18/07/2026
محلية ام دافوق
غرفة طوارئ محلية ام دافوق
تقرير عن الوضع الصحي
مستشفى أم دافوق الريفي... صرخة استغاثة من مدينة تنزف في صمت
أم دافوق – جنوب دارفور
في أقصى الحدود الجنوبية لولاية جنوب دارفور، حيث تنتهي الطرق وتبدأ المعاناة، يقف مستشفى أم دافوق الريفي وحيدًا في مواجهة واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والصحية التي تشهدها المنطقة منذ سنوات. مستشفى صغير بإمكانات محدودة، لكنه يحمل على عاتقه مسؤولية إنقاذ حياة آلاف المواطنين واللاجئين، والوافدين و النازحين،بينما يواجه نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات بصورة تفوق قدرته على الاحتمال.
تقع منطقة أم دافوق على الحدود السودانية مع جمهورية أفريقيا الوسطى، وظلت لسنوات ملاذًا للفارين من ويلات الصراعات والنزاعات المسلحة. ومع استمرار تدفق اللاجئين إلى المنطقة، تضاعف الضغط على الخدمات الصحية بصورة غير مسبوقة، بينما بقي المستشفى يعمل بالإمكانات نفسها، دون دعم يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان واللاجئون معًا.
وتزداد المأساة مع اقتراب موسم الخريف، حيث يصبح الوصول إلى أم دافوق شبه مستحيل. فالطريق الوحيد المؤدي إلى المنطقة يمر عبر ردمية أم روق، التي تبعد نحو سبعة كيلومترات من المدينة، وهي ردمية تنهار كل عام تحت وطأة السيول والأمطار الغزيرة، فتغمرها المياه وينقطع الطريق تمامًا، لتتحول أم دافوق إلى مدينة معزولة عن العالم منذ بداية شهر أغسطس، ويصبح وصول سيارات الإسعاف وإمدادات الدواء والغذاء أمرًا بالغ الصعوبة.
داخل مستشفى أم دافوق الريفي، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت ليدرك حجم المأساة. مرضى يفترشون المقاعد والأرض، وأطفال يئنون من الألم، وأمهات يحملن أبناءهن بأيدٍ مرتجفة وقلوب يملؤها الخوف، وكبار سن ينتظرون جرعة دواء قد لا تصل. أما الكوادر الطبية، فتواصل العمل بإخلاص رغم قلة الإمكانات، وهي تشاهد يوميًا حالات يمكن إنقاذها لو توفرت أبسط مقومات العلاج.
ويعاني المستشفى من نقص خطير في الأدوية الأساسية وأدوية الطوارئ، من بينها محاليل كلوريد الصوديوم (Sodium Chloride 0.9%)، ورينجر لاكتات (Ringer's Lactate)، والدكستروز (Dextrose)، إضافة إلى حقن الأدرينالين (Adrenaline)، والأتروبين (Atropine)، والهيدروكورتيزون (Hydrocortisone)، والديكساميثازون (Dexamethasone)، والديازيبام (Diazepam)، إلى جانب المضادات الحيوية المنقذة للحياة مثل السيفترياكسون (Ceftriaxone)، والأمبيسيلين (Ampicillin)، والجنتامايسين (Gentamicin)، والميترونيدازول (Metronidazole)، فضلًا عن أدوية الحمى والألم، وموسعات الشعب الهوائية، ومحاليل الإماهة الفموية، والزنك لعلاج الإسهالات، وغيرها من الأدوية الأساسية التي أصبحت نادرة أو غير متوفرة.
كما يعاني المستشفى من غياب شبه كامل لأدوية الحوادث والإصابات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات الطوارئ، مع عدم توفر أجهزة الإنعاش، وأسطوانات الأكسجين، وأجهزة الشفط، وأجهزة مراقبة العلامات الحيوية، وخيوط العمليات، والشاش الطبي، والقساطر الوريدية، والقفازات المعقمة، وغيرها من المستلزمات التي تمثل الحد الأدنى لأي مؤسسة صحية.
ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، بل تمتد إلى خدمات الأمومة والولادة، التي أصبحت تعيش أوضاعًا مأساوية. فنساء حوامل يقطعن مسافات طويلة وهن يعانين من آلام المخاض، ليصلن إلى مستشفى يفتقر إلى أبسط مقومات الولادة الآمنة. وتعاني الحوامل من غياب خدمات متابعة الحمل، وعدم توفر الفحوصات الأساسية، مما يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة قد تؤدي إلى وفاة الأم أو جنينها.
