04/05/2026
على "سفر "كان الريح تحتي
فَما حاوَلتُ في أَرضٍ مُقاماً
وَلا أَزمَعتُ عَن أَرضٍ زَوالا
عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي
أُوَجِّهُها جَنوباً أَو شَمالا
سيدناالمتنبئ
Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from Faisal Mohamed Salih فيصل محمد صالح, Al Khartum.
04/05/2026
على "سفر "كان الريح تحتي
فَما حاوَلتُ في أَرضٍ مُقاماً
وَلا أَزمَعتُ عَن أَرضٍ زَوالا
عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي
أُوَجِّهُها جَنوباً أَو شَمالا
سيدناالمتنبئ
03/05/2026
مؤانسة الجمعة
فيصل محمد صالح
عن الزغاوة... وقبائل السودان
دعاني الأستاذ بشارة يوسف، المحامي، للمشاركة في نقاش كتابه الجديد "إضاءات من التاريخ الاجتماعي والثقافي للزغاوة"، والذي صدر في كمبالا في الشهر الماضي عن دار عزة للطباعة والنشر. وقد سعدت بالدعوة والمشاركة لأسباب عديدة، يمكن تلخيصها في نقطة ظل الناس يتحدثون عنها كثيرًا، وهي أننا لا نعرف تاريخنا وثقافتنا بشكل جيد، بل ولا نعرف بعضنا البعض. وأخطر ما يحدث عندنا هو انتشار الصور النمطية للمجموعات الإثنية والثقافية واللسانية السودانية بصورة مشوهة ومسيئة، خاصة في النكات ثقيلة الدم التي انتشرت مؤخرًا. لذلك تبرز حاجة شديدة لأن يكتب السودانيون عن أنفسهم وقبائلهم ومجموعاتهم السكانية.
كثير من الكتابات عن المجموعات السودانية كتبها أجانب، سواء من الباحثين والرحالة أو موظفي الخدمة المدنية البريطانيين؛ فكتب ناختيغال، وأوفاهي، وأليكس دو وال، وليدوين كابتيينس عن دارفور وقبائلها، وكتب أحمد الشاهي (البريطاني العراقي الأصل) عن الشايقية، الذين ارتبط بهم حتى "تشيّقن"، وكتبت ويندي جيمس عن الأودوك في النيل الأزرق، وإيان كنيسون عن البقارة، بجانب مكمايكل في "العرب في السودان"، وترمنغهام عن "الإسلام في السودان"... إلخ.
لهذا حرصت على قراءة نسخة الكتاب التي بعثها لي الكاتب، ثم حرصت على المشاركة في الأمسية المخصصة لنقاشه مع رفقة جميلة من الدكتور قاسم نسيم والأستاذ تاج الدين نيام. وقبل الولوج إلى تفاصيل الكتاب، أقول إن الأمسية نفسها كانت تتحدث عن جانب مهم ورد فيه، وهو قوة الترابط الاجتماعي بين أبناء الزغاوة؛ فقد كان الحضور غير مسبوق بالنسبة لمناقشة كتاب، وكان الإحساس بينهم أن الأمسية ملكهم جميعًا، طالما تتحدث عن تاريخ وثقافة وعادات وتقاليد الزغاوة.
جاء الكتاب في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتم تقسيمه إلى حوالي 42 عنوانًا فرعيًا، تنقل بينها الكاتب برشاقة وبساطة، فجاءت أقرب إلى التداعيات. وتنوعت بين التاريخ والعادات والتقاليد، والفولكلور الشعبي من موسيقى وغناء ورقص، وأنواع الأطعمة والمشروبات، وتقاليد الخطوبة والزواج عند الزغاوة، والحِكم والأمثال الشعبية، والطب الشعبي، ومكانة المرأة في مجتمع الزغاوة، وتقاليد الفزع والديات، وأدوات الزينة، وأسماء الزغاوة ودلالاتها، والضرا والمسيد، وطقوس الأعياد... إلخ. هذا التنقل بين التداعيات المختلفة جعل قراءة الكتاب ممكنة وسهلة المتابعة والهضم.
