Adab

Call Contact the organization

Adab Des nouvelles des poemes

11/06/2026

طاهر السريرة ( قصة قصيرة)

خرج من البيت كشيء زائد عن الحاجة، متكورا في معطفه يتدحرج ككتلة حسك قذفت بها رياح السموم، ولم يكن يخرجه من هذا المظهر الكروي إلا تحريك رأسه من حين لآخر عند قطع الطريق.
بعد لحظات سيصل إلى المقهى ويجلس إلى طاولة وتأتيه قهوته المعتادة ويفتر فمه الرقيق الأنثوي عن ابتسامة شكر للنادل. ينتظر لحظات حتى تبرد قهوته ليبدأ ترشفها على مهل، ويظل يحملق إلى كل داخل إلى المقهى بعينيه الواسعتين المائلتين إلى الجحوظ، ثم ينظر إلى ساعته في حركة آلية دون إدراك ودون أن ينتبه إلى الوقت، لأنه في الحقيقة لم يكن ينتظر أحدا ولم يكن مكوثه في المقهى مرتبطا بزمن محدد، فعندما يمل الجلوس وتتيبس مفاصله قد يقرر أن يقف محاذرا أن يصطدم بطنه بالطاولة ويخرج بعد أن يمسح صلعته التي تكون قد تعرقت دون سبب ظاهر.
الجميع متفقون على أنه طاهر السريرة، فيلقونه بالترحاب وإظهار الشوق. فصدره رحب لكل بذاءاتهم وصخبهم ونميمتهم، يقدم إضافات مدروسة لأقوالهم فينتشون لحضوره، ثم يستدرك أنه لا يريد الخوض في أعراض الناس، لكنه لا يؤاخذ أحدا على شيء، فيشعرون أنه كاتم أسرارهم مهما أوغلوا في الخصوصية.
وصل أخيرا إلى المقهى دون أن يعترض سبيله واحد من الممجدين. رحب النادل بقدومه وأحضر بسرعة قهوته ووضعها على الطاولة وانصرف.
مرت لحظات برودة القهوة،ثم انتبه طاهر السريرة أن المقهى أصبح خاليا في ومضة كالبرق وساد سكون مريب، وحتى النادل بدا كأنه تبخر أو كأن الأرض ابتلعته، ولما ترشف رشفته الأولى أحس بمذاق القهوة متغيرا وبثقلها في حلقه يخز حنجرته كالإبر.
كما لاحظ باندهاش أن الطاولة اقتربت إلى بطنه المنتفخ وثبتت جلوسه على الكرسي الذي فاضت عن جانبيه فخذاه العريضتان. أراد أن ينشغل عن كل ما يحدث عله يتلاشى بعد لحظات فسحب كنشه الذي ملأه بمشاعره الحاقدة على كل المحيطين به و أضاف أسطرا عن النادل فكتب:" نادل سخيف، يريد إبهارنا بترحابه المصطنع وسرعة حركته وابتسامته البلهاء، وأنا أعلم أنه لا يفعل ذلك إلا استدرارا لمكرمة هزيلة على واجب يعده فضلا ، تبا له ولأمثاله".
ما إن انتهى من كتابة السطر الأخير حتى ظهر النادل من جديد. قلب الصفحة وعاد إلى الكتابة فدون: " جيران قذرون، صخبهم لا ينتهي ، يظنون ابتساماتي لهم حبا وإصغائي إليهم تعاطفا، لا أدري لماذا لم تعصف بهم الكورونا كما عصفت بأمي، لا بد أن يأتي وباء آخر يقضي عليهم على بكرة أبيهم."
رفع بصره عن الورقة فرأى بعض الحرفاء يعودون إلى طاولاتهم ويستأنفون حديثهم وكأنهم لم يخرجوا من المقهى.
في صفحة جديدة كتب: " عمر مضى في معاشرة أنذال يتوهمون أني صفيهم، أعرف أسرارهم وأحقادهم. لو أدركوا مدى كرهي لهم لضنوا علي حتى بالنظر، تبا لهم ، أغبياء، أدعياء.الحمد لله أن الموت سيمحو هذه الأشكال محوا."
بعد أن دون كلمته الأخيرة عاد الضجيج إلى المقهى، كل الحرفاء عادوا إلى حيث كانوا جالسين وكأنهم لم يتحركوا من أماكنهم. وانتبه إلى الطاولة تبتعد عن بطنه، ترشف رشفة ثانية، عاد مذاق القهوة مألوفا كما عهده. نظر إلى باب المقهى، رأى رجلا غريبا يدخل وفي يده حافظة أوراق، يتجه إلى طاولته مباشرة ودون استئذان يسحب كرسيا ويجلس ويرفع قبعته كاشفا عن صلعة تشبه صلعته ثم يقول:" أين اختفيت، بحثنا عنك طويلا ، ألم تعدنا بالقدوم في الموعد المحدد يا طاهر السريرة؟"
هم بالكلام لكن الرجل باغته بسحب ورقة رسمية وناوله قلما قائلا: أمض هنا تحت الاسم.
فقال طاهر السريرة : أمضي على ماذا؟
نظر إليه الرجل نظرة حادة زاجرة قائلا:" أمض على محضر استلام ذاتك".