ويفتقر قسم الولادة إلى أدوية أساسية مثل الأوكسيتوسين (Oxytocin) والميزوبروستول (Misoprostol) للسيطرة على نزيف ما بعد الولادة، وكبريتات المغنيسيوم (Magnesium Sulfate) لعلاج تسمم الحمل، إضافة إلى المضادات الحيوية، ومحاليل الدم، وأدوية التخدير، ومسكنات الألم، وهي أدوية تمثل خط الدفاع الأول لإنقاذ حياة الأمهات.
كما يشهد القسم نقصًا كبيرًا في أدوات الولادة، مثل أطقم الولادة المعقمة، والقفازات الجراحية، والمشارط، والمقصات، ومشابك الحبل السري، وخيوط الجراحة، والشاش، وأجهزة شفط حديثي الولادة، وأجهزة إنعاش الأطفال، وأجهزة متابعة نبض الجنين، وحاضنات الأطفال الخدج، الأمر الذي يجعل كل ولادة مغامرة محفوفة بالخطر، ويضاعف احتمالات فقدان الأمهات أو المواليد بسبب نقص الإمكانات.
أما الأمهات المرضعات، فيواجهن معاناة لا تقل قسوة، في ظل غياب المكملات الغذائية مثل الحديد وحمض الفوليك والكالسيوم والفيتامينات، وافتقار المستشفى إلى برامج التغذية العلاجية والدعم الصحي بعد الولادة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على صحة الرضع، ويزيد من معدلات سوء التغذية بين الأطفال.
وفي الوقت نفسه، تتزايد أعداد اللاجئين القادمين من جمهورية أفريقيا الوسطى، مما أدى إلى اكتظاظ المنطقة وارتفاع الضغط على الخدمات الصحية، وظهور حالات متزايدة من الإسهالات والأمراض المرتبطة بتلوث المياه وسوء الإصحاح البيئي، وسط نقص شديد في محاليل الإماهة والمضادات الحيوية، وغياب برامج مكافحة الأوبئة والتوعية الصحية.
كما تعاني المنطقة من ضعف شديد في خدمات الإصحاح البيئي، وعدم توفر مياه شرب آمنة بصورة كافية، وتراكم النفايات، وغياب حملات مكافحة نواقل الأمراض، مما يرفع من احتمالات انتشار الأمراض المعدية، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.
ولا تقل مأساة الأطفال عن غيرهم، إذ يواجه كثير منهم خطر سوء التغذية في ظل نقص الأغذية العلاجية، وعدم توفر الحليب العلاجي والمكملات الغذائية والأدوية الخاصة بالأطفال، بينما يواصل المرض والإسهال استنزاف أجسادهم الصغيرة في غياب الإمكانات الطبية اللازمة.
وقال مساعد الطبيب محمد آدم (قريضة) إن المستشفى يعاني من نقص حاد في أدوية الطوارئ والولادة والمستلزمات الطبية، مؤكدًا أن الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين رفعت الضغط على الخدمات الصحية إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت لا تتوفر فيه الإمكانات الكافية للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وأضاف أن الكوادر الطبية تبذل كل ما في وسعها لإنقاذ المرضى، إلا أن غياب الأدوية والمعدات يجعلهم يقفون عاجزين أمام حالات كثيرة كان يمكن إنقاذها لو توفرت أبسط مقومات العلاج.
إن ما يحدث في أم دافوق ليس مجرد أزمة دواء، بل هو معاناة إنسانية متواصلة يعيشها آلاف الأبرياء كل يوم. هناك أمهات يخشين لحظة الولادة أكثر من أي وقت مضى، وآباء يقفون عاجزين أمام صرخات أطفالهم، ومرضى ينتظرون دواءً قد لا يصل، وكوادر صحية تؤدي رسالتها وهي تعلم أن نقص الإمكانات قد يحول مرضًا بسيطًا إلى مأساة، أو يجعل نزيفًا يمكن إيقافه سببًا في فقدان أم، أو يحرم طفلًا من أول لحظات حياته.
ومع اقتراب موسم الخريف وانقطاع الطريق بسبب انهيار ردمية أم روق، تزداد المخاوف من أن تتحول هذه الأزمة إلى كارثة إنسانية وصحية يصعب احتواؤها، إذا لم تتحرك الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية بصورة عاجلة.