يشير الكاتب في بداية الكتاب إلى اتفاق معظم الباحثين على أن الزغاوة ينتمون إلى الشعوب النيلية-الصحراوية القديمة، التي استوطنت مناطق الصحراء الكبرى والساحل منذ آلاف السنين. لغتهم البِرِي (Beria) أو الزغاوي تعكس ارتباطهم التاريخي بهذه المجموعات. ويقول إنه، على الرغم من وجود روايات تقليدية تربط بعض فروع الزغاوة بالنسب العربي، فإن الدراسات الحديثة تميل إلى اعتبارهم من السكان الأصليين للصحراء الممتدة بين دارفور وتشاد. ويبدو أن تأثير البيئة الصحراوية قد شكّل حياتهم الاجتماعية والاقتصادية منذ القدم، فاعتمدوا على الرعي وتربية الماشية والتجارة عبر الطرق الصحراوية. ويظهر من التقديم الحقيقة المعروفة بأن الزغاوة من المجموعات السكانية العابرة للحدود، وتتوزع بطونها وأسرها الكبيرة بين السودان وتشاد.
من مطالعة الكتاب، تكتشف درجات التشابه، إلى حد المطابقة، في كثير من العادات والتقاليد، مثل الفزع (العمل الجماعي عند الملمات)، ومستوى التكافل الاجتماعي في الزواج والديات، وزينة المرأة التقليدية مثل الشلوخ ودق الشفاه والزمام، وهي بالطبع من العادات التي صارت محصورة في ديار القبيلة، في حين تخلى عنها الذين نزحوا إلى المدن. وهناك أيضًا الدور الذي يلعبه "الدمباري"، وهو "الكجور" في بعض المناطق و"الفكي" في مناطق أخرى، والتشاؤم من أيام وأحداث بعينها، ونفير الحصاد، ووسم الحيوانات للتعرف عليها. ومثل كثير من القبائل البدوية والرعوية، هناك نظرة دونية لبعض الحرف والأعمال اليدوية، ولعلها صفة مشتركة بين كثير من قبائل دارفور. وهناك النكتة المعروفة لأحد أبناء دارفور الذي رفضت أسرته تزويجه بمن يحب، فهددهم بأنه سيتسبب في فضيحة كبيرة لهم بأن يذهب إلى سوق الفاشر ويعمل "جكاكي" (ترزي)!
أما فيما يتعلق ببعض التقاليد الخاصة بالزغاوة، فهم -على غير عادة كثير من المناطق الأخرى- يتمسكون بمؤخر الصداق، والذي عادة يكون مكلفًا، ولديهم عادة خطف الزوجة، مثل بعض قبائل الجنوب، إذا رفضت أسرتها تزويجها لمن يحبها، وغالبًا ما يتم إخفاؤها في مكان لا يصله أهلها، ثم تبدأ الوساطات ويتدخل كبار القوم للوصول إلى تسوية، يتم بعدها إشهار الزواج.
مجتمع الزغاوة مجتمع متماسك ومتكاتف، ويتقاسم الناس المسؤوليات الأسرية ولا ينفرد بها أحد، لدرجة أن بعض الأسر لا تتقاسم الميراث عند وفاة الأب، وإنما يتولى الأخ الأكبر إدارة المال والممتلكات مكان الأب، ويتولى مسؤوليات الصرف على الأسرة.
لا يغفل الكتاب التغيرات الاجتماعية والسلوكية التي تحدث لمجتمع الزغاوة، خاصة بين من هجروا الديار بحدودها المعروفة واتجهوا إلى المدن الكبرى؛ فهناك يتطبعون بطابع الحياة الحديثة ويتخلون عن بعض العادات والتقاليد، ومن ذلك ازدياد ظاهرة الزواج من خارج القبيلة. ومن مظاهر التغيير أيضًا الاختفاء النسبي للأسماء التي كان يتميز بها الزغاوة مثل: صندل، جاموس، كردة، دوسة، أركو، سِبي، هِريو، فاشر، باسي، نهار، وكذلك انتشار استخدام اللغة العربية، وهي في النهاية طبيعة الحياة.
الكتاب ممتع جدًا، وهو الإصدار الثالث للكاتب؛ إذ سبق له أن نشر كتابين، وبالتالي فهو من المولعين والغاوين للكتابة. وقد اعتمد على ما هو مكتوب عن الزغاوة، كما بحث وتحدث مع كثير من كبار السن وزعماء البطون والعشائر، وسجل ذلك كجزء من التوثيق المطلوب لإصدار الكتابة.
كتاب ممتع ومفيد..أنصحكم بالاطلاع عليه.