تأليف : سالم المتهني( تونس)

31/05/2026

درس غرير العسل (حكاية مثلية شعرية)

رام نمير سلب شهد من غرير العسل
فانتفض الغرير يحمي قوته وماجنى بالعمل
وانقض يثنيه بمخلب وناب وبكل الحيل
حتى تراخى النمر المعتد يخزيه فقد الأمل

وفر يجري شاكيا خيبته إلى الأسد
وقال:"اضرب الغرير، رده إلى الرشد
فنصره عار على هيبتنا إلى الأبد"
فانتصب الملك واهتز بغيظ وارتعد
وقال:"دلني على هذا الصعلوك الألد"
فانطلقا ليقطعا درب الغرير المستعد

تصارع الغرير والأسد ردحا من زمن
وقد بدا فيه الغرير جلدا، مستبسلا رغم المحن
راع الهزبر سمك جلد الخصم والتنصل الحاد الفطن
فوهن الليث وأطلق زئيرا من غيظ وشجن
وانصرف الغرير هازئا من الأسد بعد أن وهن

واكب ثعلب هزيمة كبير الغابة لما جثا مراقبا كالمختلس
فخشي الأسد والنمر أن ينشر ما عاينه من دنس
فتمحي الهيبة والوقار محوا كبناء مندرس
فجريا معا لمسك الثعلب الهارب في توجس كالفرس
فأصبحت حناجر الوحش تعيد مثلا يؤذي السباع كالجرس:
"من طلب الهيبة باعتداده
طارده الرعب من اغتيابه"
وذو المروءة مصون في غير داره
و ذو الوضاعة مهان في حمى إخوانه.

تأليف: سالم المتهني ( تونس)

17/02/2026
14/01/2026

لقمة عيش ( قصة قصيرة)

