فهمس لي أنه يود الجلوس معي أنا والفقيه البصري. فعلا ناديت على الفقيه رحمه الله، وجلسنا معه في غرفة مجاورة...إذن، ضمن مهامي تلك، كلفت بالسفر إلى الشمال وبالضبط إلى الناظور لتهييئ الأرضية لتنفيذ قرار عباس المسعدي كما اتفقنا عليه معه. وحدث أن كان في نفس الفترة الشهيد المهدي بنبركة بتطوان رفقة الفقيه البصري، فقررا التوجه من هناك إلى الناظور وزيارة وحدات جيش التحرير بالجبال. وحين وصلا إلى حيث يتواجد عباس المسعدي، فوجئ بمجيئهما فقرر السماح للفقيه البصري بالدخول بينما رفض دخول المهدي بنبركة بسبب غضبه منه منذ لقاء مدريد. بقيت أنتظر رفقة 7 من قادة المناطق بالناظور وصول الفقيه لتنفيذ الإتفاق المسبق بين ثلاثتنا، لكن لا أحد منهما جاء، فقررت العودة إلى الدارالبيضاء.
التقيت الفقيه رفقة بنسعيد آيت يدر واستغربت عدم حضوره كما اتفقنا، وعبرت عن عدم اتفاقي مع زيارته للمنطقة مع المهدي بسبب طبيعة الظروف السياسية حينها، لكنه أخبرني أنه كلف المقاوم حجاج بضرورة إحضار المسعدي إلى الدارالبيضاء لحل كل المشاكل العالقة. عدت بعد 3 أيام إلى الناظور فوصلتنا الأخبار أن حجاج قد قتل المسعدي.
* إذن، قصة علاقة حجاج بقضية المسعدي حقيقية؟
- نعم. لكن التأويلات التي أعطيت لها غير حقيقية. أولا اختيار حجاج لإقناع المسعدي بالحضور إلى الدارالبيضاء كان بسبب الثقة المطلقة بين الرجلين، وما جرى هو أنه حين وصل حجاج إلى فاس حيث بيت المسعدي رفقة ثلاثة مقاومين آخرين، نزل إليهم المسعدي وطلب منه حجاج الركوب معهم في السيارة، لكنه رفض. فتدخل اثنان من مرافقي حجاج وحاولا إرغامه على دخول السيارة، فالتفت عباس صوب حجاج وقال له: "ما هذا يا حجاج، هل تنوي الغدر بي؟"، فرد عليه حجاج، أنه لا ينوي به شرا أبدا، ويطلب منه تسهيل مأمورية نقله إلى الدارالبيضاء لحل كل المشاكل العالقة. لكن للأسف، واحد من تلك العناصر المساعدة لحجاج بسبب تهور غير مسؤول، كان يضع رأس مسدسه قرب رأس حجاج، وفي لحظة تجادب داخل السيارة انطلقت الرصاصة القاتلة، فقتل الرجل عبثا وبالخطأ. ارتبك حجاج ومن معه، فقرروا التخلص من الجثة بدفنها خارج فاس وعادوا إلى الدارالبيضاء. داع الخبر بسرعة، فانطلق مسلسل البحث عنهم واعتقالهم من قبل فرقة عسكرية عينها ولي العهد اختار ضمنها المقاوم ملال من جيش التحرير منحدر من منطقة فكيك.
* جزء من الحوار الذي اجراه لحسن لعسيبي مع المقاوم التهامي نعمان !
05/11/2025
لماذا يكره الإخوان المسلمون جمال عبد الناصر؟(1)
بقلم : أحمد الحبيشي
درج التنظيم الدولي للإخوان المسلمين مؤخراً على شن حملات إعلامية منظمة ضد عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عبر مختلف وسائل الإعلام العربية التي يوجد لخلايا هذا التنظيم نفوذ إداري أو مهني فيها، حيث تحتل قناة (الجزيرة) مركز الصدارة في إدارة وشن هذه الحملات التي يستهدف الإخوان المسلمون من خلالها تقديم صورة سوداء وقاتمة لأوضاع مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والإفراط في تشويه العهد الناصري وتقديمه في صورة نظام ديكتاتوري واستبدادي قمعي.
وكعادتهم دائما دأب الإخوان المسلمون الذين يهيمنون على قناة (الجزيرة) في ذكرى وفاة جمال عبدالناضر على بث برامج تستهدف الانتقام الهمجي من القائد الراحل والاصرار على تسويد صورته في ذكرى رحيله سنويا، وهو ما فعله الاخوان المسلمون أيضا ً في الذكرى التسعين لميلاد جمال عبدالناصر في شهر يناير الماضي حيث حرصت (الجزيرة) على بث برنامج تحدث فيه عدد من رموز الاخوان المسلمين بما يسيئ الى صورة القائد الراحل جمال عبدالناصر كذبا وتضليلا.
وإسهاما في التصدي للحملة العدوانية الغاشمة التي يشنها (إخوان الجزيرة) على هذا القائد الراحل الذي ارتبط اسمه بانجازات تاريخية حققتها حركة التحرر الوطني العربية ضد الاستعمار ومن أجل الحرية والاستقلال، نعرض في مايلي عددا من الكتب التي تناولت سيرة العلاقة بين جمال عبدالناصر والاخوان المسلمين بما في ذلك بعض الكتب الصادرة عن الاخوان المسلمين أنفسهم، وغيرها من الكتب التي تضمنت عدداً كبيراً من الوثائق حول علاقة عبدالناصر بالإخوان المسامين، وبضمنها تلك الوثائق التي نشرها الكاتب محمد حسنين هيكل في مجلده الضخم "ملف السويس"، بالإضافة إلى اعترافات خطية لقادة الإخوان المسلمين الذين شاركوا في مؤامرة 1954م ومؤامرة 1965م.
في المدخل الاستهلالي لكتابه التحليلي الوثائقي القيم "عبدالناصر والإخوان المسلمون"، أورد الكاتب الراحل عبدالله إمام عرضاً موجزاً للأعمال الإرهابية التي ارتكبها الجهاز الخاص للإخوان المسلمين قبل ثورة 23 يوليو.
وكرس الكاتب لهذا الغرض أكثر من 55 صفحة على امتداد هذا المدخل من صفحة 17 حتى صفحة 73 حيث شملت هذه الصفحات تلخيصاً "لأبرز الأعمال الإرهابية الإخوانية" التي شملت اغتيال عدد من الشخصيات السياسية والقضائية وتفجير دور السينما وإحراق المسارح والمحلات التجارية ومحلات التسجيلات الغنائية الصوتية في وسط العاصمة المصرية القاهرة.
في هذا السياق يوضح الكاتب جوانب واسعة من العلاقات القديمة التي ربطت قادة ثورة 23 يوليو بجماعة الإخوان المسلمين، مشيراً إلى أن هذه العلاقات كانت معقدة وبدأت في الأربعينات حين كان مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة مجرد فكرة تختمر في عقول ونفوس عدد محدود من الضباط الوطنيين الذين تألموا لأوضاع البلاد وحاولوا تلمس طريق الخلاص من فساد الأحزاب السياسية، فلم يجدوا عندهم أي حل للقضية الوطنية وللقضايا الاقتصادية والاجتماعية.
لم يعد أمام هؤلاء الضباط في ضوء تلك الحالة المحبطة سوى الاعتماد على أنفسهم وقوتهم، والشروع في تشكيل تنظيم محدود سرعان ما نما وتطور وأصبحت له خلايا وفروع داخل صفوف ضباط الجيش.
لم يكن تنظيم الضباط الأحرار موحد الفكر والأهداف، لكنه كان يضم مجموعة متباينة من الضباط الوطنيين الذين التقوا حول عدد محدود من الأهداف وهي المبادئ الستة التي أعلنتها الثورة.
بيد ان ذلك التوحد لم يحل دون ان يكون لعدد منهم انتماؤه السياسي والفكري فكان بينهم الإخوان المسلمون والماركسيون والقوميون وغيرهم.. وقد بدأت العلاقة الاقتصادية بين الإخوان وقادة الثورة منذ الأيام الأولى للثورة حيث أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً بحل الأحزاب، ولكنه أستثنى جماعة الإخوان المسلمين لانها كانت تقدم نفسها كجمعية دينية دعوية.
الاخوان يحرضون ضد التعددية الحزبية
كان الإخوان المسلمون حريصين منذ اليوم الأول لقيام الثورة على تحريض مجلس قيادة الثورة ضد الأحزاب وتكوين قناعة بضرورة حلها. وعندما اقتنع قادة الثورة بعدم قدرة الأحزاب على تحقيق التغيير الذي يحتاجه الشعب بسبب فسادها وترهلها، طلبت وزارة الداخلية من الأحزاب أن تقدم إخطارات عن تكوينها، فقدم المرشد العام شخصياً أثناء زيارة مكتب سليمان حافظ وزير الداخلية إخطارا "رسمياً" بأن الاخوان جمعية دينية دعوية، وان أعضاءها وتكويناتها وانصارها لا يعملون في المجال السياسي، ولا يسعون لتحقيق أهدافهم عن طريق أسباب الحكم كالانتخابات، ونفى أن يكون ذلك من بين أهداف جماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي جعل قانون حل الاحزاب الذي اصدره مجلس قيادة الثورة لا ينطبق على الاخوان المسلمين.
بعد أربعة أشهر على قيام الثورة، وبالتحديد في صبيحة يوم صدور قانون حل الأحزاب في يناير سنة 1953م حضر إلى مكتب جمال عبدالناصر وفد من الاخوان المسلمين مكون من الصاغ الإخواني صلاح شادي والمحامي منير الدولة وقالا له: "الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا جماعة الإخوان ولهذا فانهم يجب أن يكونوا في وضع يليق بدورهم وبحاجة الثورة لهم"، فقال لهما جمال عبدالناصر: "إن الثورة ليست في أزمة أو محنة، وإذا كان الإخوان يعتقدون أن هذا الظرف هو ظرف المطالب وفرض الشروط فأنهم مخطئون".. لكنه سألهما بعد ذلك: "حسناً ما هو المطلوب لاستمرار تأييدكم للثورة"؟
فقالا له: "اننا نطالب بعرض كافة القوانين والقرارات التي سيتخذها مجلس قيادة الثورة قبل صدورها على مكتب الإرشاد لمراجعتها من ناحية مدى تطابقها مع شرع الله والموافقة عليها.. وهذا هو سبيلنا لتأييدكم إذا أردتم التأييد".
فقال لهما جمال: "لقد قلت للمرشد في وقت سابق إن الثورة لا تقبل أي وصاية من الكنيسة أو ما شابهها.. وانني أكررها اليوم مرة أخرى.. وبكل عزم وحزم.