30/04/2026
لا حول ولا قوة إلا بالله
رحيل الشباب في زهرة العمر مفجع، وعندما تعرف حامد مرتضى خلف الله عن قرب تحس بعمق الفجيعة
لم يكن شابا عاديا، كان باحثا اكاديميا متفوقا ومتمكنا، وناشط مدني ومجتمعي يعمل كالنحلة، يقدم خبراته ومعارفه في خدمة وطنه
لم اتعرف عليه إلا خلال العام الاخير، حيث جمعتنا كتلة مدنية واحدة هي (مسار التقارب المدني السوداني SCCT) ، كثير منا في سن آبائه، لكننا كنا نرى فيه تطلعات الجيل الجديد المحمل بالمعرفة والفكر والقدرة على العمل بلا حدود
سافرنا في سبتمبر الماضي إلى برلين ، التقينا بوزراء ونواب برلمانيين ومنظمات ومراكز بحوث، ونظمنا مؤتمرا ليوم واحد مع عشرات المنظمات ومراكز البحوث، كان حامد نجم هذا الحراك بفكره المتميز وطلاقته في الحديث، شاركته المنصة مع عبدول محمد في الصورة المرفقة
في جلسة مؤانسة مع الزملاء والزميلات في برلين حكيت شيئا عن السيد الصادق المهدي رحمه الله، واشرت لحامد قائلا (مرة جدك الصادق المهدي قال....) ففوجئ الحضور بالمعلومة. فلم يكن يقدم نفسه للناس إلا باسمه وما يحمله من افكار ورؤى
حين كنا نعد تقرير الزيارة وضعت في مجموعة الواتساب مجموعة صور، وكتبت في إحداها الخبيرة الالمانية مارينا بيتر وحامد خلف الله، فعلقت إحدى زميلاتنا (والله حامد زاته خبير)..وحق لها ان تقول ذلك.
كثير على بلادنا وهي تمر بمثل هذه الظروف ان تفقد مزن النيل وحامد مرتضى في شهر واحد، لكنها إرادة الله.
خالص التعازي لوالديه مرتضى خلف الله وام سلمة الصادق المهدي، ولاخواله وخالاته واعمامه وكل اسرته واصدقائه
إنا لله وإنا إليه راجعون
25/04/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
مؤانسة الجمعة
فيصل محمد صالح
كيف نفهم تاريخنا (3)
سؤال المهدية: الثورة... والدولة
الحديث عن المهدية: الثورة والدولة والإرث السياسي شائك ووعر وصعب؛ فأنت لا تناقش وقائع تاريخية فقط، بل تناقش معها سياسةً وإرثًا تاريخيًا وضغائن وعقيدةً وحاضرًا سياسيًا ماثلًا ومعقدًا هو الآخر. ببساطة، أنت تدخل في عشّ الدبابير.
والموقف من المهدية لن يُفهم، مهما حاولت، أنه مجرد محاولة موضوعية لفهم التاريخ وتفكيك بعض وقائعه. سيبحث الناس عن قبيلتك، إن كان لك قبيلة، وموطنك الجهوي، وانتماءاتك السياسية، واحدة كانت أو متعددة، وتصنيف عقيدتك الدينية، وربما فريقك وفنانك المفضل. لكن، في الآخر، هي محاولة لا بد منها لفهم تاريخنا.
واحدة من المداخل الموضوعية، من وجهة نظري، هي تفكيك المهدية إلى الثورة والدولة، مهما كانت مقاومة ذلك من قبل البعض. وفي تاريخنا الثوري ظللنا نعاني من متلازمة الثورة والدولة، كما حدث مع الدولة الوطنية بعد الاستقلال التي تسنم قيادتها رموز الحركة الوطنية الحديثة، ثم ثورة أكتوبر وما بعدها، وانتفاضة أبريل وتجربة الديمقراطية الثالثة، وأخيرًا ثورة ديسمبر ومرحلة الانتقال التي انتهت بالانقلاب ثم كارثة الحرب الحالية. في كل هذه التجارب لم تستطع الدولة أن تكون هي الثورة ذاتها؛ كانت بعضها في بعض الأحيان، وربما لم تستطع أن تعبر عنها تمامًا في أحايين أخرى. وهذا حديث طويل، يحتاج ليس فقط لدراسة كل هذه التجارب، بل لدراسة تجارب ثورات العالم والإقليم.