نهضت حفصية ككل يوم باكرا بفرحة استقبال يوم جديد. فرحة حفصية بيومها الجديد ليست كفرحة أي امرأة من نساء الحي, وكثير من الناس لا يفرحون للقاء يوم جديد, و ليس بهم نزوع إلى تأمل تعاقب الليل و النهار و يطردون بوعي أو بدونه فكرة قدوم يوم لا ينهضون فيه لا باكرا و لا متأخرا. حفصية كان لها إحساس قوي بالموت, و نظرتها إليه طريفة, فهي تراه عقابا إذا أتى قبل أوانه, أما أوان الموت في اعتقادها فهي الشيخوخة , الشيخوخة الحقيقية التي يكون فيها الموت رحمة لصاحبه.
ليس لك أن تجادل حفصية في أي رأي ترتئيه فهي دائما على حق, الصواب ما تقوله, ولن تجد الجرأة لتقاطعها إذا ما بالغت في التفرد بالكلام أو أن تسهو بنظرك إلى أي ناحية من النواحي و تنسى أن تنظر إليها و تؤمن على قولها بأي إشارة من الإشارات, فهذه هفوات لا تغفرها لأحد, حتى وإن كان زوجها الهاشمي.
من حق حفصية أن تفرح باستقبال يوم جديد, فهي عندما تكون مقبلة على النوم تأتي طقوسا تضمن بها يوما جديدا في حياتها, فتتوضأ وتصلي و الصلاة عندها هي صلاة واحدة، صلاة العشاء و عدد الركعات فيها اثنتان, تردد فيهما بداية الفاتحة مرتين ثم تردد بداية سورة الإخلاص مرتين, تنتهي من الصلاة بقلب خاشع و نفس لها اطمئنان من قام بواجب عسير لا يأتيه إلا أصحاب الضمائر الحية و الإيمان الصحيح. تفتح باب الغرفة و تتجه إلى المطبخ لتنتقي من فضلات الطعام ما يئست من إعادة توضيبه وجبة لأطفالها السبعة, تجمع ما انتقته و تضعه بعناية في قرطاس و تقدمه إلى قطها الأسود الذي يكون قد تحفز قرب المطبخ منتظرا خروج سيدته بوجبة اليوم الطويل, لا يجرؤ على الدخول, و كيف يجرؤ و حفصية أذاقته ما أنساه وجود المطبخ, تضع القرطاس على الأرض و القط لا يقترب من الطعام إلا بعد التأكد من ابتعادها.
تدخل إلى غرفتها بعد أن تلقي نظرة طويلة إلى السماء محاولة التكهن بطقس الغد ثم تنظر إلى جهة محددة من السماء تعتقد أن الله يرقبها منها و تقول بصوت خافت "يارب سامحني" ثم تنظر إلى القط مقبلا على بقايا الطعام بنهم, تبتسم و تدخل راضية و تقفل باب الغرفة, و بعد التأكد من أن الغطاء لم يستبد به أحد الصبية دون إخوته تهجع إلى فراشها. ولم يكن فراشها إلا المجال المتبقي من مساحة الغرفة على يمين أطفالها, لا تشاركهم الغطاء و لكنها تشرك أصغرهم في غطائها فهو أحوجهم إلى الدفء و الحنان, فهو لم يتجاوز بعد
سبع سنوات و مازال يتردد إلى المدرسة. عندذلك تنام بعد أن تردد بعض الأدعية الأخيرة و هي على يقين من أنها ستنهض باكرا لتستقبل يوما جديدا.
نهضت حفصية باكرا مستقبلة مكافأة الله لها على صبرها و تضحيتها و مناجاتها له, تستقبل يومها الجديد ثم تعد القهوة و تقص الخبز و تصب زيت الزيتون في صحن فخاري مزين برسوم لزهور اللوز ثم تعود إلى الغرفة و تخبط الباب بيدها ثلاث مرات لينهض أبناؤها السبعة فزعين و هي تأمر "انهضوا بسرعة و كلوا ما تيسر و انطلقوا في أرض الله إلى أعمالكم"
و الحقيقة أن أعمال أبنائها لم تكن إلا التسكع في الأسواق و مساعدة الفلاحين و التجار في تحميل البضائع أو إنزالها من الشاحنات, و كانوا كثيرا ما ينجزون هذه الأعمال دون أن يطلب منهم ذلك فيظن الفلاح الغشيم أنهم تطوعوا للمساعدة على وجه الإحسان ثم يفاجأ بطلبهم أجرة ما تكبدوه من عناء.
ينهض أطفالها فزعين إلا فريدا الذي منحته حفصية امتياز عدم الاستجابة الفورية لأمرها فينهض بتثاقل و لا يخرج من الغرفة إلى وسط الدار إلا عندما يتأكد أن إخوته قد تناولوا فطورهم و بدأوا الخروج من البيت تباعا.
ثم يخرج الهاشمي من غرفته الخاصة وهي غرفة ضيقة لا تسع إلا سريرا واحدا, وهو امتياز يفخر به و لا ينازعه فيه أحد, يتبادل مع زوجته حفصية تحايا الصباح و يترشف قهوته على مهل مدخنا سيجارته و يعيد مواله اليومي عن السعي في كسب الرزق و يلعن مشغله السابق الذي طرده شر طردة بعد أن خصم من أجره ما أراد أن يخصم عقابا له على استغلاله شاحنة المصنع في مآربه الخاصة. قال الهاشمي لحفصية في لهجة واثقة :
- اليوم سأتصل بمدير مصنع البلاستيك, معي بطاقة توصية من صديق أكد لي أن المدير لن يردني خائبا و سيقبل تشغيلي في مصنعه سائق شاحنة لتوزيع الأواني البلاستيكية على تجار التفصيل.
وأخرج الهاشمي البطاقة و أراها لحفصية التي نظرت إليها دون أن تتوقف عن تنظيف المائدة و رفع الأكواب ثم قالت
