03/06/2026
أيُّ الجيلين أسعد؟ بين نساء الأمس ونساء اليوم
يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح: من كان الأسعد؟ جيل أمهاتنا أم جيلنا نحن كنساء اليوم؟
ليس الهدف إصدار حكم نهائي، بل محاولة استعادة صورة حياةٍ كاملة بكل تفاصيلها، كما عشناها أو سمعناها من أمهاتنا رحمهن الله.
أتذكر جيدًا ملامح حياة والدتي، وكيف كانت تبدأ يومها قبل بزوغ الصباح. كانت تنهض باكرًا، تهتم بنظافتها الشخصية، تغتسل، ترتب شعرها، وتعتني ببيتها كأنها تدخل إليه لأول مرة كل يوم. كانت تصلي الفجر، ثم تنام قليلا ثم تستقظ لتعود إلى غرفتها، ترتبها بعناية، كأنها عروس تعيد ترتيب بيتها من جديد. الفراش يُفرش بدقة، الوسائد تُصفّ، والغطاء يُبدل . ثم تبدأ رحلة اليوم الطويلة داخل البيت: فطور الزوج قبل خروجه، ثم إعداد الغداء الذي كان يجهز غالبًا في وقت مبكر من النهار.
لم تكن مهامها تتوقف هنا؛ غسيل، ترتيب، تنظيف، إعادة تنظيم المؤونة، تفريغ الزجاجات، إعادة ملئها، كيّ الثياب، ترتيب الخزائن، وكأن البيت مشروع لا ينتهي من العناية والاهتمام.
وفي المساء، قهوة العائلة “بالسفنج” أو الفطائر، .. الخ ثم العشاء الذي يجب أن يكون جاهزًا قبل الثامنة. وعندما يعود الأب، يكون البيت في كامل نظامه، والطعام حاضرًا، والصمت حاضرًا أيضًا، في جوٍّ فيه وقارٌ خاص، حيث لا يُرفع الصوت كثيرًا ولا يُكسر نظام الجلسة.
خاصة اثناء أخبار الثامنة ، يُعاد تنظيم اليوم من جديد: النوم مباشرة بعد نوم رب البيت الذي تلحقه ربة البيت احتراما له و طاعة ، الاستيقاظ، البرمجة اليومية الدقيقة التي لا تترك فراغًا كبيرًا للفوضى أو العشوائية. كانت حياة لها إيقاع ثابت، صارم أحيانًا، لكنه منظم إلى درجة لافتة.
حين أعود إلى تلك الذكريات، أجد نفسي أمام سؤال معقد: هل كان ذلك الجيل أسعد؟
ربما كانت الإجابة ليست بسيطة. ذلك الجيل كان يعيش في نظام واضح، أدوار محددة، واستقرار عائلي له قوانينه الصارمة. كانت الزوجة فيه أحيانًا كل شيء: الأم، الزوجة، العاملة داخل البيت، الصديقة، السند، وحتى مساحة الصبر الطويل.
لكن في المقابل، هل كانت تملك مساحة الاختيار والحرية التي نعرفها اليوم؟ وهل كان ذلك النظام يمنحها سعادة أم مجرد استقرار مفروض؟
نحن اليوم نعيش زمنًا مختلفًا: حرية أكبر، خيارات أكثر، وإيقاع حياة أسرع، لكن في المقابل، ضجيج أكبر، وتشتت أكثر، وضغوط متعددة تجعلنا أحيانًا نفقد ذلك “السكينة” التي كانت جزءًا من بساطة ذلك الزمن.
ولعل الحقيقة أن السعادة ليست في جيل دون آخر، بل في معنى أعمق من ذلك كله: في قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾
فـ“قرة العين” ليست في كثرة العمل أو قلته، ولا في صرامة النظام أو حرية الاختيار، بل في ذلك الشعور العميق بالطمأنينة داخل البيت، حيث يصبح الآخرون مصدر سكينة لا مصدر تعب، ومصدر رحمة لا صراع.
ربما لم يكن السؤال يومًا: من الأسعد؟
بل: كيف نصنع نحن سعادةً حقيقية تشبه “قرة العين” التي دعا بها الصالحون عبر الأجيال.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
03/06/2026
أمةٌ تُبارك كثيرًا... وتُنجز قليلًا!
لسنا ضد التهاني ولا ضد تبادل مشاعر المودة بين الناس، فهذه من أجمل القيم الإنسانية. لكن ما يثير الاستغراب هو حجم الوقت الذي أصبح يُستهلك في التهاني المكررة.
قبل رمضان بأسابيع تبدأ الرسائل: "رمضان كريم". ثم طوال الشهر تتواصل الصور والتصاميم والبطاقات نفسها. وقبل العيد بأيام تبدأ موجة جديدة: "عيد سعيد"، ثم تستمر أيامًا وأسابيع بعد العيد. وما إن تنتهي حتى تبدأ الاستعدادات لعيد آخر، فنعود إلى الدائرة نفسها.