كانت الثورة المهدية ملحمة وطنية بطولية هزت العالم كله، وأثرت في كل الإقليم، والشواهد على البطولة والتضحية والإخلاص والقدرة على الفداء لا حد لها. وكانت دوافع الثورة والظروف الموضوعية لها متوفرة؛ فقد بلغت فظائع الحكم التركي-المصري للبلاد حدًا لا يستطيع الناس احتماله، وتراكمت المظالم والضغائن ووصلت بالناس إلى مرحلة الاستعداد لكسر الخوف. في هذه الظروف ظهر الإمام محمد أحمد المهدي قائدًا ثوريًا عبقريًا، عرف كيف يحرك الناس ويجمعهم، وكيف يخطط لمراحل الثورة، من الجزيرة أبا إلى جبل قدير، ومن معارك شيكان وبارا والأبيض، حتى استطاع تحرير الخرطوم وقتل غردون باشا.
لم يكن المهدي يملك لأنصاره سلاحًا يوازي سلاح المستعمر، لكنه استطاع أن يحرك فيهم دوافع الثورة والمقاومة، واستخدم الدافع الديني لصالح الثورة، فربط بين أسباب الدين وأسباب الدنيا. وهنا تأتي مسألة أنه "المهدي المنتظر" التي آمن بها البعض ولم يؤمن بها آخرون، لكنهم، على قول المرأة الأنصارية، رأوا بطلًا شجاعًا، أو "فحلًا" على حد تعبيرها، فتبعوه.
يمكن لمن أراد أن يتوقف عند معارضة بعض علماء الدين وشيوخ المتصوفة للمهدي، والمراجع في ذلك كثيرة ومتوفرة. بعضهم فعل ذلك من باب موالاة السلطة التي وضعوا أنفسهم في خدمتها، وأفتوا بعدم جواز الخروج عليها، وبعضهم فعل ذلك باعتقاد ديني سني يرفض فكرة المهدي المنتظر، أو يؤمن بها لكنه يقول إن المواصفات والشروط الزمانية والمكانية لا تنطبق عليه. ومن هؤلاء أستاذه محمد شريف نور الدائم، والشيخ محمد الأمين الضرير، والسيد أحمد الأزهري إسماعيل الولي، والخليفة محمد ود دوليب، والشيخ المنا إسماعيل أبو البتول وآخرين. ومعلوم كيف تصرف معهم الإمام المهدي وخليفته؛ فأفتى بكفرهم وقتل بعضهم ومثل بهم، كما فعل بالمعارضين الآخرين، ومنهم الناظر ماديو.
توفي الإمام المهدي بعد أشهر قليلة من تحرير الخرطوم في يونيو 1885م، وخلفه الخليفة عبد الله الذي آلت إليه مسؤولية بناء الدولة حتى نهايتها على يد الجنرال كتشنر في عام 1898م.
كانت مرحلة الدولة مختلفة تمامًا؛ فقد تشكلت حسب رؤية ومزاج الخليفة عبد الله، ولم تكن هناك تصورات مسبقة تركها الإمام المهدي. وليس من الظلم في شيء القول بأن طريقة تفكير الخليفة عبد الله كانت خارج العصر تمامًا. فالرجل، وهو ليس وحده في ذلك، لم يكن صاحب إدراك بتطورات العالم في نهايات القرن التاسع عشر، بل كان لا يزال يحاول الحكم بتراث قديم يختلف حوله حتى السلفيون والتقليديون من رجال الدين. كان الخليفة يتخذ قراراته، وحتى خططه العسكرية، حسب قوله، بما كان يراه في الحضرة النبوية، وبالتالي فهي أمور غير قابلة للنقاش.
وفي الرواية الموثقة، عند الاستعداد لمعركة كرري، دار جدال بينه وبين القادة العسكريين حول كيفية الهجوم على جيوش كتشنر. أصر على الهجوم النهاري، معللًا ذلك بما رآه في الحضرة النبوية، وبأن هناك مددًا من الملائكة سيقاتل معهم نصرةً لهم. فانفعل الأمير إبراهيم الخليل قائلًا: "المهدية مهديتنا... عٍلا (إلا) نصرة ما في"، ولم يلق سيفه ويفر، بل مضى يقاتل كالأبطال حتى مات شهيدًا.