-ربي معاك يا هاشمي...الأرزاق بيد الله.
-الحمد لله على كل حال.
-بعد مرورك على مدير المصنع لا تنس أن تزور أبي لجبر خاطره بكلمتين فهو غاضب من تأجيل سداد ما عليك من دين...أحطه علما بأوضاعنا و أخبره بأنك طردت من عملك ظلما...
-سأفعل إن شاء الله...
*********
قال الهاشمي للحاج عمر " يا حاج عمر ماكان لله دام و اتصل و ماكان لغير الله انقطع و انفصل".
ظل الحاج عمر ساكتا مطرقا إلى الأرض وهو جالس على جلد خروف, تارة يمرر يده اليمنى على ظهر يده اليسرى و طورا يمرر يده اليسرى على ظهر يده اليمنى, تلك عادته كلما أراد أن يهدئ من انفعاله أو يساعد ذهنه على الانصراف إلى التعقل و التحكم في رد الفعل.
كان على الهاشمي أن يعيد ما قاله للحاج عمر لأنه يعلم أن الحاج لم يسمعه فرفع صوته أكثر و أعاد :
"ما كان لله دام و اتصل و ما كان لغير الله انقطع و انفصل "
هذه المرة سمعه الحاج فرفع رأسه و نظر إليه بعينين متقدتين و قد اتسعت حدقتاهما و قال :
-شبعنا من اتصل و انفصل...أحضر المبلغ... و بعد ذلك سأجيبك ما الذي يتصل و ما الذي ينفصل...
-يا حاج، مالك في الحفظ و الصون... حد الله بيني والحرام, ثم نحن أهل و أبنائي هم أحفادك... أترضاهم يتضورون جوعا ؟
-لم يكرهك أحد على الزواج... إن لم تكن في مستوى المسؤولية فلم تزوجت ؟ لو بقيت أعزب لكان أفضل...
-سامحك الله يا حاج... هل كنت أتخيل و لو لحظة أني سأطرد من عملي ؟
-أعطني تاريخا محددا لإرجاع المبلغ...
-آخر هذا الشهر أرجع لك نصف المبلغ, خمسين دينارا و آخر الشهر القادم بقية المبلغ.
نظر الحاج عمر متفحصا الهاشمي, مخمنا مدى صدقه ثم قال :
-كلمة رجال؟
-كلمة رجال...
ثم عاد الحاج إلى إطراقه يمرر يده اليمنى على اليسرى, و اليد اليسرى على اليمنى...
ظل الهاشمي يتأمل الحاج مبتسما و قد زال حرجه ثم اقترب منه و انحنى يقبل رأسه قائلا:
-يكثر خيرك يا حاج, أنت الخير و البركة...
همهم الحاج همهمات الرضا...
خرج الهاشمي من غرفة الحاج و اجتاز وسط الدار يجيل بصره في أرجاء الحوش و ينظر إلى أبواب الغرف محاولا التأكد من أن لا أحد سمع حواره مع الحاج عمر و قال في نفسه "حتى و إن سمعوا...فأنا لست لصّا أو متحيّلا...طلبت من الحاج تأجيل خلاص دين...هل هذا عيب؟ ثم ما حاجة الحاج عمر إلى هذا المبلغ؟ فأمواله كثيرة و لا يضيره أن تنقص منها مائة دينار..."
دخل الهاشمي البيت هادرا "يلعن أبو الوقت...ساعة كاملة و أنا أحاول إقناع شيبة النحس و لم يقتنع إلّا بعد إذلالي و اتهامي بأني لست في مستوى المسؤولية."
خرجت حفصية من المطبخ و نظرت إلى الهاشمي نظرة المتعوّدة على ترهات زوجها قائلة :
-لا تتحدث عن أبي بهذه الطريقة فأفضاله كثيرة و لست محتاجا لتذكيرك بها.
-لا,لست محتاجا,حفظتها أعطانا بيتا نسكنه على وجه الفضل و تحمّل نصف مصاريف زواجنا,وأقرضنا المال أكثر من مرة...و حتى قطك الأسود أخذناه من بيته العامر بكلّ أصناف الحيوانات...سامحيني يا للاّ...
و اقترب الهاشمي من زوجته و قبل جبهتها.
تخلّصت حفصية بسرعة من غضبها و ابتسمت ابتسامتها العريضة و قالت :
-خمّن ماذا أعددت لك غداء اليوم؟
-إن شاء الله عصبان
-لا,أحسن, "بوليس مكتّف"
-شاطرة يا حفصية,شاطرة, هذه أكلة ترفع المعنويات...إن لم نقدر عليهم في الشارع نتمكّن منهم في المطبخ.
وأطلق ضحكة مدوّية و شاركته حفصية الضحك وهي تشير بسكين في يدها إلى قصعة ملئت شرائح لحم محشوة أرزا و لحما مفروما.
قال الهاشمي:
-شاطرة, والله شاطرة...إيه قولي,كيف دبّرت ثمن اللّحم؟
-بالكريدي...طلبت من الجزّار الحرايمي أن يسجل ثمنه دينا في كرّاسته كالعادة.
- ومن أين ستسدّدين كل هذه الديون المتراكمة؟
-يدبّرها ربّي...وإلّا فليصبر ككلّ الخلق, العطّار صابر, الخضّار صابر, بائع الحليب صابر, إن لم يصبر فكيف سنعيش؟
-والله كلامك صواب يا حفصية...عليهم أن يصبروا كما صبرنا.
ثمّ عادا إلى الضحك و الحبور...
غادر الهاشمي المطبخ، ثم توقف فجأة كأنه تذكر أمرا هاما و التفت إلى زوجته و قال:
- اسمعي...الجزار الحرايمي إذا ألح في طلب سداد الدين، اقصدي جزارا آخر.
- من غير ما توصيني يا هاشمي، أعرف، أعرف...
- أي واه...صحيت...هكاك..نحبك تفهميها و هي طايرة.
- نسيت أن أسألك يا هاشمي، ماذا قال لك مدير المصنع؟
ضحك الهاشمي ضحكة مرة وقال :
-المدير في اجتماع، انتظرته ساعتين و لم يخرج من مكتبه فغادرت المصنع و زرت أباك الحاج عمر...