لكنهما أصرا على موقفهما وأبلغا عبد الناصر ان مهمتهما في هذا اللقاء ليست النقاش بل ابلاغ مطالب الاخوان فقط ونقل رد مجلس قيادة الثورة الى مكتب الارشاد، ثم جددا التأكيد على مطالب الاخوان المسلمين وهي:
أولاً: ألا ّ يصدر أي قانون إلا ّ بعد أن يتم عرضه على مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين ويحصل على موافقته.
ثانياً: ألا ّ يصدر أي قرار إلا بعد أن يقره مكتب الإرشاد.
وقد رفض جمال عبدالناصر بكل حزم هذين الشرطين لأن الإخوان أرادوا من خلالهما وغيرهما من الشروط الأخرى الحكم من خلف الستار وعدم تحمل تبعات الحكم الداخلية والخارجية.
كان هذا الموقف الحازم لجمال عبدالناصر من مطالب الإخوان المسلمين نقطة التحول في موقفهم من الثورة وحكومة الثورة، إذ دأب المرشد بعد هذا التحول على إعطاء تصريحات صحفية مهاجماً فيها الثورة وحكومتها في الصحافة الخارجية والداخلية، كما صدرت الأوامر والتعليمات إلى هيئات الإخوان بأن يظهروا دائماً في المهرجانات والمناسبات التي يحضرها وينظمها رجال الثورة بمظهر الخصم المتحدي!!
وبعد ذلك قابل جمال عبدالناصر المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي في منزله بمنشية البكري في حي مصر الجديدة شمال مدينة القاهرة على أساس أن يكون هناك تعاون وتنسيق بين "الثورة" و"الإخوان" بعيداً عن الوصاية الدينية او السياسية، لكنه فوجئ بأن الهضيبي تراجع عن الشروط السابقة وقدم بدلاً عنها مطالب جديدة تتمثل في مطالبة مجلس قيادة الثورة بإصدار مراسيم بفرض الحجاب على النساء وإقفال دور السينما والمسارح ومنع وتحريم الأغاني و الموسيقى وتعميم الأناشيد الدينية واصدار مرسوم يلزم القائمين على حفلات وقاعات الافراح باستخدام أناشيد مصحوبة بايقاعات الصاجات (الدفوف) فقط، ومنع النساء من العمل وإزالة كافة التماثيل القديمة والحديثة من القاهرة وكل أنحاء مصر.
كان رد عبد الناصر على هذه المطالب: "لن اسمح لهم بتحويلنا إلى شعب بدائي يعيش في أدغال أفريقيا مرة أخرى"، ورفض جميع هذه المطالب الجديدة التي تقدم بها "الإخوان المسلمون" وتساءل أمام مرشدهم الإمام حسن الهضيبي بصراحة ووضوح: "لماذا بايعتم الملك فاروق خليفة على المسلمين؟ ولماذا لم تطالبوه بهذه المطالب عندما كانت هذه الأشياء مباحة بشكل مطلق؟ ولماذا كنتم تقولون قبل قيام الثورة: "إن الأمر لولي الأمر"؟!!
ثم كتب بخط يده تحت الورقة التي تضمنت تلك المطالب: "لن نسمح بتحويل الشعب المصري إلى شعب يعيش حياة بدائية في أدغال أفريقيا"!!
واللافت للنظر ان الاخوان المسلمين قبلوا على مضض ــ او تظاهروا بقبول ــ رفض جمال عبدالناصر لجميع المطالب التي عرضوها عليه في اللقاءات السابقة، لكنهم أصروا على مطلب واحد يتعلق بضرورة الشروع باصدار مرسوم يقضي بفرض الحجاب على النساء، وقد حدث ذلك عندما اتصل به المرشد العام حسن الهضيبي واخبره بان مكتب الارشاد كلف كلا من حامد ابو النصر والشيخ فرغلي بمقابلته لأمر لا يعتقد الاخوان بانه قابل للتأجيل. وعندما قابل عبدالناصر موفدي الاخوان عرضا عليه رسوما قالوا انها تقريبية لثلاثة نماذج من الحجاب يمكن تطبيقها على مراحل بصورة تدريجية وفور مشاهدة عبدالناصر لهذه الرسوم التقريبية ضحك ساخرا وقال لهم (انا مش عارف سبب اهتمامكم باستهداف الستات!!).. ثم توجه الى حامد ابو النصر الذي اصبح مرشدا للاخوان المسلمين في وقت لاحق من الثمانينيات متسائلاً: "طيب ليه بناتك سافرات ياستاذ حامد و ليه متلزمهمش بواحد من الحجاب ده اللي عايزين من مجلس قيادة الثورة فرضه على الستات بمراسيم"!!؟؟
بعد فشل هذا اللقاء حاول "الاخوان المسلمون" صياغة أفكار جديدة حول شكل النظام السياسي الذي يجب ان تحدده الثورة حيث كتب سيد قطب مقالاً في جريدة "الأخبار" بتاريخ 8 أغسطس 1952م.. وجاء هذا المقال في صيغة رسالة مطالب موجهة إلى اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة طالبه فيها بدستور لا يحمي البلاد من فساد الملك وحاشيته ولكن من فساد الأحزاب والصحافة!!
ومضى سيد قطب في هذا المقال/ الرسالة قائلاً: "إن لم تحققوا أنتم التطهير الشامل الذي لا يبيح الحرية السياسية إلا للشرفاء فالشعب الذي احتمل ديكتاتورية طاغية باغية شريرة قادر على أن يحتمل ديكتاتورية مؤمنة نزيهة، على فرض ان قيامكم بحركة للتطهير يعتبر ديكتاتورية بأي وجه من الوجوه"!!
لماذا فصلوا الباقوري؟
في أيام الثورة الأولى وقبل أن يعود المرشد العام من مصيفه بالإسكندرية وقفت الثورة إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين وتمثل ذلك في عدد من القرارات التي أصدرها مجلس قيادة الثورة ومن بينها إعادة التحقيق في مصرع المغفور له الشيخ حسن البنا، والقبض على المتهمين باغتياله وتقديمهم لمحكمة جنايات القاهرة.. وقد أصدرت المحكمة برئاسة الأستاذ محمود عبدالرازق وعضوية الأستاذين محمد متولي ومحمد شفيع المصيرفي أحكاماً قاسية بحق المتهمين والزمتهم بالتكافل مع الحكومة بدفع عشرة آلاف جنيه ــ وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت ـ على سبيل التعويض لزوجة المرحوم حسن البنا وأولاده القصر والمشمولين بولاية جدهم الشيخ حسن البنا!!
كما أصدر مجلس قيادة الثورة عفواً خاصاً عن قتلة المستشار احمد الخازندار من أعضاء الجهاز الخاص للإخوان المسلمين وعن بقية المسجونين في قضية اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا، بالإضافة إلى العفو عن المحكوم عليهم في قضية إحراق مدرسة الخديوية الثانوية للبنات من قبل المتشددين في جماعة الإخوان المسلمين.. وقد خرج كل هؤلاء المعفو عنهم من قبل مجلس قيادة ثورة 23 يوليو من السجن إلى مقر الجماعة وسط مظاهرة سياسية عقدوا في ختامها مهرجاناً خطابياً كبيراً.
بعد ذلك اصدر مجلس قيادة الثورة قراراً خاصاً بالعفو الشامل عن كافة المعتقلين السياسيين باستثناء الشيوعيين وبلغ عدد المفرج عنهم 934 معتقلاً معظمهم من الإخوان المسلمين.. كما قامت الثورة بتقديم خصم الإخوان اللدود إبراهيم عبد الهادي باشا إلى المحاكمة بتهمة تعذيب "الإخوان المسلمين".
كانت الثورة أقرت تشكيل حكومة برئاسة محمد نجيب بالإضافة إلى منصبه كرئيس لمجلس قيادة الثورة على أن يكون للإخوان حقائب وزارية منها وزيران أو ثلاثة.. وقد اتصل المشير عبدالحكيم عامر ظهر يوم 7 سبتمبر 1952م بالمرشد العام الذي رشح وزيرين من الجماعة هما: الشيخ احمد حسن الباقوري عضو مكتب الإرشاد والأستاذ احمد حسني.
وبعدها ببضعة ساعات حضر إلى مبنى القيادة بكوبري القبة الأستاذان حسن العشماوي ومنير الدولة وقابلا جمال عبدالناصر وقالا إنهما قادمان ليدخلا الوزارة وموفدان من المرشد العام فرد عليهما جمال عبدالناصر بقوله: إنه ابلغ الشيخ الباقوري واحمد حسني بالترشيح وسوف يحضران بعد ساعة من الآن ليحلفا اليمين.
اتصل عبدالناصر بالمرشد العام فوراً ليستوضح منه سبب تغيير أسماء المرشحين بعد أن تم إبلاغ الباقوري وحسني، فرد المرشد العام بأنه سيدعو مكتب الإرشاد للاجتماع بعد قليل وسوف يرد بعد ذلك على جمال عبدالناصر ولكنه لم يرد فعاود جمال عبدالناصر الاتصال به ففوجئ برد المرشد العام الذي أفاده بأن مكتب الإرشاد قرر عدم الاشتراك في الحكومة الجديدة، وعندما قال له جمال عبدالناصر إن مجلس قيادة الثورة ابلغ الشيخ الباقوري واحمد حسني وأنهما سيحضران بعد قليل لأداء اليمين رد عليه المرشد العام قائلاً" :نحن رشحنا صديقين للإخوان ولا نوافق على اشتراك الإخوان في الوزارة"؟!!
في اليوم التالي نشرت الصحف المصرية تشكيل الوزارة الجديدة بعد أداء اليمين وكان ضمن أعضائها الشيخ احمد حسني الباقوري عضو مكتب الإرشاد وزيراً للأوقاف، فاجتمع مكتب الإرشاد وقرر فصل الشيخ الباقوري من جماعة الإخوان المسلمين واستدعى عبدالناصر الأستاذ حسن العشماوي وعاتبه على هذا التصرف وهدد بنشر جميع التفاصيل التي لازمت تشكيل الوزارة لكن العشماوي رجاه عدم النشر حتى لا تحدث مشكلة مع صفوف الإخوان تسيء إلى موقف المرشد العام.
مذكرات محمد نجيب
تحدث اللواء محمد نجيب في كتاب له تضمن مذكراته عن بعض القضايا التي تتعلق بالإخوان المسلمين حيث قال: "حاول الإخوان المسلمون الاتصال في ديسمبر 1953م عن طريق محمد رياض الذي اتصل به حسن العشماوي ومنير الدولة وطلبوا أن تتم مقابلة سرية بيني وبينهم واقترحوا مكاناً للمقابلة منزل الدكتور اللواء احمد الناقة الضابط بالقسم الطبي في الجيش وكانت هذه مفاجأة لأنني عرفت لأول مرة أن للدكتور احمد الناقة ارتباطاً بالإخوان المسلمون ورفضت فكرة الاجتماع السري بهم وأبلغتهم بواسطة محمد رياض أنني مستعد لمقابلتهم في منزلي أو مكتبي، لكنهم اعتذروا عن ذلك وطلبوا أن أفوض مندوباً عني للتباحث معهم فوافقت وعينت محمد رياض ممثلاً عني للاجتماع معهم بعد أن زودته بتعليماتي واجتمع محمد رياض بممثلي الإخوان المسلمين حسن العشماوي ومنير الدولة عدة مرات"!!