وانشغلت الدولة خلال حكم الخليفة بالقتال الداخلي مع القبائل المختلفة، بسبب إصراره على تهجيرهم إلى أم درمان، أو بسبب الضرائب والإتاوات الكبيرة لتزويد الجيوش بالطعام والسلاح لمحاربة مصر وإثيوبيا "وإنجلترا... إن أمكنا". ولم تكن هناك معرفة بالاستراتيجيات الكبرى التي كانت تحكم العالم في تلك الفترة، والتي شكلت مستقبل الدول الحالية، وبالتالي لم يكن هناك تصور لكيفية التعامل معها سوى التفكير الانتحاري: إما أن تسلم هذه الدول وقادتها وتستسلم للمهدية، أو يتم إعلان الحرب عليها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار مؤامرات دول الجوار وبريطانيا على الدولة المهدية، والتربص بها، والرغبة في تكسيرها حتى لا تكون نموذجًا لبقية الدول.
حدث هذا في وقت كانت فيه الدولة تحارب قبائلها: الكبابيش، البطاحين، رفاعة الهوى، النوبة، الشايقية، الجعليين (ومقتلة المتمة)، الهبانية، الهدندوة، وحتى الرزيقات الذين حاربهم حمدان أبو عنجة، وقتل زعيمهم مادبو وأتى برأسه ليعلق في أم درمان.
ولم يسلم كثير من أمراء المهدية من القتل والتنكيل عند الاختلاف مع الخليفة، وعادت القبلية تطل برأسها في الدولة التي وقف قائدها يومًا على منبر المسجد ليعلن تبرؤه من أقاربه إن فعلوا ما يريب، ونفض ثوبه منهم.
الحديث طويل، والشواهد كثيرة على عمق وقدم سؤال الثورة والدولة. وإن اتخذنا من المهدية مثالًا، وهي ليست وحدها في عدم قدرتها على الإجابة على هذا السؤال، فلأنها كانت الثورة الأكبر والأعظم والأكثر تأثيرًا في تاريخنا وحاضرنا.
اللهم اجعل حديثنا خفيفًا على الجميع، ما أمكن ذلك.
نداء إنساني عاجل (مع التعديل)
في عدد من أطفال من معسكر كرياندقو للاجئين في يوغندا المفروض يتسجلوا وبدفع رسوم التسجيل لامتحانات المتوسطة وهم غير قادرين على ذلك
رسوم الطالب الواحد 300 الف شلنق وجملة المطلوب
000 3000 شلنق..، بجانب مصاريف الترحيل والإعاشة في كمبالا. ما يعادل حوالي 1500 دولار
آخر موعد للتسجيل نهار الغد
للمساهمة والتحويل
1/ عبدالهادي النور بنكك 3685307 لاي شخص بالسودان وخارجه
2/ اسماعيل موسي يونس موبايل موني 256774388370
للموجودين بشرق افريقيا
يمكن لمن يرغب بعد ان يقوم بالتحويل ان يرسل الإشعار في الخاص
شكرا..شكرا..شكرا
ياها المحرية ٥يكم
تبقى اقل القليل
18/04/2026
سم الله الرحمن الرحيم
مؤانسة الجمعة
فيصل محمد صالح
كيف نفهم تاريخنا (2)
أسطورة العنج ومملكة الأبواب
تُعدّ أسطورة العنج من أكثر القصص غموضًا في تاريخ السودان، وهي مزيج من روايات شفوية وتفسيرات تاريخية غير مؤكدة. يُشار إلى “العنج” في التراث الشفهي السوداني بوصفهم قومًا يُعتقد أنهم عاشوا في وسط السودان قبل قيام سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، ويرى بعض الباحثين أنها قد تشير إلى بقايا ممالك مسيحية قديمة مثل مملكة علوة.
ويُوصَفون بأنهم ذوو بنية جسدية قوية وضخمة، وأحيانًا بصفات شبه “عملاقة” في الروايات الشعبية، وقد كانوا يحكمون المنطقة قبل أن يتم القضاء عليهم أو طردهم. وهناك أحاديث وإشارات إلى وجود مقابر لهم في منطقة سوبا تتميز بضخامة حجم القبور، وكذلك حكايات عن وجودهم سابقًا في منطقة أربجي. ويميل المؤرخون إلى تفسير “العنج” تفسيرًا عقلانيًا، مفاده أنهم ليسوا عمالقة، بل شعوب قديمة حقيقية جرى تضخيم صفاتها عبر الزمن.
يُلقي الدكتور أحمد المعتصم الشيخ ضوءًا على هذه الحكاية من خلال كتابه "مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج" (مركز الدراسات السودانية، 2002م)، مستعرضًا تاريخ هذه المملكة التي لم تلقَ اهتمامًا كبيرًا من المؤرخين، وتقلّ الإشارات إليها في مناهج التاريخ المدرسية، التي تشير إلى مملكتي المقرة وعلوة، ثم تقفز منهما مباشرة إلى مملكة سنار (السلطنة الزرقاء). ويطوف الكاتب على كثير من الكتابات التاريخية للمؤرخين العرب والأجانب والسودانيين، حتى يحسم موقع هذه المملكة بين الشلالين الرابع والخامس جنوب جزيرة مقرات.