بعد برهة دخل مراد وخميس وإسماعيل وقدور وسمير ورضا تباعا إلى البيت و كان الهاشمي ممددا على بساط قديم وسط الدار. نظر إلى أيديهم، كل واحد كان يحمل كيسا بلاستيكيا أسود و علامات الفخر بادية على وجوههم. ناداهم الهاشمي ليرى محتويات الأكياس، وبعد أن قلب النظر فيها قال :
- جيد...طماطم، فلفل، بصل، سلق، معدنوس... هذا ما نحتاجه فعلا . قال رضا وهو أكبر إخوته : لم نقدر على إحضار الغلال ، الصناديق محصنة، يحرسها أصحابها بعناية كبيرة، لم نستطع الاقتراب منها.
أجاب الهاشمي: أنا لم أطلب منكم السرقة، لا تحضروا إلا ما يتكرم به الفلاحون أو التجار، أما الاختلاس فلا.
أمن أطفاله على أقواله بتحريك رؤوسهم و هم يدركون أن أباهم لا يعني ما يقول و هو كذلك موقن أن أبناءه يفهمون أنه لا يعني ما يقول، وكأن بين الأب وأبنائه ميثاقا سريا مضمونه " اترك ما قلت لك وافعل ما تقدر عليه " ثم أطرق الهاشمي قليلا هامسا إلى نفسه " و من يقدر على الغلال؟ لا يقدر عليها إلا الكبار".
اتجه الأطفال إلى المطبخ، فاستقبلتهم حفصية بابتسامة عريضة، فأعطوها الأكياس مبتسمين و قال رضا : " هذا ما جاد به التجار والفلاحون " وغمز بطرف عينه لأمه فابتسمت حفصية لإشارته الساخرة قائلة:" يكثر خيرهم...مازال الخير في الناس..."
نادى الهاشمي أبناءه فهرعوا إليه مدركين سبب ندائه. وقفوا أمامه صفا واحدا وأخرج كل واحد ما حوت جيوبه من قطع نقدية متفاوتة القيمة، مد الهاشمي يده متفحصا وأخذ يخصم مبلغا من كل يد مبسوطة، كان يفعل ذلك وهو يتفحص الوجوه الواحد تلو الآخر مخمنا إحساس كل واحد منهم وخبيئة صدره، والويل لمن تظهر عليه علامات الاستياء أو الامتعاض.
و بعد هذه المحاسبة الدقيقة ينصرف الأطفال خارج البيت للهو حتى يحين موعد الغداء.
*****
في صباح يوم نهضت حفصية مكدرة وسبب كدرها أنها نسيت البارحة أن ترفع رأسها إلى السماء، إلى تلك الناحية حيث تعتقد أن الله يرقبها منها، وأن تطلب منه السماح، صحيح أن الله كافأها بيوم جديد و لكن هل غفر لها ما أسلفت؟ طردت كدرها بحركتها المعهودة وانشغلت بإعداد القهوة وتهيئة أبنائها للسعي في أرض الله.
نهض الهاشمي و شرب قهوته على عجل وأخبر زوجته أنه ذاهب لمساعدة صديق له في حراسة السيارات في أحد مواقف العربات، فأن يجني قليلا من المال أفضل من لا شيء.
أجابته حفصية :
-لا تنس أن تزور أبي...نحن في آخر الشهر، موعد تسديد الدين...أنسيت؟ -لا، لم أنس...سأزوره إن شاء الله
مرت ساعات الحراسة على الهاشمي ثقيلة، وكان يشعر بالحرج عندما يطلب معلوم الوقوف من أصحاب السيارات، إذ كانوا يظهرون امتعاضا كبيرا وهم يخرجون من جيوبهم تلك المبالغ الزهيدة...كان يتسلم النقود متحملا وخز تلك النظرات المقتحمة...يتسلم النقود لاعنا في سره الوقت و مدير الشركة الذي طرده و مدير المصنع الذي مازال في الاجتماع.
أكمل الهاشمي يوم عمله بصعوبة، وتذكر لقاءه المرتقب بالحاج عمر...قال في نفسه: ما حاجة الحاج عمر إلى مائة دينار؟ ولماذا لا يتنازل عنها ويعتبرها صدقة وهو ساق في البر وساق في القبر...ما أقسى الحياة! وما أقسى البشر! -يا حاج عمر، ما كان لله دام و اتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل
ظل الحاج عمر ساكتا مطرقا إلى الأرض يمرر يده اليمنى على ظهر اليد اليسرى ثم يده اليسرى على ظهر اليد اليمنى. أعاد الهاشمي كلامه رافعا صوته وهو يكاد يصرخ، هذه المرة
سمعه الحاج عمر، رفع رأسه ونظر إليه بعينين متقدتين قائلا :
-هل أحضرت الخمسين دينارا؟ -طبعا، يا حاج أحضرتها...لكن سأقترضها منك مرة أخرى
-أنت تمزح أم ماذا ؟
-لا أمزح، يا حاج عمر، المبلغ موجود وأنا أتيت في الموعد، لكني محتاج إلى المال، أمهلني يومين فحسب، مساعدتك لي ولابنتك ولأحفادك هي لله وما كان لله دام و اتصل..
ولم يكمل الهاشمي عبارته إذ قطع حديثه دخول ابنه قدور يجري لاهثا، نظر إليه الهاشمي حادسا هولا وقع و قال:
-ما الذي أتى بك؟ ماذا حدث؟ -الشرطة ألقت القبض على إخوتي في السوق، لقد سرقوا الغلال
-ياللمصيبة! كم نبهتهم ألا يقربوا الغلال!
غادر الهاشمي البيت يتبعه ابنه قدور، وبقي الحاج عمر مطرقا يمرر يده اليمنى على اليسرى و اليسرى على اليمنى يهمهم، مرددا بصوت خفيض قول الهاشمي " ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل".