بحسب المذكرات أوضح محمد رياض لممثلي الإخوان رأي محمد نجيب في إنهاء الحكم العسكري الحالي وعودة الجيش إلى ثكناته وإقامة الحياة الديمقراطية البرلمانية وعودة الأحزاب وإلغاء الرقابة على الصحف، ولكنهم لم يوافقوا على ذلك بل طالبوا ببقاء الحكم العسكري الحالي وعارضوا إلغاء الأحكام العرفية وطالبوا باستمرار الأوضاع كما هي على أن ينفرد محمد نجيب بالحكم وإقصاء جمال عبدالناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة وأن يتم أيضاً تشكيل حكومة مدنية لا يشترك فيها الإخوان المسلمون، ولكن يتم تأليفها بموافقتهم.
كما طالب الإخوان بتعيين رشاد مهنا وهو "إخواني" قائداً عاماً للقوات المسلحة بالإضافة إلى تشكيل لجنة سرية استشارية يشترك فيها بعض العسكريين الموالين لمحمد نجيب، وعدد مساوٍ لهم من "الإخوان المسلمين" بحيث يتم عرض القوانين على هذه اللجنة قبل إقرارها كما تعرض على هذه اللجنة الاستشارية السرية سياسة الدولة العامة وأسماء المرشحين "للمناصب الكبرى".
ويضيف محمد نجيب في مذكراته: (كان الإخوان المسلمون يريدون بذلك السيطرة الخفية على الحكم دون أن يتحملوا المسؤولية)، ثم يمضي قائلاً: "رفضت جميع هذه الاقتراحات وانتهت المفاوضات السرية التي جرت بين محمد رياض وموفدي الإخوان المسلمين.. وقد تعرض محمد رياض للمتاعب في وقت لاحق بعد أن اعترف الصاغ حسن حمودة ــ وكان من الإخوان المسلمين ــ أمام المحكمة في شهر نوفمبر 1954م، بأن اتصالاً سرياً تم بيني والإخوان المسلمين بواسطة محمد رياض وذكر أمام المحكمة أرائي التي نقلها محمد رياض إلى حسن عشماوي ومنير الدولة، وصدر أمر بالقبض على محمد رياض بتهمة التخطيط لانقلاب على مجلس قيادة الثورة بالتعاون مع الإخوان المسلمين، ولكنه استطاع الهرب إلى الممملكة العربية السعودية بالطائرة".
هكذا يناورون
تدل الاعترافات التي أدلى بها قادة الإخوان بعد أحداث 1954م بميدان المنشية في الاسكندرية على أنهم بدأوا يعملون ضد الثورة في ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: معارضة المفاوضات المصرية البريطانية بشأن جلاء القوات البريطانية عن مصر وتوقيع اتفاقية الجلاء، وكان الإخوان اقترحوا على مجلس قيادة الثورة التوقف عن أسلوب المفاوضات وإعلان الجهاد وفتح المجال للمتطوعين من الإخوان للقتال..
وتم الرد عليهم بأنكم بهذا المقترح تسعون إلى استنفار الانجليز ضد النظام الجديد وهو ما لم تفعلوه مع الملك.. بل إنكم أيدتم رئيس الوزراء الطاغية إسماعيل صدقي الذي وقع مع بريطانيا على معاهدة 1936م المعروفة بمعاهدة صدقي ـ بيفن وخرجتم بمظاهرة تأييد لهذا الطاغية، ووظفتم فيها الدين والقرآن لخدمة أهدافه السياسية وأهدافكم التي تقاطعت معها حين رفعتم في تلك المظاهرة شعار: "وأذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد".
وبعد إلغاء معاهدة 1936م في 18 أكتوبر 1951م تحت ضغط الكفاح المسلح والعمل الفدائي ضد الانجليز في قناة السويس قال المرشد العام الجديد لمندوب جريدة "الجمهوري المصري" في 25 أكتوبر 1951م: "وهل تظن أن أعمال العنف ستخرج الانجليز من البلاد؟.. إن واجب الحكومة اليوم أن تفعل ما يفعله الإخوان من تربية الشعب وإعداده أخلاقياً فذلك هو الطريق الصحيح لإخراج الانجليز من مصر، كما خطب المرشد العام الهضيبي في شباب الإخوان قائلاً: "اذهبوا واعتكفوا على تلاوة القرآن الكريم"!!
وقد رد عليه خالد محمد خالد في (روز اليوسف) تحت عنوان "أبشر بطول سلامة يا جورج" في تاريخ 30 أكتوبر 1951م قائلاً: "الإخوان المسلمون كانوا أملاً من آمالنا لم يحركوا ولم يقذفوا في سبيل الوطن بحجر ولا طوبة، وحين وقف مرشدهم الفاضل يخطب منذ أيام في عشرة آلاف شاب قال لهم "اذهبوا واعتكفوا على تلاوة القرآن، ولا تتورطوا بالقتال".
ويتساءل خالد محمد خالد في مقاله الذي رد به على خطاب مرشد الإخوان وأحاديثه الصحفية.. " أفي مثل هذه الأيام يدعى الشباب للاعتكاف على تلاوة القرآن الكريم ومرشد الإخوان يعلم ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخيار صحابته تركوا صلاتي الظهر والعصر من أجل معركة"؟!!
الاتجاه الثاني: الاتصال بمستر ايفانز المستشار السياسي في السفارة البريطانية بالقاهرة حيث عقدوا معه عدة اجتماعات استمرت عدة ساعات في منزل الدكتور محمد سالم الذي أوضح لمستر ايفانز موقف الإخوان بان تكون عودة الانجليز إلى القاعدة بناءً على رأي لجنة مشكلة من المصريين والانجليز وان الذي يقرر حظر الحرب هي الأمم المتحدة!
والغريب في الأمر أن الانجليز تبنوا هذا الرأي في مفاوضات الجلاء بعد أن رفضه الجانب المصري وثبت أن المستر ايفانز التقى أكثر من مرة بالمرشد العام وصالح أبو رفيقة ومنير الدولة.
وكانت هذه الاتصالات موضع مناقشة أثناء محاكمة الإخوان، حيث أتضح من اعترافات المتهمين حقائق كثيرة ومنها ان البكباشي الإخواني عبدالمنعم رؤوف قابل أيضاً موظفاً كبيراً في احدى السفارات الأجنبية وأخبره بأنه يتحدث باسم الإخوان ومرشدهم وأنهم سيتولون مقاليد الحكم في مصر بالقوة ويطلبون تأييد السفارة البريطانية للانقلاب الجديد، ثم أضاف أن "الإخوان" على استعداد بعد ان يتولوا مقاليد الحكم للاشتراك في حلف عسكري ضد الشيوعية لان إسلامهم يحثهم على ذلك، وأن هذا الحلف لن يتحقق ما دام جمال عبدالناصر على قيد الحياة لانه سبق وان أدلى بتصريحات نشرت في جميع الصحف العالمية عن رأيه في الأحلاف العسكرية وأهدافها الاستعمارية!!
وكان المرشد العام للإخوان المسلمين اقترح على قادة الثورة ان تدخل مصر في حلف عسكري مع الغرب ضد روسيا وربطت الصحف بين توقيت الاعتداء الذي قامت به إسرائيل على الحدود المصرية في رفح وبين محاولة الإخوان لبدء تنفيذ خطتهم!!
الاتجاه الثالث: تنشيط الجهاز السري من خلال ضم أكبر عدد من ضباط البوليس والجيش إليه، وقد اتصلوا بعدد من الضباط الأحرار وهم لا يعلمون انهم من تنظيم الضباط الأحرار فسايروهم وساروا معهم في خطتهم.. وكانوا يجتمعون بهم اجتماعات أسبوعية ويأخذون عليهم من هذه الاجتماعات عهداً وقسماً بان يطيعوا ما يصدر إليهم من أوامر المرشد العام وألا ينقضوا بيعتهم للمرشد.. كما جندوا عدداً من ضباط الصف وعندما تجمعت كل هذه المعلومات استدعى عبدالناصر حسن العشماوي وقال له: "إنني احذركم من أن ما يحدث سيلحق الضرر بالبلاد ثم وضع أمامه كل ما تجمع لدى مجلس قيادة الثورة فوعد بان يتصل بالمرشد العام ويبحث معه هذا الأمر ولكنه خرج ولم يعد على حد تعبير بيان مجلس قيادة الثورة الذي صدر عقب محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في وقت لاحق من عام 1954م بميدان المنشية في الاسكندرية!!
وفي اليوم التالي استدعى جمال عبدالناصر فضيلة الشيخ سيد سابق والدكتور خميس حميدة وابلغهما ما لديه من معلومات وما ابلغه لحسن العشماوي في اليوم السابق فوعداه بأن يعملا على وقف هذا النشاط الضار.. ولكن النشاط لم يتوقف بل اتسع!!
ومما له دلالة عميقة ان المرشد العام للإخوان المسلمين أدلى بتصريح صحفي يوم 5 يوليو 1953م لوكالة (الأسوشييتد برس) قال فيه: "اعتقد أن العالم الغربي سوف يربح كثيراً إذا وصل الإخوان إلى الحكم في مصر، وأنا على ثقة بأن الغرب سيفهم مبادئنا المعادية للشيوعية والاتحاد السوفييتي وسيقتنع بمزايا الإخوان المسلمين".. وهكذا قدم المرشد العام مزاياه للغرب الاستعماري آنذاك.. ولعل هذا الموقف وغيره من مواقف الإخوان المسلمين هو الذي دفع المستر انثوني ايدن وزير خارجية بريطانيا إلى أن يسجل في مذكراته "أن الهضيبي كان حريصاً على إقامة علاقات ممتازة معنا، بعكس الرئيس جمال عبد الناصر".
30/10/2025
الحزب الشيوعي السوداني
يدين مجازر مليشيات الدعم السريع
يقف حزبنا، وبشكل واضح وحاسم، أمام المجازر المروّعة التي تُرتكب بحق المواطنين المدنيين في مدينتي الفاشر وبارا ومناطق أخرى في كردفان ودارفور؛ موقفً لا يتقبل المواربة أو التبرير.
إنّ مليشيات الدعم السريع تواصل ممارسة العنف المنهجي ضد المدنيين العُزّل: الإعداماتٍ الميدانية، والاعتقالاتٍ التعسفية، ونهب وتخريب الممتلكات، وعمليات التهجير الجماعي وإجبار السكان على النزوح.... وغير ذلك مما ترصده وتؤكده تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإعلام.