ومن الناحية الزمنية، يشير الدكتور المعتصم إلى أن الإشارات الأولى إلى الأبواب، كموقع وكيان مستقل، جاءت في كتابات بعض الرحالة والمؤرخين العرب في القرن العاشر الميلادي، ثم خفت ذكرها لثلاثة قرون، قبل أن تُذكر مرة أخرى كمملكة مسيحية في القرن الثالث عشر. وقد شكّلت مملكة الأبواب عمقًا استراتيجيًا لمملكة المقرة، التي كانت تتعرض آنذاك لغزوات المماليك، وكان ملوك وأعيان المقرة يلجؤون إليها هربًا أو طلبًا للمساعدة العسكرية.
ولم تكن علاقة المملكتين، المقرة والأبواب، مستقرة دائمًا؛ ففي أزمنة لاحقة تغيّر موقف ملك الأبواب، وصار حليفًا للمماليك، وتقاتل مع ملك المقرة. ومع ذلك، استمرت المملكة مأوى للمسيحيين في أواخر عهد الممالك المسيحية، عندما انهارت مملكة المقرة تحت هجمات المسلمين. وقد ساعدها على ذلك تمتعها بموقع أمني متميز وحماية طبيعية بين مضايق الشلالين.
عاشت مملكة الأبواب في مرحلة غامضة من تاريخ السودان، كما ذكرنا، إلا أن الكتابات القليلة وروايات الرحالة في منتصف القرن السادس عشر تشير إلى أنها كانت مملكة نوبية على النيل، تضم عددًا كبيرًا من الكنائس والقلاع، وكانت تمارس التجارة الخارجية وتعدين الذهب، الذي كان يُنقل إلى ميناء سواكن. وقد حافظت على كونها آخر القلاع المسيحية حتى بعد سقوط دنقلا العجوز، عاصمة مملكة المقرة المسيحية.
وفيما يتعلق بموضوع “العنج”، فإن الكتاب نفسه يقرّ بندرة وضعف الإشارات إليهم في المصادر التاريخية، في مقابل كثرة ذكرهم في الروايات الشفهية، مقترنين بتلك الفترة المظلمة من التاريخ. ويذكر الكتاب أن المصادر الشفهية للمجموعات العربية التي ظهرت بعد سقوط الممالك المسيحية تنقل أنهم استلموا السلطة من العنج. ويخلص، بعد مراجعة المصادر الموثوقة، إلى أن وجود العنج لم يكن مجرد خرافة أو أسطورة، بل هو مصطلح يشير إلى شعب قديم كان يعيش في هذه المنطقة قبل وصول وانتشار المجموعات المهاجرة التي سيطرت لاحقًا على الدولة.
ويورد الدكتور أحمد المعتصم الشيخ كتابات مكي شبيكة، وماكمايكل، ونعوم شقير، ويوسف فضل، التي تؤكد إما أن “العنج” اسم كان يُطلق على النوبيين في الممالك المسيحية القديمة، أو أنه كان يُطلق على مجموعة محددة منهم، هي التي سكنت في مملكتي الأبواب وعلوة. في المقابل، لم يلتفت الآثاريون إلى الروايات المتعلقة بالعنج، أو يحاولوا الاستفادة منها لفهم أوسع لتاريخ النوبة في العصر الوسيط، كما لم يُعطَ الموروث الشفهي ما يستحقه من اهتمام بوصفه مصدرًا مهمًا لتاريخ الشعوب.
ويراجع الكاتب التراث الشفهي، الذي يوضح بجلاء عدم وجود ذكر للعنج في الشمال النوبي، بل يُشار أحيانًا إلى أنهم اشتبكوا مع المحس، بينما يكثر ذكرهم في المناطق الواقعة بين الشلالين الرابع والخامس، وفي مناطق نهر النيل الأخرى شمال مملكة علوة، وكذلك في منطقة البطاحين بشرق النيل، ومناطق سوبا وكترانج والعيلفون. كما وُجدت آثار من تراث العنج في مناطق الجموعية، وعند عرب النيل، ووادي المقدم. وهناك أيضًا إشارات إلى وجودهم في دلتا القاش ومناطق مجاورة للبجا، مع وجود علاقة بينهم وبين مجموعة البلو التي سيطرت على المناطق الجنوبية من شرق السودان في تلك الفترة.