تأليف: سالم المتهني( تونس )

23/12/2025

ضحكة الأستاذ (قصة قصيرة)

مرت ثلاثة أيام والأستاذ الكبير لم يدون شيئا على صفحته،عاوده العطش إلى إشعارات المعجبين الممجدة لبراعته في التحرير .لقد أصبح هذا المدح ضروريا لشعوره بالرضا وحافزا للاستمرار ،إدمانا لا فكاك منه.لكن القريحة لا تستجيب ،ماذا عساه أن يكتب؟
خط سطرا وبسط عجزه،وخاض في صعوبات الكتابة ،لكن سرعان ما مزق الورقة،إذ أحس أنه يشوه الصورة التي رسمها للقراء عن نفسه ،فهو فارس الكلم ،يطلب البلاغة فتطيعه،لا يجف مداد قلمه ولايخر جواد فصاحته.ضحك في سره من كذبه ثم سمح لضحكته أن تخرج من حنجرته واهنة،منكسرة،حاملة لمعاني السخرية والقهر والعجز،ثم خطرت له فكرة مجنونة" لماذا لا أدون الضحكة وأنشرها على صفحتي الخاصة ؟ هل سيفهمها المعجبون؟ هل سيدركون أنها تعبر عما أمر به من عقم
وعجز وانسداد سبيل ؟
".ههه.. هههه ...ههههه"
دون ضحكته في هاتفه المحمول،تردد قبل أن يضغط على زر الإرسال،لكن إبهامه كان يرى فانحنى وحسم تردده وضغط وسافر المنشور،سافرت الضحكة البلهاء.
قال في نفسه" ما هذه الحماقة التي ارتكبتها؟ أيعقل أن أنشر تدوينة لا معنى لها؟"
انتفض من مكانه،ترك الهاتف على الطاولة ،وأشاح بنظره بعيدا كأنه يبحث عما ينسيه وجود هذا الجهاز العجيب ،أشعل سيجارة،عب أنفاسا بعصبية،ذرع الغرفة جيئة وذهابا،لفظت السيجارة أنفاسها،أحس بلهيبها بين إصبعيه،سحقها في المنفضة بيد مرتعشة،أحس بنبضات قلبه تتسارع ،أصبح يتنفس بصعوبة ،هرع إلى الشرفة،سحب الهواء النقي،جرعات متتالية،بدأ يستعيد هدوءه تدريجيا،نظر إلى السيارات،إلى المارة،إلى الأشجار،إلى السماء،ثم عاد إلى الهاتف المحمول عازما فسخ المنشور،فتح الهاتف،وجد الإشعارات تتوالى بسرعة غريبة،قال في نفسه "فضحنا ورب الكعبة ،علي الآن أن أتحلى بالهدوء وأبحث عن مبرر مقنع لهذه الحماقة"
قلوب حمراء تتلاحق ،وأصابع زرقاء تتسابق،هدأ روعه
قليلا وشرع في قراءة التعليقات.
أحدهم كتب " ضحكة بليغة ،فعلا الأوضاع مضحكة وكما قال المتنبي: وماذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء
دمت مبدعا خلاقا أديبنا الفذ ."
أقنعه التعليق بالجلوس وتصفح بقية الإشعارات ، وأشعل سيجارة أخرى ليستمرئ ما يقرأ،فقرأ" ضحكة ذات دلالات عميقة في سياقها التاريخي،ظاهرها هزل وباطنها جد،وهي قائمة بنائيا على تدرج يحاكي الضحكةالواقعية،مساوقة لانفعال الذات،فمعلوم أن الضحك يقوى كلما استرسلنا فيه،وأنا أكاد أتخيل ما الذي أضحك أديبنا الكبير،وهوفعلا مضحك،وهذا دال على قدرته البارعة في اقتناص المشهد والتعبير عنه بعفوية مدهشة لا تتاح إلا للعظماء من الرجال"
رمى عقب السيجارة في المنفضة ونسي سحقه،فظل الدخان يتصاعد إلى وجهه بخورا يعطر انتشاءه بما قرأ
أخيرا الجميلة آمال لم تترك الفرصة تمر دون أن تكتب دراسة تحليلية،بدأتها بمقدمة عرفت فيها مفهوم. الضحك،وبينت أنه خاصية إنسانية بامتياز،وضمنت قولا مشهورا في الأدب الفرنسي:"le rire est le propre de l’homme"،
ورأت أن تدوينة الأستاذ ذات بنية محكمة ،قامت على ثلاث مراحل مختلفة في الطول والمدى ،معبرة عن حالة نفسية دقيقة،موسومة في طورها الأول بضغط البدايات ،ثم أتى الاسترسال تعبيرا عن الانعتاق والتحرر وإعلان المواجهة في وجه المضحوك منه،وهو تحد شجاع في وجه الرداءة ،أما الطور الثالث من النص فعبر عن خفوت في نبرة الصوت عبر عن الرضا بعد أن قهرت الذات خوفها بإطلاق هذه الضحكة المدوية.ثم مرت إلى عنصري الزمان والمكان وعلاقتهما بالضاحك والمضحوك منه،وانتهت إلى بيان الدلالات الاجتماعية والإنسانية للنص.
انحسرت ذؤابة دخان السيجارة ثم تلاشت .وضع الأستاذ هاتفه على الطاولة ونهض وهو يبتسم ،اتجه إلى الشرفةوهو يضحك في سره ،ثم سمح لضحكته أن تخرج من حنجرته متقطعة،أطل من الشرفة مصافحا الهواء النقي بوجهه،واسترسل في الضحك عاليا،ثم بدأت رؤوس أخرى تطل من بقية. الشرفات ،لم تستطع أن تكبت ضحكاتها من أستاذ يضحك.

تأليف : سالم المتهني ( تونس)

03/12/2025

لايلتقيان ( قصة قصيرة )