هذا العنف الجهنمي الممنهج هو نتاج لكل الحروب التي عاشتها بلادنا بهمجيتها وعدم تقديم مرتكبيه للعدالة؛ إن الإفلات من العقاب لم يكن يومًا طارئًا أو استثناءً، بل هو سببٌ مركزي في تكرار الجريمة. فاستمرار غياب المساءلة أعاد إنتاج مناخٍ يسمح بعودة جرائم الحرب والإبادة الجماعية بحق سكان المدن والقرى بمجرد انسحاب قوات النظام أو تراجعها، كما في بارا والفاشر.
وما نعايشه اليوم هو امتداد لنهجٍ رُسِّخ منذ مجازر دارفور الأولى؛ لذا فإن مواجهة هذه الجرائم تتطلب محاسبةً حازمة وفورية لجميع المسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذها.
كما نؤكد أن عدم ترتيب تأمين المدنيين العزل، وإنسحاب الجيش من مدينة الفاشر الصامدة لأشهر في وجه مليشيا الجنجويد، هو تصرف غير مسؤول ويستحق الإدانة والمحاسبة، فواجب الجيش الاول والأهم هو حماية المواطنين والوطن لا حماية نفسه.
إننا في الحزب الشيوعي السوداني نؤكد دائما أن ما يجري ليس صراعًا عسكريًا حول السلطة فحسب، بل هو مشهدٌ مركب يمثل صراعًا بين أجنحة الرأسمالية الطفيلية داخل البلاد حول السلطة والموارد، تلك القوى التي راكمت ثرواتها وامتيازاتها عبر الفساد واستغلال السلطة لنهب الموارد وتستخدم الصراع المسلح والإرهاب لتعزيز هيمنتها.
وهي - أي الحرب ' في الوقت ذاته مخطط إقليمي/دولي/ إمبريالي يستهدف إضعاف الدولة السودانية وتهيئة ظروف التفكيك والتقسيم لإستنزاف مقدرات الشعب وثروات البلاد وإنتهاك السيادة الوطنية.
هذا البعد السياسي والاقتصادي ( المحلي والاقليمي والدولي ) للصراع يحمّل المجتمع الدولي مسؤولية مضاعفة للتدخل الفوري لوقف هذه الحرب وتلك المجازر.
إننا في الحزب الشيوعي السوداني نوجه نداء إلى شعوب العالم، ومنظماته الديمقراطية وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية والعمالية، وإلى منظمات حقوق الإنسان، وإلى ضمير العالم كله، من أجل التضامن الأممي مع الشعب السوداني الذي يعاني صامدا ووحده أمام حرب ضروس تدخل عامها الثالث دون أفق لحل أو نهاية... وندعوا إلى تحركات شعبية في كل العالم في الشوارع وعبر الكتابة في الصحف او مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها من أجل الوقف الفوري للحرب في السودان والتضامن مع شعبنا.
كما ندعو إلى تحويل "البيانات الناعمة" والنداءات الشكلية الى خطوات عملية لحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية للسكان وإيصال الإغاثة، وإجراء تحقيقات محايدة ومستقلة في كل جرائم الحرب في بلادنا.
إنّ الانتقادات والتنديدات الصادرة عن المؤسسات الأممية والحقوقية يجب أن تتبعها إجراءات ملموسة: فرض حصار سياسي وإقتصادي ودبلوماسي على مرتكبي الانتهاكات، وحظر تصدير السلاح والدعم اللوجستي للمجرمين، وإحالة الجرائم إلى آليات قضائية دولية ومحلية مستقلة...
ونطالب، أيضا:
1. بوقفٍ فوري لإطلاق النار، وإعلان هدنة إنسانية، وفتحٍ كامل للممرات الإنسانية إلى الفاشر وبقية مناطق دارفور وبارا وكامل شمال وجنوب كردفات ومناطق ومعسكرات النازحين، مع ضمان حماية قوافل الإغاثة.
2. بتحقيقٍ دولي مستقل، سريع وشفاف في جرائم الحرب، وتقديم كل من ارتكب أو أمر أو ساهم في الجرائم للمثول أمام العدالة.
3. بعمل عاجل من شعوب العالم وقواه الديمقراطية ومنظماته الحقوقية للضغط على الدول والهيئات الدولية لوقف أي دعم أو تواطؤ سياسي أو عسكري مع الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات.
وندعو، في الوقت نفسه، طلائع شعبنا وقوى الحراك الجماهيري والقوى الديمقراطية إلى توحيد الصفوف وتصعيد النضال الجماهيري السلمي، وتطوير المبادرات السياسية الهادفة إلى وقف الحرب، وانتزاع السلطة من حكومتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا، والعودة إلى مسار الثورة لبناء دولة مدنية ديمقراطية تصون حقوق الإنسان وتحقق العدالة الاجتماعية.
- لن نسمح بدفن شهادة الضحايا في بياناتٍ تكتفي بنبرة الرأفة دون متابعة. إن الدماء تصرخ بالحق، وتطالب بحمايةٍ فعلية ومحاسبةٍ حقيقية.
- أوقفوا القتل. افتحوا الممرات للمساعدات. قدّموا الجناة للمحاسبة.
- العدالة للضحايا — والحرية والسلام لشعب السودان.
المكتب السياسي
الحزب الشيوعي السوداني
29 أكتوبر 2025
14/02/2024
تقرير المصير !
الشعوب وحدها هي من لها الحق في أن تقرر في مصير الوطن أو أي جزء منه، وذلك عبر استفتاء شعبي تعبر من خلاله عن إرادتها الحرة والواعية، اما ما يعتمل اليوم في العديد من المناطق في العالم سواء في أوروبا أو آسيا وأفريقيا، من خلال تحريض حركات ومجموعات بشرية سواء التي تعاني من الاقصاء والتهميش والقمع السلطوي للانظمة، او غيرها من المجموعات البشرية المختلفة، وجعلها تؤمن بانه تشكل كيان مستقل وبان في الانفصال يكمن الخلاص ويبزغ فجر الاستقلال والحرية، بعدها يتم دعمها بكل الوسائل بتمويل انشطتها وجميع اعمالها حتى المسلحة منها وجعلها من زبناء "العالم الحر بشعارات حقوق الانسان"، وهكذا يتم الترويج الاعلامي الواسع لتلك الحركات العميلة المصطنعة، واظهارها على انها حركات مناضلة من اجل الحرية والدينقراطية"، ولا يقتصر الامر عند هذا التزييف بل يستمر التضليل بتقديمها كنموذج يقتدى به للخلاص من انظمة "الاستبداد"، انها مخططات ممنهجة ومحكمة تم وضعها في مكاتب دراسات وابحاث استخباراتية، تسعى لتحقيق ما عجزت عنه التدخلات العسكرية المباشرة، وتعمل على بلقنة الاوطان وتقسيم الشعوب على أسس اثنية وعرقية او دينية ومذهبية او لغوية وثقافية، بعد تراجع الصراع الايديولوجي الطبقي، وهي مخططات امبريالية تهدف لخلق دويلات وامارات ينصب على راسها حكام موالون، ويسيطر عليها عملاء يسهرون على مصالحها الحيوية، ومنفدون لسياساتها المعادية للتحرر والانعتاق من براثين الاستبداد والتخلف ونظام التبيعية الامبريالية والصهيونية.
ولكن سرعان ما تكتشف تلك الجماعات التي ركبت صهوة حماسة "الحرية المحمولة على فوهة الدبابات"، انها كانت ضحية للتضليل والتعثيم، وهي ترى كيف تحول ذلك "الحلم" الى كابوس خلف وراءه الخراب والدمار، واضحت البلدان والاوطان رهائن بين مخالب وانياب المؤسسات المالية العالمية !
* يوسف بوستة
24/12/2023
توفي صباح اليوم المناضل والاخ ابراهيم كويجان بعد صراع مرير مع المرض وبهذه المناسبة الاليمة اتقدم باحر التعازي والمواساة لزوجته الكريمة وابناءه ولجميع افراد العائلة في هذا المصاب الجلل، والرحمة والمغفرة للفقيد، وداعا اخونا ابراهيم ولترقد روحك بسلام .
31/07/2023
دور "إســــرائيـل" فـي إفـــــريــقــيـــا
محور مداخلة الشهيد المهدي بنبركة
في ندوة فلسطين العالمية بالقاهرة
ما بين 30 مارس إلى 6 أبريل 1965
اشهر قبل اختطافه واغتياله 👇
... رغم الظروف التي يعيشها شعبنا في المغرب حيث تعلمون ان المذابح الوحشية التي تعرض لها طلابنا وجماهيرنا الشعبية، حتى تجاوز عدد القتلى 350 قتيلا وتجاوز عدد المسجونين الآلاف والمحكوم عليهم جملة إلى اليوم أزيد من ألف، كل ذلك لم يمنعنا من حضور هذه الندوة لنعبر لإخواننا عن تضامننا غير المشروط، التام واللانهائي في المعركة لتحرير فلسطين.
وإن الموضوع الذي شرفني الإخوان، بأن طلبوا مني تقديمه في هذه الندوة، هو دور إسرائيل في إفريقيا، أو يمكن أن نسميه بالواقع الإسرائيلي في القارة الإفريقية. فمن واجبنا أن نعرف هذا الواقع كما أنه من واجبنا أن نعلن رقضنا لهذا الواقع ككل واقع استعماري ، لأننا نرفضه كعرب ونرفضه كمناضلين ثوريين، نرفضه كعرب لأن دور إسرائيل في إفريقيا هو جزء من مخطط استعماري ضد الثورة العربية، ونرفضه كمناضلين ثوريين لان دور إسرائيل في إفريقيا جزء من الخطة الاستعمارية ضد الحركة التحررية العالمية.
إن إسرائيل تعتبر أن دورها في إفريقيا وفي مجموع البلاد المتخلفة دور حيوي. وقد قال بن جوريون أمام المؤتمر الصهيوني الخامس والعشرين " إن المستقبل الاقتصادي الإسرائيلي ووضعها الدولي يتوقفان على الروابط التي نجتهد إقامتها مع إفريقيا وآسيا"، وقال ليفي اشكول "إن مستقبل الأجيال المقبلة في إسرائيل مرتبط بمقدار كبير بنشاطنا في القارة الإفريقية".
ومن الواجب علينا في هذه الندوة أن نواجه هذا الموضوع، مواجهة علمية وموضوعية فنعرف كيف استطاعت إسرائيل أن تلعب دورا في إفريقيا، وهي تلعبه، وكيف نستطيع نحن أن نمنع إسرائيل أن تكون أداة للاستعمار في إفريقيا ضد مطامح الشعب العربي وضد مطامح الشعوب الإفريقية نفسها.