إن مستشفى أم دافوق الريفي يطلق اليوم نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى وزارة الصحة ، ووزارة الصحة بولاية جنوب دارفور، والمنظمات الإنسانية الوطنية والدولية، وشركاء العمل الإنساني، للتدخل الفوري عبر توفير الأدوية المنقذة للحياة، ودعم أقسام الطوارئ والحوادث والأمومة والطفولة، وتأهيل ردمية أم روق قبل موسم الخريف، وتعزيز خدمات المياه والإصحاح البيئي، ودعم برامج التغذية للأطفال والحوامل والمرضعات.
ففي أم دافوق... لا يطلب الناس ترفًا ولا رفاهية، بل يطلبون حقًا أصيلًا كفلته كل الشرائع والقوانين؛ الحق في العلاج، والحق في أن تلد الأم بأمان، والحق في أن يجد الطفل دواءً يحفظ له الحياة، قبل أن تبتلع هذه المأساة المزيد من الأرواح في صمت.
Report
Um Dafoug Rural Hospital: A Cry for Help from a Community Suffering in Silence
Um Dafoug, South Darfur, Sudan
In the far southern reaches of South Darfur State, on Sudan's border with the Central African Republic, Um Dafoug Rural Hospital stands alone against a deepening humanitarian and health crisis. With extremely limited resources, the hospital struggles to provide lifesaving care for thousands of local residents and refugees while facing severe shortages of medicines, medical equipment, and essential supplies.
Um Dafoug has long served as a place of refuge for families fleeing violence and insecurity in the Central African Republic. As the number of refugees continues to grow, the demand for healthcare has increased dramatically. However, the hospital has received little additional support, leaving its exhausted staff to shoulder an overwhelming burden with inadequate resources.
The crisis becomes even more severe during the rainy season. The only road connecting Um Dafoug to the rest of South Darfur passes through the Am Rog Embankment, located approximately 7 kilometers from the town. Every year, heavy rains and floods wash away this critical crossing, cutting off Um Dafoug from the outside world, often beginning in August. Medical supplies, emergency referrals, food, and humanitarian assistance are delayed or completely halted, leaving the community isolated for weeks or even months.
Inside Um Dafoug Rural Hospital, the suffering is impossible to ignore. Patients wait for treatment that may never arrive. Children cry in pain. Mothers hold their sick babies with tears in their eyes, hoping for medicines that are no longer available. Elderly patients endure preventable illnesses without proper treatment. Meanwhile, doctors, medical assistants, nurses, and midwives continue working under heartbreaking conditions, doing everything they can to save lives despite overwhelming shortages.
The hospital is experiencing a critical shortage of essential medicines and emergency drugs, including Sodium Chloride 0.9%, Ringer's Lactate, Dextrose, Adrenaline, Atropine, Hydrocortisone, Dexamethasone, Diazepam, Ceftriaxone, Ampicillin, Gentamicin, Metronidazole, pain relievers, antipyretics, bronchodilators, Oral Rehydration Salts (ORS), zinc tablets for childhood diarrhea, and many other lifesaving medications.
Emergency and trauma care is also severely compromised due to the lack of oxygen cylinders, suction devices, patient monitors, intravenous cannulas, sterile surgical gloves, sutures, dressings, gauze, emergency equipment, and other essential medical supplies required to treat accident victims and critically ill patients.
Perhaps the most heartbreaking situation is found in the Maternal and Newborn Care Unit.
Pregnant women often travel long distances in severe pain, hoping to reach the hospital before giving birth. Instead, many arrive at a facility that lacks even the most basic resources required for safe delivery. Antenatal care services are extremely limited, and many pregnant women cannot access routine examinations that could detect life-threatening complications before childbirth.
The maternity ward suffers from severe shortages of lifesaving obstetric medicines, including Oxytocin and Misoprostol for the prevention and treatment of postpartum hemorrhage, Magnesium Sulfate for the management of severe pre-eclampsia and eclampsia, broad-spectrum antibiotics such as Ceftriaxone, Ampicillin, and Gentamicin, intravenous fluids, blood products, anesthetic medications, and pain relief drugs.
In addition, the hospital lacks many essential delivery supplies and equipment, including sterile delivery kits, surgical gloves, scalpels, scissors, umbilical cord clamps, absorbable sutures, sterile gauze, neonatal suction devices, newborn resuscitation equipment (Bag-Valve Masks), fetal heart monitors, infant weighing scales, incubators for premature babies, and oxygen support equipment.
As a result, every childbirth has become a dangerous journey between life and death. Midwives and healthcare workers are often forced to deliver babies without the medicines or equipment needed to manage complications. Conditions that would normally be treatable become fatal simply because essential supplies are unavailable.