بوراوي و فطوم رجل وامرأة لا يلتقيان, مدينة واحدة تجمعهما, مقاه واحدة يرتادانها و مع ذلك لا يلتقيان, إن دخلت فطوم مقهى يكون بوراوي قد غادره منذ برهة.
فطوم إذا وقع نظرك عليها ينتابك شعور غامض فأنت لا تستطيع أن تستلطفها أو تشفق عليها رغم تقدمها في السن و لا تستطيع أن تبغضها أو تصرفها بقسوة إذا قصدتك طالبة صدقة, دبيبها اليومي بين طاولات المقاهي أًصبح مألوفا كدبيب شاحنة القمامة... فهي لما تيأس من إضجار رواد المقهى, تحتسي ما بقي في الفناجين من قهوة أو شاي أو عصير غلال, تفعل ذلك دون إحساس بمن حولها ثم تخرج كما دخلت, لا تكاد ترفع رأسها, تجر رجليها في ما يشبه النعل لم تتخذه إلا لتوهم بأنها لا تمشي حافية و يدها اليمنى في نصف انثناء, متأهبة لطلب حسنة.
بوراوي تراه دائما مسرعا و في بعض الأحيان يكاد يهرول, تحت إبطه قارورة مورناق أو خبزة أو قليل من الخضر, كامل اليوم يسعى بين المطاعم و الحانات و المقاهي, و في آخر المطاف يجب أن يوفر ما يأكل وما يشرب ليسكر.
لا يعربد ولكن شرب الخمر بالنسبة إليه لا يحتاج إلى مراسم أو حيطة, أي مكان صالح للجلوس و احتساء ما تيسر, الرصيف مثلا مكان مناسب... يجلس, يخرج من جيوبه زاده, بصلا,فلفلا,طماطم,خبزا... القارورة نصف امتلاء, لا يعب منها مباشرة بل يصب مقادير متتابعة في علبة من البلاستيك, يكون قد التقطها من أي مكان و غسلها بالماء, و يشرب ويأكل مغتبطا.
قبل هذه الجلسة التي تكون عند الغروب يجول بوراوي في المدينة عديد المرات, يدخل المقاهي ممسكا بيده اليسرى سرواله الموشك على النزول دائما و قد يقف برهة يعالج الحبل الذي يشد السروال إلي أعلى حزامه, فتحة السروال بلا أزرار و لكنه يعرف كيف يستر نفسه. يدخل المقهى و يقترب من كل جالس و يطلب بعينين ضاحكتين و ثغر باسم مقدارا محددا من المال لا يزيد عليه و لا ينقص منه, مائة مليم, و مهما كان رد السامع فهو لا يطيل المكث و ينتقل إلى آخر ثم يخرج كما دخل متثبتا من ثبوت السروال, يلتفت يمنة و يسرة عله يلتقط نظرة من جالس فيكون ذلك مدخلا لطلب المئة .
مشاكسات رواد المقهى ألفها بوراوي و لا يتفاعل معها إلا في حالات قليلة و نادرة و مع ذلك يظل ما يرد به في تلك الفرص النادرة موضوع تندر و تفكه للجالسين أياما عديدة حتى ينطق مرة أخرى.
و أطرف ما قال بوراوي كان لما قصد أحد الجالسين و طلب منه المئة.
- بوراوي, لن أعطيك مئة مليم إلا عندما تجيب عن هذا السؤال.
هز بوراوي رأسه بالقبول و يده لا تزال ممدودة.
-أين قلب المدينة؟
أجابه بوراوي
-ليتها تقلب...
-قلب الله رأسك... أنا قصدت وسطها...
أدار بوراوي بصره في كل الجهات يبحث عن وسط المدينة أو قلبها ثم قال
-هذه المدينة لا قلب لها
-عيب يا بوراوي, عيب ما تقول, بل قلب مدينتنا أوضح من قلوب المدن الأخرى.
كانت المدينة محاطة بالجبال من كل الجهات و منخفضة و المتجول في شوارعها لا يكون إلا صاعدا أو نازلا و كان وسطها النقطة التي تلتقي فيها كل المنحدرات و المتجول فيها لا يصل إلى مركزها بيسر إذ أن وسطها هو المكان الوحيد الذي تنبسط فيه الأرض و يسهل المشي فيه.
-بوراوي أنت تتظاهر بالغباء... ماذا تعني بقولك ليتها تقلب؟
-ألا ترى أن المدينة بجبالها و انحداراتها قد اتخذت شكل القمع فإذا نحن في باطن الأرض و لسنا على سطحها, فلو قلبت لأصبحت الجبال تحت و ما انبسط من الأرض فوق ,ولا تخذت المدينة شكل الهرم و لأًصبح الهواء أنقى و النهار أوضح.
تعالت الضحكات لكلام بوراوي و البعض بقي مشدوها للصورة الخيالية التي رسمها للمدينة.
غادر بوراوي المقهى و هدأت فورة الضحك و عاد رواد المقهى إلى لعبهم و هذرهم و حديثهم عن توتر العلاقات السياسية بين تونس و جارتها ليبيا و احتد النقاش حول موجبات الوحدة و مبطلاتها.
قال أحدهم :لو اتحدت تونس و ليبيا لعم الرخاء و خرجنا من هذا البؤس و لتحقق تكامل منقطع النظير فليبيا غنية و تفتقر للخبرات و المهارات و نحن فقراء و نملك المهارات في جميع المجالات...
أجابه صديقه :لكن تحت أي نظام سياسي نتحد؟ و من سيحكم؟ القذافي أم بورقيبة؟
أجاب آخر: بورقيبة و القذافي لا يلتقيان أبدا!
في هدأة ليلة من ليالي جانفي الباردة, المدينة نائمة و سكون جنائزي يخيم على شوارعها, كان بوراوي يمشي بخطى بطيئة, يتوقف من حين إلى آخر يتأمل شيئا ملقى على الأرض, يتثبت عله يجد ما ينفع, يلتقط ما يظنه نافعا ثم يرميه بعيدا. مازال بوراوي يمشي بخطى بطيئة حتى رأى فطوم جالسة على عتبة محل مغلق ملتصقة بركن الباب و قد التفت بشال قديم و ضمت يديها إلى صدرها و أعلى كتفيها و كأنها تحتضن نفسها, تحاول أن تتوقى لسعات البرد القاسية. اقترب منها بوراوي و دون استئذان, قرفص بجانبها, لم تتكلم فطوم كأنها لا تعترض على دنوه منها .
أدخل بوراوي يده إلى جيب سترته الداخلي و أخرج قطعة خبز, قسمها نصفين و ناول فطوم نصفا, أخذته منه بيد مرتعشة, أخذا يلوكان الخبز بفكوك مهدمة ثم فجأة توقف بوراوي عن تحريك فكيه ثم قال
-ألا تسمعين ما أسمع؟
-لا أسمع شيئا
-دوي طلق ناري... ألا تسمعين ؟؟
-ربما يصطادون الكلاب السائبة...
-لا... هذا طلق مختلف... إنه مسترسل.
-...صحيح بدأت أسمع الصوت بوضوح.
-يبدو أن الأجوار قد بدأوا هجومهم...
لم تعلق فطوم على كلام بوراوي الأخير و كأنها فهمته.
ثم عادا يلوكان الخبز في صمت و أزيز الرصاص يزداد قوة
ويزداد اقترابا.