1- الاستعداد للمهمة:
إن هذه الأداة قد أعدت لتقوم بهذه المهمة. فالاستعمار يصوغ أداته لتقوم بواجبها ضد مطامح الشعوب سواء كانت هذه الأداة حكما عميلا أو منظمة مصطنعة أو حكما دخيلا مثل إسرائيل. وقد حرصت إسرائيل على أن تكون من نفسها وتعطي لوجهها صورة تناسب وتمهد وتسهل هذه المهمة، فقد ارادت ان تكون بالنسبة للدول المتخلفة وبالنسبة لدول إفريقيا الفتية بالخصوص النموذج المثالي الذي يجب أن يحتذي ، والنموذج الذي يجب أن يمنح لهذه الدول الخبرة التي هي في حاجة إليها لمواجهة المشاكل التي تجدها أمامها غداة الاستقلال.
فقد قالت جولدا مايير مثلا أمام البرلمان الإسرائيلي لتبرير سياسة إسرائيل بإفريقيا :"إننا دولة ديمقراطية وصغيرة ليست لها مطامع توسعية، وتتمتع بالخصال التي تلفت نظر الأفارقة، فنحن مثلهم دولة جديدة واجهت وما تزال تواجه مشاكل متشابهة، وقد اكتسبت بعض التجارب الفريدة في مناهج التنمية وفي أساليب الرواد التي قد تفيد هذه الدول".
نعم هذه الأسطورة، وسنرى أنها أسطورة، ولكن كان لها مفعول. فقد نجد مثلا موديبو كيتا وهو أحد الزعماء في إفريقيا الثورية قد انخدع بها. ماذا كان يقول سنة 1958 بسبب اتصالاته الأولى بإسرائيل، وعدم معرفته لحقيقة الوضع في إسرائيل ؟
قال موديبو كيتا "لقد أصبحت إسرائيل قبلة تحج إليها الشعوب الإفريقية لتستلهم منها أسلوب بناء بلادها. و أن إسرائيل غدت بحق المثال الحي للشكل الإنساني الذي يبنى على أساسه المجتمع الجديد ".
ونستمع إلى احد الطلبة يتحدث قائلا: "يمكنني إذا ذهبت إلى الولايات المتحدة أن أدرس تاريخ التنمية الاقتصادية ولكن إذا ذهبت إلى إسرائيل فإنني أستطيع أن أشاهد النمو فعلا".
ونجد الرئيس نيريري ، وهو أحد زعماء إفريقيا التقدمية أيضا يقول في نوفمبر 1960 : "إن إسرائيل بلد صغير ولكنها يمكنها أن تفيد كثيرا بلدا كبلادي، ويمكننا أن نتعلم منها كثيرا ، لأن مشاكلنا ومشاكل تنجانيقا تشبه مشاكل إسرائيل. ما هي هذه المشاكل؟
يقول نيريري: "إنها مهمتان رئيسيتان تنتظراننا: بناء الأمة و تغيير وجه الأرض طبيعيا واقتصاديا".
هكذا مهدت لنفسها إسرائيل لتقوم بدورها، وهكذا صيغت الأداة لتقوم بمهمتها، وما هي هذه المهمة؟ وما هي الدوافع التي دفعت بإسرائيل ودفعت بالاستعمار لاستعمال إسرائيل لتقوم بمهمتها في آسيا وخاصة في إفريقيا؟.
العوامل الدافعة:
إنها من نوعين كما قلنا، من جانب خدمة لأهدافها ضد العرب، ومن جانب ثان خدمة للاستعمار الدولي.
لقد كان من المهم بالنسبة لإسرائيل بعد ما ضرب عليها الحصار العربي أن تحطم هذا الحصار، وأن تبحث عن متنفس وعن سوق في آسيا وإفريقيا، وفي نفس الوقت أن تعمل على تطويق البلاد العربية بالموالين لوجهة نظر إسرائيل.
يقول بن جوريون أمام الكنيست في أكتوبر 1960: إن عطف الأمم القريبة والبعيدة وصداقتها لها العاملان اللذان يمكناننا مع الزمن من أن نخترق سور الحقد والمقاطعة الذي يحيط بنا ".
فإسرائيل أسست في قلب الأمة العربية لتغزو البلاد العربية مثل ما كان يغزوها الاستعمار، وبافتقادها لهذ السوق العربية، أخذت تبحث عن سوق جديدة أو ما يمكن أن نسميه " رئة جديدة تتنفس منها ".
والمهمة الثانية، علاوة على هذه الرئة الحيوية، فأن إسرائيل و من ورائها الاستعمار تريد تجنيد الأصوات في الأمم المتحدة نظرا لأهمية الوزن الدولي الذي أصبح يشكله المجموعة الإفريقية والأسيوية طمعا في الحصول على تأييد أو على الأقل على موقف حياد.
وهنا، يجب أن نعطي أهمية كبرى للدور الذي تلعبه هذه الدول الإفريقية الجديدة في المنظمات الدولية، سواء كانت هذه المنظمات إفريقية أو الأمم المتحدة نفسها. ففي يوليو 1963 مثلا، نجحت إسرائيل بعض الشيء بعد أن انعقد المؤتمر الأول لرؤساء الدول الإفريقية بأديس أبابا، حيث أن هذا المؤتمر المنعقد في ماي 1963 لم يتخذ أي قرار بإدانة إسرائيل. فراحت إسرائيل تعتبر هذا انتصارا لها، وكتبت مجلة الاوكونومست الإسرائيلية في يوليو 1963 غداة هذا المؤتمر تقول:
" إننا لا نغالي إذا قلنا بأن ضغط الرأي العام الإفريقي، سوف يلعب دورا حاسما في أية تسوية في الشرق الأوسط. وليس معنى هذا أن مثل هذه التسوية يمكن أن تتحقق في المستقبل القريب، ولكن معنى هذا أن أي سياسي عربي يرغب في أن يلعب دورا فعالا في إفريقيا، لابد له أن يحسب حسابا يزداد أهمية مع الزمن للمتاعب التي سيتعرض لها مع الأفارقة، إذا ما أثار فكرة الحرب ضد إسرائيل ."
وتزيد المجلة قائلة:
"ولقد أصبح عدد كبير من الدول الصديقة لإسرائيل من البلاد المسلمة خاصة، مثل السنغال وسيراليون وتشاد، ومن التي تشتمل على نسبة كبيرة مهمة من المسلمين مثل تنجانيقا ونيجيريا، هذه الدول أصبحت توالي إسرائيل، وبذك تقول هذه المجلة وهي الشبيهة بالرسمية لإسرائيل " أحدثنا ثغرة كبرى جديدة في الجبهة الإسلامية المعادية لإسرائيل، التي تعب العرب في محاولة خلقها منذ نشوء الدولة اليهودية منذ سنة 1948".
هذا هو الغرض الأول، وهذا هو العامل الأول لأن تقوم إسرائيل بمجهود متواصل لكسب الدول الإفريقية الفتية.
وهناك عامل ثاني، يمكن أن نقول أيضا إنه رئيس وهو خدمة المصالح الاستعمارية الدولية.
هنا يجب أن أقف وقفة قصيرة، لألفت نظركم إلى أن الاستعمار قد غير خططه أمام الدفع الثوري الآسيوي والإفريقي والأمريكي- اللاتيني، وعندما وجد نفسه مضطرا للاعتراف بالاستقلال مثلا، وللتنازل أمام هذه الإرادة الثورية، بقي حريصا على أن يحتفظ بمصالحه الأساسية الاقتصادية والإستراتيجية، بما يسمى بأساليب الاستعمار الجديد، وهو تارة يكون عن طرق الحكومات العميلة، وتارة عن طريق الاتفاقية للتعاون المزعوم، وأخرى عن طريق التآمر إذا اقتضى الحال.
وكثيرا ما يتساءل الناس، وبالأخص في الرأي العام الدولي، لماذا تتهمون إسرائيل بأنها أداة للاستعمار؟ إنها تقدم الخدمات لهذه الدول الإفريقية، إنها تريد أن تتاجر معهم، وهي الدولة التي ليست لها مطامع توسعية كما قالت جولدا مايير آنفا.
والحقيقة أن اكتشاف الدور العميل للاستعمار بالنسبة لإسرائيل في إفريقيا، أمر صعب دقيق، ولا أدل عليه من تردد الثوريين الأفارقة نفسهم في اتخاذ موقف صريح قبل السنة الماضية، ولكن لدينا وثائق ولدينا قرائن تثبت هذه الصلة بين دور إسرائيل وبين الخطة الاستعمارية الدولية.
فقد عثرت مثلا، وان كان قد يعتبر هذا مجرد ندوة صحفية، ولكن هذه الندوة كان لها مغزى هام، حيث أنها كشفت عن احد الجوانب لدور إسرائيل خدمة الاستعمار في إفريقيا. هذه الندوة نشرتها مجلة "لاش" وهي مجلة صهيونية تصدر بفرنسا، وقد جمعت في مايو 1962 غداة اتفاقية ايفيان. وعند قرب إعلان استقلال الجزائر نظمت ندوة بين بعض الشخصيات الفرنسية، لتعرف هل هناك تحول في السياسية الفرنسية تجاه إسرائيل بعد استقلال الجزائر. وكان من بين المواضيع التي أثيرت هي موضوع انضمام إسرائيل الى السوق الأوروبية المشتركة، وضرورة تأييد فرنسا لهذا الانضمام.
وقد حضر هذه الندوة شخصيات بارزة في فرنسا مثل " دانييل بايير ، وليو هامو وأحد الاستعماريين الفرنسيين الذين لهم صلة وثيقة بإسرائيل وهو رولان بري، وأخذ رولان يدافع عن وجهة نظر إسرائيل فيما يتعلق بدخولها للسوق الأوروبية المشتركة قائلا:
إن مسألة الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة بالنسبة لإسرائيل ذات أهمية قصوى. لا لأنها تتعلق فقط بجانب التبادل التجاري بينها وبين دول السوق، بل لأنها تتصل بموضوع تولية إسرائيل اهتماما متزايدا لأنه مرتبط بمستقبلها الاقتصادي، وهو موضوع علاقتها مع العالم المتخلف بإفريقيا وآسيا ".
ولا شك انه إذا نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر المصالح الاقتصادية البحتة بدول السوق الأوروبية المشتركة، فإنه من العسير أن نجد مستندا لإثبات فائدة الانضمام بالنسبة للمجموعة الأوروبية، ولذلك أرى أن المستند الحقيقي، إنما هو من الناحية السياسية.
يقول رولان بري :" يجب علينا أن نعتبر إسرائيل تسربا للغرب في المناطق التي انصرفت عن الغرب، يجب أن ننظر إلى إسرائيل كأداة لتغلغل النفوذ الغربي بالنسبة للبلاد المتخلفة في إفريقيا وآسيا". ولذلك يقول رولان بري:" أعتقد أنه من حقنا أن نطالب بانضمام إسرائيل إلى السوق الأوروبية المشتركة استنادا إلى هذه الحجة بالذات".