الكتاب ممتع وشائق، وقد بذل مؤلفه جهدًا كبيرًا في تسليط الضوء على هذه الفترة الغامضة من تاريخ السودان، التي انتهت فيها الممالك المسيحية وبدأت الدولة الإسلامية. كما راجع وتابع المصادر الشحيحة، من كتابات وروايات شفوية، قد تكون متناقضة أحيانًا، حتى خلص إلى بعض النتائج المعقولة.
مؤانسة الجمعة
فيصل محمد صالح
كيف نفهم تاريخنا (2)
أسطورة العنج ومملكة الأبواب
تُعدّ أسطورة العنج من أكثر القصص غموضًا في تاريخ السودان، وهي مزيج من روايات شفوية وتفسيرات تاريخية غير مؤكدة. يُشار إلى “العنج” في التراث الشفهي السوداني بوصفهم قومًا يُعتقد أنهم عاشوا في وسط السودان قبل قيام سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، ويرى بعض الباحثين أنها قد تشير إلى بقايا ممالك مسيحية قديمة مثل مملكة علوة.
ويُوصَفون بأنهم ذوو بنية جسدية قوية وضخمة، وأحيانًا بصفات شبه “عملاقة” في الروايات الشعبية، وقد كانوا يحكمون المنطقة قبل أن يتم القضاء عليهم أو طردهم. وهناك أحاديث وإشارات إلى وجود مقابر لهم في منطقة سوبا تتميز بضخامة حجم القبور، وكذلك حكايات عن وجودهم سابقًا في منطقة أربجي. ويميل المؤرخون إلى تفسير “العنج” تفسيرًا عقلانيًا، مفاده أنهم ليسوا عمالقة، بل شعوب قديمة حقيقية جرى تضخيم صفاتها عبر الزمن.
يُلقي الدكتور أحمد المعتصم الشيخ ضوءًا على هذه الحكاية من خلال كتابه "مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج" (مركز الدراسات السودانية، 2002م)، مستعرضًا تاريخ هذه المملكة التي لم تلقَ اهتمامًا كبيرًا من المؤرخين، وتقلّ الإشارات إليها في مناهج التاريخ المدرسية، التي تشير إلى مملكتي المقرة وعلوة، ثم تقفز منهما مباشرة إلى مملكة سنار (السلطنة الزرقاء). ويطوف الكاتب على كثير من الكتابات التاريخية للمؤرخين العرب والأجانب والسودانيين، حتى يحسم موقع هذه المملكة بين الشلالين الرابع والخامس جنوب جزيرة مقرات.
ومن الناحية الزمنية، يشير الدكتور المعتصم إلى أن الإشارات الأولى إلى الأبواب، كموقع وكيان مستقل، جاءت في كتابات بعض الرحالة والمؤرخين العرب في القرن العاشر الميلادي، ثم خفت ذكرها لثلاثة قرون، قبل أن تُذكر مرة أخرى كمملكة مسيحية في القرن الثالث عشر. وقد شكّلت مملكة الأبواب عمقًا استراتيجيًا لمملكة المقرة، التي كانت تتعرض آنذاك لغزوات المماليك، وكان ملوك وأعيان المقرة يلجؤون إليها هربًا أو طلبًا للمساعدة العسكرية.
ولم تكن علاقة المملكتين، المقرة والأبواب، مستقرة دائمًا؛ ففي أزمنة لاحقة تغيّر موقف ملك الأبواب، وصار حليفًا للمماليك، وتقاتل مع ملك المقرة. ومع ذلك، استمرت المملكة مأوى للمسيحيين في أواخر عهد الممالك المسيحية، عندما انهارت مملكة المقرة تحت هجمات المسلمين. وقد ساعدها على ذلك تمتعها بموقع أمني متميز وحماية طبيعية بين مضايق الشلالين.
عاشت مملكة الأبواب في مرحلة غامضة من تاريخ السودان، كما ذكرنا، إلا أن الكتابات القليلة وروايات الرحالة في منتصف القرن السادس عشر تشير إلى أنها كانت مملكة نوبية على النيل، تضم عددًا كبيرًا من الكنائس والقلاع، وكانت تمارس التجارة الخارجية وتعدين الذهب، الذي كان يُنقل إلى ميناء سواكن. وقد حافظت على كونها آخر القلاع المسيحية حتى بعد سقوط دنقلا العجوز، عاصمة مملكة المقرة المسيحية.