تأليف: سالم المتهني( تونس )

جاد    شريط سينمائي جادجاد شريط سينمائي جاد. وجريئ.اختار المخرج جميل النجار اسم الطبيب التونسي جادالهنشيري عنوانا للشريط...
26/10/2025

جاد شريط سينمائي جاد

جاد شريط سينمائي جاد. وجريئ.
اختار المخرج جميل النجار اسم الطبيب التونسي جادالهنشيري عنوانا للشريط تكريما لروح الفقيد الذي كان مثالا للطبيب الشريف المحب لمهنته والقريب من أبناء الشعب والفاضح للفساد في الصحة العمومية والحالم بالعدالة الاجتماعية والمؤمن بمبادئ حقوق الإنسان وحق كل مواطن تونسي في العلاج.
والمخرج جميل النجار كان جادا إذ عالج أوضاع الصحة العمومية في بلادنا وكشف ما ينخرها من فساد يوشك أن يقوض هذا المرفق العمومي رغم ما يزخر به من كفاءات علمية نفخر بها محليا وعالميا.
يبدأ الشريط بحادث مرور وينتهي بدفن الميت في المقبرة وقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة.
بعد حادث المرور يقدم المخرج مشهدا علويا بديعا لغابة كثيفة الأشجار وطريق ممتدة تخترقها، متعة للناظرين، فنحن في عمق الحياة والأفق واسع رحيب. وينتهي الشريط بمشهد المقبرة بلقطة انسحاب جوي، نبتعد فيها تدريجيا عن المقبرة لنرى ما جاورها من مساكن وأشجار وطرقات. فالموت لا يظل مسيطرا بل يخف الإحساس به تدريجيا لتستأنف الحياة من جديد.
لكن المنظور من هذه الزاوية ليس مجرد دعوة إلى التفاؤل بل دعوة إلى توسيع مجال الرؤية وعدم النظر إلى مشاكلنا في حدودها الضيقة، فالشجرة لا يجب أن تصرف أذهاننا عن رؤية الغابة.
وما بين البداية والنهاية رحلة الجحيم في المستشفى العمومي " الرحمة" الذي كان فضاء للقسوة واللامبالاة والفوضى والإهمال والعبث بأرواح الخلق والابتزاز والرشوة والسرقة وكل ما يتداول عن أوضاع المستشفيات العمومية
أما القصة فهي حكاية عائلتين، الأولى غنية بطلها الممثل محمد مراد الذي جسد دور أخي المصاب في حادث مرور، والثانية فقيرة بطلتها الممثلة ياسمين الديماسي التي جسدت دور أخت المصاب وهو عامل في حظيرة بناء.
ولسرد وقائع سعي كل عائلة لإنقاذ مصابها كان لزاما أن يختار المخرج نسق التوازي، أي أن يسرد الأحداث بصريا بصورة متوازية وفق تراتبية زمنية، فنتابع الحكايتين بالتناوب. وبما أن المكان يجمع العائلتين ظرفيا، حدث التواصل بينهما، وهو تواصل إنساني جميل، بدأ بجرعة ماء وانتهى بمساعدة مالية حتى تتمكن العائلة من استئجار بيت يؤويها إذ كانت تقريبا بلا مأوى، ولأن المساعدة مرت عن طريق الممرض الفاسد " المنصف" فلم يصل منها إلا النزر القليل، وأجهضت فكرة استئجار بيت. وبقوة المال استطاعت العائلة الغنية زيارة الابن المصاب في غرفة الإنعاش ومكنت العائلة الفقيرة من هذا الامتياز
لم تنجح العائلة الغنية في إخراج ابنها من المستشفى العمومي ونقله إلى مصحة خاصة لخطورة وضعه الصحي، ولم يكن بالإمكان إيواؤه منذ وقوع الحادث في مصحة خاصة لأن إسعاف الحماية المدنية لا ينقل المصابين إلا إلى المستشفى العمومي، فتساوى وضعها مع وضع العائلة الفقيرة، وكان المصير واحدا، موت ابن العائلة الغنية وابن العائلة الفقيرة. فنتائج إهمال المرفق العمومي وخيمة على كل المواطنين بقطع النظر عن انتمائهم الطبقي.
ومن المفارقات التى عالجها الشريط بمهارة أن الطبيب الجراح، رئيس قسم الإنعاش الذي جسد دوره الممثل جمال ساسي كان يتهيأ لإجراء عملية جراحية دقيقة لمريض، تعد إنجازا متقدما في المجال الطبي، وحظيت بتغطية إعلامية لأهميتها، ونجاحها يعد فخرا للدولة وفي المقابل يفشل الطبيب نفسه في تأمين سلامة المرضى في غرفة الإنعاش، فتعبث الفيروسات بالغرفة وتتسبب في
هلاك المرضى
هكذا يصبح المجد الفردي أهم من الصحة العامة ويصبح التفاخر بأطباء أكفاء أهم من تقديم خدمات صحية لائقة لكل المواطنين.

من أجمل اللقطات في الشريط اللقطة العمودية من فوق للممثل محمد مراد وهي لقطة توحي بالعزلة والعجز والحيرة، وأراها لقطة مناسبة لكل مواطن يقف حائرا أمام معضلات حياته اليومية، سواء في مجال الصحة أو التعليم أو النقل أو في الهواء الذي يتنفسه.
شريط سينمائي رائع سردا وإخراجا وتمثيلا

تأليف: سالم المتهني ( تونس)

Address

11Rue 2154
Sfax
3052

Telephone

97359192

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Adab posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to Adab:

Shortcuts

Share

Category