من هنا نفهم هذه الفقرة التي وردت في خطاب الرئيس أحمد بنبلا في مؤتمر الدول الإفريقية المنعقد بالقاهرة في يوليو 1963 عندما قال:" إن إسرائيل تحل محل الإمبريالية في كل مكان ترحل عنه، فتقرض رؤوس أموالها وبالأحرى رؤوس أموال البنوك الأوروبية، والفنيين الذين دربوا في مصانعها وفي معاملها برؤوس أموال أوروبية، وأينما اضطرت الامبريالية إلى التخلي عن مكانها تأتي إسرائيل لتعرض خدماتها".
وحينئذ نرى أن هذه الأداة التي هي إسرائيل، هي في خدمة أغراض استعمارية محلية بالنسبة للثورة العربية، ولأغراض دولية بالنسبة للاستعمار عامة، وهي تشارك مع هذا الاستعمار في عمليات النهب الاستعماري لثروات إفريقيا إذا نظرنا إلى شكل التجارة التي بينها وبين هذه البلاد.
وأمام هذه الأداة التي صيغت للقيام بهذه المهمة، هناك أيضا شروط وفرت لهذه الأداة حتى تقوم بمهمتها، وان هذه الاداة جدية ذلك فأن الاستعمار لا بدان يواجه الموضوع بجدية، ومن هنا أيضا يلزمنا نحن من الوجهة النظرية الثورية أن نوجه أيضا معركتنا ضد الاستعمار بنفس الجدية.
اولا :
هذه الأداة أرادت أن تلعب دورها بجد، فبدأت تصور نفسها كنموذج مثالي للتنمية، ولكن ايضا أخذت تدرس المشاكل الإفريقية بجد حتى تواجهها وتواجه الجانب الفني من عملها بكفاءة، ومن وراء الجانب الفني لخدمة الاستعمارية.
بدأت إسرائيل تقدم نفسها بالنسبة للدول الإفريقية كالنموذج المثالي، يقول بن غوريون في نشرة لوزارة الخارجية:
" لقد خلقت دولتنا نوعا جديدا من المجتمعات يلاءم بصفة خاصة البلاد الفتية، وهذا النوع يقوم على أسس التساند المتبادل والتعاون الحر. وقد اهتدينا بفضله إلى نظرة جديدة للعمل نضمن للعامل التقدم والرفاهية. ويقوم هذا النوع من المجتمعات على جيش لا يستطيع فحسب أن يسهر على الأمن القومي، بل ويكون كذلك أحد العوامل الرئيسية لانصهار المجتمع ".
هذه هي المشاكل التي تنتظر إفريقيا إجابة عنها: كيف يبنى المجتمع الجديد؟ وكيف تصهر الفئات المختلفة لهذا المجتمع ؟ وجاءت إسرائيل بالجواب على هذه الأسئلة.
هناك أيضا مسائل اقتصادية علمية تواجهها إفريقيا وجاءت إسرائيل أيضا ببعض الإجابات عل هذه الأسئلة، فهناك أخصائيون درسوا المشاكل الفلاحية التي تناسب المجتمع الإفريقي، وهناك تجربة للتنظيم الفلاحي أخذ يقدمها الإسرائيليون بالنسبة لأفريقيا للتنمية في الميدان القروي ، وهي نماذج" Mochavinوkiffonzim " وبدأ تطبيقها فعلا في بعض الجهات في آسيا وإفريقيا في برمانيا وفي نيجيريا، ثم هناك مشاكل خاصة بالبلاد القاحلة، أخذت تدرسها إسرائيل وتجرب أنواع النباتات الصالحة في البلاد الصحراوية بالنقب. ودرست كذلك أنواع الري التي تحتاج إليها البلاد الإفريقية، وأنواع الأمراض المتشابهة، فتخصص بعض العلماء الإسرائيليين مثلا في الأمراض التي تخص الرحل وهي امراض القلب مثلا، وكذلك الامراض التي تخص البلاد الجافة،
ثم أولت إسرائيل اهتماما خاصا بأنظمة الشباب محاولة تعميمها على البلاد الإفريقية.
وأهم من هذا كونت إسرائيل خبراء يمتازون بعقلية الرواد، وهؤلاء الخبراء هم الذين يرسلون إلى إفريقيا للقيام بمهماتهم، يقول أحد كبار الصحفيين (1) وقد زار إفريقيا وشاهد دور الخبراء الإسرائيليين في إفريقيا:
"بينما الفنيون الأوروبيون والأمريكيون يتطلبون المكاتب المكيفة ولا يظهرون إلا ببدلات أنيقة وبقمصانهم البيض وهم يدربون الفلاحين الأفارقة على وسائل تنمية الإنتاج، نجد الخبير الإسرائيلي في أغلب الأحيان وسط الحقول مع الفلاحين لابسا الشورت الكاكي والاقمصة المفتوحة القصيرة الأكمام".
تلك هي الأداة التي هيئتها إسرائيل لتقوم بمهمتها في إسرائيل.
2- أنواع المساعدات و النشاطات في إفريقيا
هذه المهمة لها جانب فني مهم كما قلنا .إن جانبها المهم خفي ، نجده مثلا في التكوين والتدريب في قلب إسرائيل، نجده في البعثات الفنية التي ترسل لإسرائيل، نجده في الشركات التي تتعاقد فيها إسرائيل مع المؤسسات الاقتصادية المحلية.
1- تفيد الإحصائيات الرسمية مثلا، أن عدد الخبراء الذين أرسلتهم إسرائيل للبلاد النامية في إفريقيا و آسيا وأمريكا اللاتينية، من 1958 إلى 1963 وصل 1500 خبيرا، منهم 1098 لإفريقيا وحدها. وفي سنة 1963 وحدها، ارسل 544 خبير ل 58 دولة نامية منهم 424 خبيرا ل30 دولة إفريقية.
عدد الطلبة الذين يأخذون المنح من إسرائيل للتدريب بلغ في مجموع السنوات من 1958 إلى 1963، 6165 طالبا منهم 3431 من إفريقيا وحدها. بلغ عدد الطلاب الممنوحين سنة 1963 من إفريقيا في إسرائيل 1231 طالب إفريقي من 36 دولة. هؤلاء الطلبة اولا يدرسون في إسرائيل . في المعهد العبري بالقدس، باللغة الفرنسية أو الإنجليزية مع قسط أساسي من العبرية . وقد خصص مثلا جناح طبي للأفارقة يصل عددهم مثلا 20 في كل سنة، وتستمر الدراسة مدة ست سنوات. وأن بعض هؤلاء الطلبة الممنوحين يحصلون على منح دولية كالمنظمة الدولية للصحة.
هناك طلبة من المعهد البيطري وبعضهم في مركز الطاقة النووية، ومعهد التقنيون بحيفا للكهرباء والفلاحة، وهناك المعهد الآسيوي الإفريقي للتدريب النقابي. وهذا المعهد يجب أن نقول عنه كلمة مفصلة ،لأنه يلعب دورا مهما بالنسبة لإفريقيا فهو معهد أسسته المنظمة النقابية الإسرائيلية " الهستودروت" بمساعدة من النقابة الأمريكية، هذه النقابة التي دفعت في السنة الأولى 180 ألف دولار لهذا المعهد. وقد حضر الدورة الأولى 60 وفدا من نقابات داهومي ، الحبشة، غانا ،ساحل العاج ،كينيا ، ليبيريا ، نيجيريا ،روديسيا ، السنغال ،مالي ، تشاد غينيا ،. ووصلت الدورات حتى الآن إلى 10دورات .نعم ،بعض الدول التي كانت ممثلة في الماضي لم تعد ممثلة، مثلا في سنة 1962 نجد فقط نقابات أنجولا ، الكامرون ، إفريقيا الوسطى ، مورتيوس ، النيجر ، رواندا ، السنغال ، تشاد.
ثم هناك نوع آخر من الدراسات وهي المؤتمرات: مثلا المؤتمر العالمي الذي عقد في روخوبوت غشت 1961 كان موضوعه العلم في خدمة الدول النامية حضره عشرون وفدا من آسيا و إفريقيا . ومن إفريقيا ، الكونغو"ليوبولدفيل" سيراليون ، الكونغو"يرازافيل" طوغو . وعقدت ندوة أخرى علمية في غشت 1963 حول التخطيط القروي. وعقدت ندوة لكبار موظفي إفريقيا من 20 ديسمبر 1960 إلى 26 أبريل 1961، حضرها 26 متدربا من إفريقيا، 16 من الكونغو
"ليوبولدفيل" وحدها ، وعقدت ندوة لنساء إفريقيا تحت عنوان دور المرأة في المجتمع النامي ، دامت ستة أسابيع، وحضرته 63 امرأة من الكاميرون ، الكونغو ،داهومي ، اثيوبيا ، الغابون ، ساحل العاج ، كينيا ، ليبيريا ، مدغشقر ، نيجيريا تنجانيقا ، السنغال ، سيراليون ، أوغندا، فولتا العليا.
وأخيرا في مارس 1964 أي منذ أسبوعين عقد مؤتمر دولي خاص بالحياة التعاونية حضره خبراء حتى من أوروبا الشرقية(10 خبراء) و 8 من أوروبا وأمريكا و 6 من كل من إفريقيا و آسيا و 6 من أمريكا اللاتينية حول دور المؤسسات التعاونية في التنمية القروية.
هذا جانب من نشاط إسرائيل في افريقيا، هناك جانب ثان هو البعثات، هذه البعثات تشتغل إما بالشؤون الفلاحية أو بمحاربة الأمراض أو بالتخطيط القروي أو بتنظيم المواصلات وأيضا بالقوات المسلحة. ونسيت أن أقول لكم، إن من جملة التدريبات التي نظمت في إسرائيل، تدريبات خاصة بتنظيم الشباب، وتدريبات خاصة بتدريب رجال المظلات بالنبة للكونغو مثلا وكان عددهم فر غشت 1963.
أما النوع الثالث من النشاط الإسرائيلي في إفريقيا، فهو المساعدة الاقتصادية إما على شكل شركات و إما على شكل قروض، وهذا قليل، ابتدأت إسرائيل بدفع أول قرض لغانا في سنة 1956. لأن غانا كانت هي المركز الأول لإسرائيل وانتهى دورها الآن فيه وكان القرض الأول قد بلغ 20 مليون دولار.
ولكن الخطة التي تتبعها إسرائيل في الميدان الاقتصادي هي علاوة على الخبراء وعلى التدريب ، تكوين شركات مختلطة بين الدولة الحاكمة أو بين مؤسسات خاصة فيها و بين شركات إسرائيلية أهمها : شركة صوليل بونيه solel boneh التي هي من مؤسسات الهستدروت، والتي تمولها بعض المؤسسات الاستثمارية الأمريكية.
هذه الشركات تؤسس على أن 60 % من الأسهم من رأس مال الدولة الإفريقية و 40 % من "صوليل بونيه". ولكن هذا أسلوب يفهمه الرأسماليون ، وهو أسلوب يترك الأغلبية الصورية للدولة، وفي الحقيقة يبقى عنصر أساسي وهو التجهيز والخدمات، تقوم بها الشركة ذات النسبة الأقل، وقد بلغ رواج صوليل بونيه في إفريقيا سنة 1960 أكثر من 16 مليون دولار.