وفيما يتعلق بموضوع “العنج”، فإن الكتاب نفسه يقرّ بندرة وضعف الإشارات إليهم في المصادر التاريخية، في مقابل كثرة ذكرهم في الروايات الشفهية، مقترنين بتلك الفترة المظلمة من التاريخ. ويذكر الكتاب أن المصادر الشفهية للمجموعات العربية التي ظهرت بعد سقوط الممالك المسيحية تنقل أنهم استلموا السلطة من العنج. ويخلص، بعد مراجعة المصادر الموثوقة، إلى أن وجود العنج لم يكن مجرد خرافة أو أسطورة، بل هو مصطلح يشير إلى شعب قديم كان يعيش في هذه المنطقة قبل وصول وانتشار المجموعات المهاجرة التي سيطرت لاحقًا على الدولة.
ويورد الدكتور أحمد المعتصم الشيخ كتابات مكي شبيكة، وماكمايكل، ونعوم شقير، ويوسف فضل، التي تؤكد إما أن “العنج” اسم كان يُطلق على النوبيين في الممالك المسيحية القديمة، أو أنه كان يُطلق على مجموعة محددة منهم، هي التي سكنت في مملكتي الأبواب وعلوة. في المقابل، لم يلتفت الآثاريون إلى الروايات المتعلقة بالعنج، أو يحاولوا الاستفادة منها لفهم أوسع لتاريخ النوبة في العصر الوسيط، كما لم يُعطَ الموروث الشفهي ما يستحقه من اهتمام بوصفه مصدرًا مهمًا لتاريخ الشعوب.
ويراجع الكاتب التراث الشفهي، الذي يوضح بجلاء عدم وجود ذكر للعنج في الشمال النوبي، بل يُشار أحيانًا إلى أنهم اشتبكوا مع المحس، بينما يكثر ذكرهم في المناطق الواقعة بين الشلالين الرابع والخامس، وفي مناطق نهر النيل الأخرى شمال مملكة علوة، وكذلك في منطقة البطاحين بشرق النيل، ومناطق سوبا وكترانج والعيلفون. كما وُجدت آثار من تراث العنج في مناطق الجموعية، وعند عرب النيل، ووادي المقدم. وهناك أيضًا إشارات إلى وجودهم في دلتا القاش ومناطق مجاورة للبجا، مع وجود علاقة بينهم وبين مجموعة البلو التي سيطرت على المناطق الجنوبية من شرق السودان في تلك الفترة.
الكتاب ممتع وشائق، وقد بذل مؤلفه جهدًا كبيرًا في تسليط الضوء على هذه الفترة الغامضة من تاريخ السودان، التي انتهت فيها الممالك المسيحية وبدأت الدولة الإسلامية. كما راجع وتابع المصادر الشحيحة، من كتابات وروايات شفوية، قد تكون متناقضة أحيانًا، حتى خلص إلى بعض النتائج المعقولة.
15/04/2026
انين التراب..فيلم وثائقي عن الحرب في السودان
أنين التراب
سيرة الحرب والدموع
منذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، أخذ الزمن يتثاقل، وتوالت السنوات مثقلةً بذكريات قاسية لا تُمحى. ذكريات أولئك الذين بقوا نازحين داخل وطنهم، وأولئك الذين لجأوا إلى بلادٍ غريبة ظنّوها محطاتٍ عابرة، فإذا بها منافي يطول فيها الانتظار.
“أنين التراب” يكشف حكاياتٍ موجعة يجهلها كثيرون، ويمنح صوتًا لمن طال صمتهم. يروي سيرة حربٍ لم تعد حدثًا عابرًا، بل صارت جزءًا من الذاكرة اليومية، تسكن تفاصيل الحياة وتعيد تشكيلها.
في السودان، لم تعد الحروب تواريخ تُروى، بل صارت تقويمًا يُؤرّخ به الناس أعمارهم؛ فكلما انطفأت حرب، اشتعلت أخرى، تاركةً وراءها وطنًا مثقلاً بالجراح، وإنسانًا يحاول أن يتمسك بما تبقى من الأمل.
SBC أنين التراب سيرة الحرب والدموع
حلقة من برنامج صوت النور مع إذاعة هلا
https://www.facebook.com/share/v/1CHvuJMwMc/