Breastfeeding mothers face equally difficult circumstances. The hospital lacks nutritional supplements such as Iron (Ferrous Sulfate), Folic Acid, Calcium, and multivitamins, while postpartum care services remain extremely limited. Many mothers suffer from anemia and malnutrition, directly affecting the health and survival of their newborn children.
The arrival of increasing numbers of refugees from the Central African Republic has placed even greater strain on the already fragile health system. Overcrowded living conditions, poor sanitation, and unsafe water have contributed to a growing number of cases of acute diarrhea and other infectious diseases, particularly among children.
The situation is worsened by the near absence of environmental health services. Access to clean drinking water remains inadequate, waste management systems are weak, and disease prevention activities are extremely limited. These conditions significantly increase the risk of disease outbreaks.
Children are among the hardest hit. Many suffer from acute malnutrition due to the shortage of therapeutic foods, nutritional supplements, pediatric medicines, and specialized child healthcare services. Preventable illnesses continue to claim young lives simply because the necessary treatment is unavailable.
According to Medical Assistant Mohamed Adam ("Gureida"), the hospital is facing severe shortages of emergency medicines, obstetric drugs, and medical supplies. He explained that the continuous influx of refugees has increased patient numbers beyond the hospital's capacity, while available resources remain critically insufficient.
He added that healthcare workers continue to perform their duties with dedication despite enormous challenges, but the absence of medicines and equipment means that many lives are being lost from conditions that could have been successfully treated.
The tragedy unfolding in Um Dafoug is far more than a shortage of medicines. It is a humanitarian emergency affecting thousands of innocent people every day. Mothers fear childbirth because safe delivery cannot be guaranteed. Fathers watch helplessly as their children suffer without treatment. Healthcare workers struggle to save lives while knowing that many deaths could have been prevented with the most basic medical resources.
As the rainy season approaches and access roads become impassable once again, fears continue to grow that this already fragile situation will develop into a full-scale humanitarian and public health disaster.
Um Dafoug Rural Hospital urgently appeals to the Federal Ministry of Health, the South Darfur State Ministry of Health, United Nations agencies, international humanitarian organizations, donor governments, and all humanitarian partners to respond immediately by providing lifesaving medicines, emergency medical equipment, maternal and child health supplies, nutritional support, clean water and sanitation services, and by rehabilitating the Am Rog Embankment before the rainy season cuts the community off once again.
The people of Um Dafoug are not asking for luxury. They are asking for their most fundamental human right—the right to healthcare, the right for mothers to give birth safely, and the right for every child to have a chance to survive. Without urgent action, more lives will be lost in silence.
ولا تتوقف معاناة أم دافوق عند حدود مستشفى أم دافوق الريفي، بل تمتد لتشمل المرافق العامة، والمدارس، ومراكز إيواء اللاجئين والنازحين، التي تعاني من تدهور حاد في خدمات المياه والإصحاح البيئي والصحة العامة. فشح مياه الشرب الآمنة، وغياب المراحيض الصحية، وتراكم النفايات، وضعف شبكات الصرف الصحي، وانعدام حملات النظافة ومكافحة نواقل الأمراض، كلها عوامل تهدد بانتشار الإسهالات المائية والكوليرا والملاريا وغيرها من الأمراض المعدية، خاصة في ظل الزيادة المستمرة في أعداد السكان واللاجئين.
كما أصبحت المدارس تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة الصحية، الأمر الذي يهدد صحة التلاميذ ويؤثر على استمرار العملية التعليمية، بينما تزداد الحاجة إلى تدخلات عاجلة في مجالات المياه والإصحاح البيئي لحماية الأطفال والأسر من مخاطر الأمراض.
وتتجلى المأساة بصورة أكبر في معسكر المشقة للاجئين بمنطقة أم دافوق، الذي يضم أعدادًا متزايدة من اللاجئين الفارين من جمهورية أفريقيا الوسطى. ويعيش سكان المعسكر أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، تشمل الرعاية الصحية، ومياه الشرب النظيفة، والإصحاح البيئي، والغذاء، والتغذية، ورعاية الأمهات والأطفال، والتعليم، والمأوى.
إن معسكر المشقة، إلى جانب المرافق العامة والمدارس، يطلق اليوم نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية للتدخل الفوري، وتوفير خدمات المياه والإصحاح البيئي، والرعاية الصحية، والغذاء، والتعليم، والدعم الإنساني، قبل أن تتحول هذه المعاناة إلى كارثة صحية وإنسانية تهدد حياة آلاف الأسر والأطفال الأبرياء.

18/07/2026