والمشاريع التي تقوم بها هذه الشركات تنتشر في إفريقيا ولها ميادين مختلفة. مثلا في نيجيريا تقوم ببناء طرق، ومباني المصانع، فنادق، مدارس، مبان حكومية، حي طلابي، مركز كهرباء، في سيراليون برلمان ، مبان حكومية ، مطار وبنك في ساحل العاج مبان عمومية ، محطة إذاعة وتلفزيون، مخابر، في الحبشة بناء الطرق، مطار ،مجار في تنجنيقا بناء فندق كليمانجارو ، وفي دجيبوتي مخازن في المرسى والمطار ..إلخ.
3- فضح التزييف :
من هنا نرى أن الدور الذي تقوم به إسرائيل في إفريقيا من الناحية الفنية والاقتصادية، دور يمكن أن يحدث مغالطة بالنسبة لهذه الدول ، وبالنسبة للرأي العام الدولي، فلذلك وجب علينا أن نظهر الحقيقة وأن نفضح التزييف، و أن نبين ما هو الدور الاستعماري من وراء هذا كله .
لإن إسرائيل من وراء هذا تقول "أننا في خدمتكم لإعطائكم نموذجا للتنمية السريعة كبلد متخلف، إننا نعطيكم صورة في إسرائيل عن مجتمع متخلف يتقدم، وعن مجتمع اشتراكي" فما هي الحقيقة من وراء هذا كله؟
الحقيقة سمعناها من الرئيس بن بلا أيضا في مؤتمر رؤساء الدول الإفريقية في يوليو 1964 حيث قال:
" هذه الاشتراكية هي التي عرفها كل للدين عرفوا جبهات القتال والاشتراكية التي عرفتها شخصيا في كاسينو هي اشتراكية المعسكرات المحصنة .إنها اشتراكية الذين أحيطوا بالخطر والذين جعلوا هذه الاشتراكية ضرورة لبقائهم.
وبعد فذلك لا يمنع إسرائيل من أن تكشف عن وجهها الحقيقي في ميادين نشاطها هنا وهناك وخاصة في قارتنا ، ، حيث تغدو إسرائيل أكثر فأكثر الأداة التي هي في الواقع ، هذه الأداة الممتازة ، وهذه لأن إسرائيل بلد صغير ولكننا ننسى أن أغلب الأحيان أن هذا البلد لا يعيش إلا بإعانات تبلغ ملايين الدولارات لدرجة ثلثي ميزانيتها تقريبا. ومازال هناك من يردد تلك الأسطورة التي تقول بأن إسرائيل وان هي نواة تقدم . و كل الناس يعلمون والدول العربية تعلم أكثر من غيرها أن إسرائيل بدلا من أن تكون نواة تقدم في هذه المنطقة العربية فإنها تجمد الموقف وتشجع القوى الأشد رجعية".
1- الأسطورة المتناقضة للتخلف والنمو السريع
ولنعد للأرقام لنعرف الحقيقة من التزييف في وضع إسرائيل.
اولا ، نوع السكان في إسرائيل يثبت أنها مجتمع استعماري ف 37 % فقط مولودون في إسرائيل 35 % جاءوا من أوروبا و أمريكا، وهؤلاء سلوكهم في إسرائيل هو كسلوك المستعمرين في مستعمرات الاستيطان حتى بالنسبة لليهود الذين هاجروا من المناطق المتخلفة ونسبتهم 16% من آسيا و 12% من إفريقيا.
ثم توزيع العمل في إسرائيل هو توزيع غير طبيعي ، نجد 1/5 يشتغل في الفلاحة 3/10 في الصناعة و 1/2 في الخدمات، وهذا مجتمع غير طبيعي.
2- التمويل الخارجي
ثم هذا مجتمع نجد في تمويله أيضا عاملا غير طبيعي وهو العامل الخارجي، فإن المساعدة التي تنالها إسرائيل من الخارج تصل الى 100 دولار للشخص في كل سنة، وقد بلغ عجز الميزانية كما قال الرئيس بنبلا احيانا ثلتي من الخدمات، ثم الخصاص التجاري كله معتمد على الخارج، والتمويل الخارجي وصل في ظرف اربعة سنوات ما بين 59 و 62 الى 500 مليون دولار، وثلات اخماسها من امريكا وكندا . وبعضها من جبايات اليهود في العالم ، وبعضها من التعويضات الألمانية .( هكذا 7000مليون دولار).
وفي ما يخص الاستثمارات الخاصة بلغ ما ورد منها من الخارج فيما بين سنة 1959 و1962 ما يقرب من 500 مليون دولار 3/5 من أمريكا الشمالية ن ومثل هذا المبلغ سنة 1964 وحدها ، حسبما ورد في الكتاب السنوي الرسمي لإسرائيل سنة 1964Israel Year Bouok.
أما في ميدان التجارة الخارجية فأن العجز ظل يتراوح بين 300 و 400 مليون دولار في السنة حتى سنة 1962.
ولست أريد أن أطيل عليكم في الأرقام و إنما أريد أن الفت نظركم إلى أنه قد بلغت الضريبة على اليهود في الخارج سنة 1963 ،1435 مليون دولار حسب تصريح جوزيف ما يرهوف رئيس جمعية الجباية اليهودية الموحدة ، مع الملاحظة أن80 % من الجباية تحصل من 10% من المتبرعين، معنى هذا 80 % من الجباية اليهودية هي من الاحتكارات الاستعمارية الرأسمالية لا من اليهود العاديين بخارج إسرائيل.
فاقتصاد إسرائيل ليس الاقتصاد النموذجي الذي يجب أن تنظر إليه الدول الإفريقية من أجل تنميتها، أنه اقتصاد غير متوازن ، إنه اقتصاد طفيلي معتمد على الخارج ، إنه اقتصاد كما سماه أحد علماء الاقتصاد " اقتصاد منقول" Economie de Transplantation مثل الاقتصاد الفرنسي الذي كان منقولا إلى الجزائر ،إنه كان اقتصادا ناميا ولكن هل كان اقتصادا جزائريا، أبدا.
وهنا يظهر أيضا زيف الأسطورة لارتفاع مستوى الدخل القومي الإسرائيلي. إن الإحصاءات التي تنشرها إسرائيل تعطي مثلا إحصاءات مقارنة بين ما هو الدخل القومي للفرد في إسرائيل والدخل القومي للفرد في البلاد العربية. فنجد مثلا في نشرة رسمية مايو 1964 الدخل الفردي هو 940 دولار في السنة للفرد، بينما الدخل الفردي في البلاد العربية المتحدة 123 دولا في السنة، والسعودية 167 واليمن لا يتجاوز 90 دولار الخ.
كل هذا تزييف، إن الدخل في إسرائيل ليس دخلا قوميا حقيقيا ما دام الاقتصاد اقتصادا مصطنعا ويعيش كالطفيليات، فحينئذ لا يمكن أن نعطي قيمة علمية للاقتصاد الإسرائيلي كنموذج، ولا للأرقام التي تنشر والتي تستخدم للدلالة عل التقدم وعلى سرعة التقدم.
وهناك أبحاث علمية نشرت أخيرا للدلالة على أن نقل النموذج الإسرائيلي غير ممكن.
وانه نموذج خاطئ ولا يمكن نقله،
كتب أحد علماء الاقتصاد وهو يهودي وموال لإسرائيل في كتاباته وهو أستاذ في تاريخ الاقتصاد والاجتماع في جامعة زيورخ"جان هالبري(3) " يقول :
"إن ظروف الانطلاق تختلف كثيرا بين إسرائيل وبين الدول الفتية الحديثة عهدا بالاستقلال إلى حد يستحيل معه أن نجعل من إسرائيل نموذجا لتلك الدول. ويكفي أن نورد فارقا واحدا أساسيا هو أن الكادر "الملاكات" كان موجودا في إسرائيل عند نشأتها بينما البلاد الأخرى مفتقرة لمثل تلك الملاكات أشد الافتقار، وشتان بين مستوى شعوبها الثقافي، وبين المستوى التي بدأت معه إسرائيل عند تأسيسيها بفضل الهجرة الأوروبية".
وقد أكدت أبحاث أخرى علمية تفصيلة هذا المعنى، فصدر كتاب في فرنسا للاقتصادي "جوزيف زلاتزمان Joseph zlatzmann " " دروس في التجربة الإسرائيلية "Enseignements et l experience Israelienne"Colection Tiers Monde. هذا الكتاب أيضا يثبت أن تجربة الكيبوتزيم لا يمكن أن تنقل إلى البلاد النامية سواء لاستحالة توفير الظروف المالية، أو بسبب فقدان الجهاز من الخبراء الموجودين في إسرائيل ( ص157-158 ) وزاد قائلا :" إن بعض القرارات الاقتصادية في إسرائيل هي في الحقيقة قرارات سياسية " ويشير هنا إلى إنشاء بعض الكبيوتزيم على الحدود لا كضيعات فلاحية ولكن كمعسكرات محصنة.
وهناك أخصائي آخر ، أستاذ في الجغرافية "الأستاذ دريش"Dresch " سئل في ندوة طلابية في باريس في يناير 1962، وكانت هذه الندوة مخصصة لموضوع الإصلاح الزراعي في بلاد المغرب العربي، وكان الأستاذ دريش قد أورد أمثلة كثيرة من الإصلاح الزراعي التقدمي، وسئل لماذا لم يورد مثال إسرائيل في هذا الباب، فأجاب قائلا: "إن هذا المثال مثال خاطئ لأن التجربة الإسرائيلية ليست تجربة اشتراكية وليست إصلاحا زراعيا، علاوة على مشاكل الديون التي تتخبط فيها هذه المؤسسات لأنها تعيش في إطار رأسمالي".
هنا يتبين لنا زيف هذا النموذج الاقتصادي الذي كان يقدم لإفريقيا، فحينئذ إذا كان هذا النموذج غير صالح، فما هي مهمته الاستعمارية؟ وما هو هذا الدور الاستعماري؟
أعتقد أولا أن مجرد تقديم نموذج خاطئ للتنمية لدولة حديثة عهد بالاستقلال هي خدمة للاستعمار، لأن هذا عامل تضليل وتعطيل بالنسبة لهذه الدول.
ولكن هناك مظاهر أبرز من هذا لخدمة الاستعمار، هناك أولا روابط إسرائيل بالدولة الأكثر إمعانا في الاستعمار في إفريقيا ، وهي إفريقيا الجنوبية، وهذا الموضوع قل ما يتحدث عنه الذين يتحدثون عن إسرائيل، فإسرائيل لها اتصال وثيق بالحكومة الفاشية في جنوب إفريقيا. ويكفي أن نقول مثلا إن نسبة التجارة مع جنوب إفريقيا في مجموع التجارة الإفريقية إذا أضفنا إليها أيضا التجارة مع المستعمرات البرتغالية، تصل إلى 29 % في سنة 1961 ونسبة 30 % في سنة 1962 و 25 % في سنة 1963 وحوالي 20% سنة 1964. نعم هناك انخفاض بعد سنة 1962 بسبب افتتاح أسواق جديدة لإسرائيل في البلاد الحديثة العهد بالاستقلال، ولكن المهم من ذلك العلاقة المالية بين جنوب إفريقيا وإسرائيل، فإن إسرائيل كانت لها ميزة وحدها من سائر الدول، وهي أن كان لها الحق وحدها أن تنقل الأموال بدون مراقبة من جنوب إفريقيا إلى غاية سنة 1962. لماذا تغيرت هذه الميزة؟ لسبب بسيط هو أن إسرائيل اتخذت موقفا لمجارات التيار الإفريقي ضد جنوب إفريقيا، فكان عقابها أن فرضت عليها نفس الرقابة المفروضة على أنجلترا من أجل نقل الأموال، ولكن ذلك لم يغير شيئا من الروابط الاقتصادية الموجودة بين وإسرائيل وجنوب إفريقيا.
وهناك دور استعماري خطير لا بد أن ننتبه إليه، وهو دور الخبراء و دور المتدربين فقد قلت لكم أيضا إن هناك بعض التدريبات المريبة مثلا اهتمام إسرائيل بالذات بالنساء ، اهتمامها بالشباب وتدريبهم مثلا على تنظيم منظمات شبيهة بالمنظمات الموجودة في إسرائيل ثم بالخصوص التدريبات العسكرية وتدريبات الشرطة.
فان الجيش الذي يحارب به الاستعمار في الكونغو جيش مويوتو درب قسم المظلات منه في إسرائيل، ويوجد الآن في الكونغو خبراء إسرائيليون مع الجيش الاستعماري. وهناك أيضا تدريبا حصل لبعض الدول الأخرى في الشرطة وفي المخابرات.
وإذا أردنا أن ندرك خطورة هذه التدريبات فلنلق نظرة على ما جاء في الصحف أمس، قرأنا بالأمس في تحقيق عن حوادث الكونغو الأخيرة التي تجري الآن، دور الخبراء الاسرائيليين، يقول المحقق، في الهجوم الأخير الذي وقع على الثوريين في الكونغو :
"إن هناك حقيقة أكثر خطورة فلقد قال لي قادة الثورة الكونغولية، أن إسرائيل تقوم بتدريب جيش أوغندا الذي لا يزيد تعداده عن كتيبتين. وسلاح الطيران الأوغندي عبارة عن بضع طائرات إسرائيلية، وجميع الطيارين من الضباط الإسرائيليين، كما أن قوات حدود أوغندا يشرف على تدريبها وتنظيمها خبراء إسرائيليون.
وقالوا أن لإسرائيل داخل حكومة أوغندا أعوان يحتلون أكبر المناصب. وقد سبق أن قال لي أحد كبار العسكريين الإفريقيين في جيش أوغندا بأن رئيس الوزراء ميلتون اوبوتي يشعر بخطورة النفوذ الإسرائيلي في بلاده، فقد بلغ من تغلغل نفوذهم أن رئيس الوزراء نفسه لا يستطيع أن يتحدث مع أحد تلفونيا في أمر هام لأن تليفونه مراقب ، وحكا لي أنه عندما أغارت الطائرات الأمريكية التابعة لحكومة تسومبي على أراضي أوغندا مرتين، أصدر رئيس الوزراء أوامره إلى سلاح الطيران برد العدوان وإسقاط الطائرات المغيرة، ولكن الطائرات الإسرائيلية كانت تحلق في السماء ثم تعود إلى قاعدتها في أنطيبي لتبلغ بأنها لم تلحق بطائرات العدو".
تلك هي حقيقة الدور الاستعماري في إفريقيا، وقد أكد بالأمس في ندوة صحفية "جيبني" رئيس الثورة الكونغولية بأن إسرائيل تلعب دور تواطؤ مع رئيس الدولة في أوغندا الذي هو سلطان يسمى "الكاباكا" يعني من بقايا أحد الملوك.
هذا الرجل بتواطؤ مع إسرائيل ضد حكومته نفسها وضد أوبوتي نفسه.
المعركة لفضح الدور الاستعماري.
فهناك حينئذ معركة بيننا كعرب، وبيننا كمناضلين ثوريين وبين هذا التسرب الإسرائيلي. وهذه المعركة يجب أن نعترف أن لها مدا وجزرا، وأننا نكون تارة منتصرين وتارة يكون الاستعمار له الأسبقية في الميدان.
وقد استمرت هذه المعركة سجالا بيننا وبين الاستعمار فيما يخص الدور الاستعماري لإسرائيل، منذ مؤتمر باندونغ. ويجب القول هنا أن الفضل يرجع إلى الرئيس جمال عبد الناصر بوضع القضية لأول مرة على الصعيد الدولي، بعد أن منعت إسرائيل من حضور مؤتمر باندونغ رغم تدخلات الهند وبرمانيا إذ ذاك لقبولها، فقد استبعدت واتخذ قرار لأول مرة، قرار يدين يفضح هذا الدور الذي تقوم به إسرائيل في السياسة الاستعمارية. يقول المؤتمر ( أبريل 1954):
"نظرا للتوتر السائد في الشرق الأدنى، هذا التوتر الذي تحدثه الوضعة في فلسطين ،ونظرا للخطر الذي يشكله هذا التوتر ضد السلام العالمي، فإن مؤتمر دول آسيا وإفريقيا يعلن تأييده لحقوق الشعب العربي في فلسطين ويطالب بتطبيق قرارات الأمم المتحدة وتحقيق حل سلمي للقضية الفلسطينية".
وتلك أول مرة اتخذ فيها مثل هذا الموقف بفضل المشاركة العربية الثورية في هذا المؤتمر، الا أن المواقف الحكومية في الحقيقة لم تكن دائما في خط مستقيم بينما موقف المنظمات الشعبية استمرت في خط عدائي للاستعمار. فقد عقد في القاهرة في ديسمبر 1957 – يناير 1958 أول مؤتمر شعبي آسيوي إفريقي. أعلن هذا المؤتمر لأول مرة أن دولة إسرائيل "قاعدة استعمارية تهدد تقدم الشرق الأوسط وسلامته"، وأدان المؤتمر سياسة إسرائيل العدوانية التي تمثل خطرا على السلم العالمي،" وأكد المؤتمر حقوق العرب في فلسطين، وأعلن عطفه على اللاجئين الفلسطينيين وتأييده جميع حقوقهم وعودتهم إلى وطنهم".
تلك أول خطوة دولية خارج المحيط العربي لإظهار الحقيقة، ولإعلان حق الشعب العربي في فلسطين، توالت المؤتمرات كما قلت لكم.
انعقد في أبريل 1958 مؤتمر دول إفريقيا ب" أكرا" وهذا المؤتمر اتخذ قرارا بسيطا عبر فيه عن " قلقه العميق حول قضية فلسطين التي تشكل عاملا يهدد الأمن والسلام العالميين" ويطالب بحل عادل لهذه القضية.
وفي ديسمبر 1958 اجتمعت منظمة الشعوب الإفريقية، ولكن قرارها في هذه المرة تأثر بالمناخ الإفريقي إذ ذاك ولم يهاجم إسرائيل كأداة للاستعمار.
وفي أبريل 1960 اجتمعت منظمة التضامن الآسيوي الإفريقي في كوناكري واتخذت قرارا واضحا في هذا الموضوع، لم يشذ عنه إلا مندوب ليبريا ولا زلت أذكره مسكين يبكي ويقول " إذا اتخذت معكم هذا القرار فإنني سأطرد من حكومتي".
في مارس 1961 اجتمعت منظمة الشعوب الإفريقية في القاهرة، وأعلنت اذاك في قرار واضح حول الاستعمار الجديد، حللته وعرفت بحقيقته وبأدواته وأعلنت أن إسرائيل دعامة للاستعمار الجديد، وتشكل تهديدا خطيرا على البلاد الإفريقية التي نالت استقلالها حديثا أو التي على وشك أن تنال الاستقلال. وكرر هذا القرار نفسه في باندونغ في اجتماع للتضامن الآسيوي الإفريقي.
وانعقد مؤتمر الدار البيضاء وهنا استطاعت أيضا القيادة الثورية العربية أن تفرض قرارا واضحا في هذا الموضوع إذ أعلن بعد التحذير من الخطر الناتج عن الوضع الراهن في فلسطين والناتج عن حرمان عرب فلسطين من حقوقهم ، وإعلان ضرورة حل القضية حلا عادلا يرد إلى عرب فلسطين حقوقهم كاملة مايلي.
"يلاحظ المؤتمر باستنكار أن إسرائيل دأبت دائما على مناصرة الاستعمار كلما جرى بحث للمسائل الهامة المتعلقة بإفريقيا ولاسيما مسائل الجزائر والكونغو والتجارب الذرية في إفريقيا، ولذلك يندد المؤتمر بإسرائيل بوصفها أداة لخدمة الاستعمار بنوعيه القديم والجديد، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل وفي إفريقيا كلها، ويدعو المؤتمر كافة الدول في إفريقيا وآسيا إلى الوقوف أمام هذه السياسة الجديدة التي يستخدمها الاستعمار في خلق قواعد له".
هذا قرار مهم لأنه لأول مرة أمضاه ممثلون عن ثلاث دول إفريقية (غينبا - غانا - مالي) لها تبادل دبلوماسي مع إسرائيل . ولكن في الحقيقة لم يكن له مفعول، لم يكن له أثر فعلي، ذلك لأن ظروف مؤتمر الدار البيضاء في الحقيقة كانت ظروفا مزيفة. بعض الدول اجتمعت للدفاع عن نفسها ، وبعض الدول لتستر خيانتها بالنسبة للكونغو. والحقيقة أنه كانت مناسبة أخرى لتضليل الشعوب عن طريق بعض المؤتمرات التي يلعب فيها الاستعمار الجديد دوره.
وبدأت بعد قرار الدار البيضاء حرب دبلوماسية بين إسرائيل وبين القيادة العربية الثورية المتمثلة في القاهرة. وبدأت القاهرة تدعوا الزعماء الإفريقيين لتبين لهم حقيقة الوضع بالنسبة للمعركة العربية، بينما إسرائيل أيضا توالي دعواتها للرؤساء الأفارقة.
وكانت سنتي 1961/1962 سنتين لتبادل الزيارات بين المعسكر الثوري العربي وبين الرؤساء الأفارقة وبين المعسكر الاستعماري المتمثل في إسرائيل وبين الرؤساء الأفارقة.
وانعقد مؤتمر دول عدم الانحياز في سبتمبر 1961 ، ولكن في هذه المناسبة سجل الاستعمار انتصارا حيث أنه لم يتخذ قرار واضح بنفس الوضوح الذي كان عليه قرار مؤتمر ياندونج.
#اعداد ونشر : يوسف بوستة