أحيانًا تصلك من الشخص نفسه أربع أو خمس رسائل متشابهة في اليوم، كلها صور وملصقات وإعادات مشاركة. ساعات طويلة من التبادل المتكرر، مقابل دقائق قليلة فقط للحوار الجاد أو تبادل المعرفة أو طرح الأفكار أو إنجاز الأعمال.
التهنئة الجميلة تكفيها رسالة صادقة واحدة. أما أن يتحول جزء كبير من وقتنا إلى إعادة إرسال الصور والبطاقات نفسها، فهنا يحق لنا أن نتساءل: متى نقرأ؟ متى نفكر؟ متى ننتج؟ ومتى نبني؟
الأمم لا تتقدم بكثرة الصور والورود والقلوب المتبادلة على الشاشات، بل تتقدم بالعلم والعمل والإبداع واحترام الوقت.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
02/06/2026
بيان توضيحي وحق رد بشأن ما نشرته منصة “Algérie Patriotique” بفرنسا بتاريخ 29 ماي 2026 بشأن قائمة الحزب في فرنسا المنطقة الجغرافية الثالثة.
---------------
على إثر ما نشرته المنصة الإعلامية "Algérie Patriotique" بشأن قائمة حزب العدل والبيان في المنطقة الجغرافية الثالثة بفرنسا، وما ورد فيه من ادعاءات وتأويلات، يهمنا توضيح ما يلي:
أولاً: يؤكد حزب العدل والبيان أنه حزب سياسي وطني يفتح أبوابه أمام جميع الكفاءات الجزائرية داخل الوطن وخارجه، وفق الشروط القانونية المعمول بها، دون تمييز أو إقصاء، وأنه لا يملك أي صلاحية للاطلاع على الملفات الأمنية أو القضائية للمترشحين، باعتبارها من الاختصاص الحصري للجهات الرسمية المختصة.
ثانياً: إن ما يُتداول بخصوص السيد الدكتور حسين درويش، سواء من ادعاءات أو مزاعم، يبقى شأناً لا علاقة للحزب به، ولا يدخل ضمن صلاحياته، وهو من اختصاص المعني بالأمر والجهات المختصة وحدها.
ثالثاً: يوضح الحزب أن قرار رفض قائمة المنطقة الجغرافية الثالثة بفرنسا لم يتضمن إطلاقاً أي إشارة إلى السيد حسين درويش، ولم يذكر أي تحفظ أمني أو قضائي يتعلق بأي عضو من أعضاء القائمة، وإنما حصر سبب الرفض في عدم استيفاء شرط التمثيل المتعلق بالمترشحين الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة، وفق ما ينص عليه القانون.
رابعاً: بعد إشعارنا بهذا القرار، تم إعداد ملف استخلاف قانوني كامل لمترشح يبلغ من العمر 34 سنة ويستوفي الشروط المطلوبة، غير أننا لم نتمكن من إيداع ملف الاستخلاف، ولم تُمنح لنا الفرصة القانونية لتصحيح الوضعية، ليتم رفض القائمة كاملة وإحالتنا إلى مسار الطعن أمام المحكمة الإدارية.
خامساً: تؤكد رئيسة الحزب أنها تواصلت مع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات للاستفسار حول ما إذا كانت هناك أي تحفظات أمنية أو قانونية تخص أحد أعضاء القائمة، إلا أنه لم يتم تبليغ الحزب بأي تحفظ من هذا النوع، وتم الاكتفاء بالإشارة إلى سبب واحد وهو عدم استيفاء شرط السن.
وعليه، فإن حزب العدل والبيان يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ضرورة اعتماد الشفافية الكاملة في تبليغ أسباب رفض الملفات، تفادياً لأي لبس أو تأويل، مع تأكيده التام على احترامه لمؤسسات الدولة وقراراتها، واستعداده الكامل للامتثال لأي قرار قانوني أو أمني يصدر عن الجهات المختصة.
كما يؤكد الحزب أنه سيتابع هذا الملف وفق الأطر القانونية المعمول بها، مع نشر الوثائق الرسمية المتعلقة برفض القائمة، ضماناً لحق الرأي العام في الاطلاع على الحقيقة كما وردت في القرارات الرسمية.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
02/06/2026
يواصل حزب العدل والبيان الدفاع عن حق قائمته الانتخابية بالمنطقة الجغرافية الثالثة (جنوب فرنسا)، بعد أن رفضت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ملف القائمة بسبب رفض إحدى المترشحات، دون تمكين القائمة من الاستفادة من أحكام البيان رقم 23 المتعلقة بالاستخلاف واستبدال المترشح المرفوض كباقي الأحزاب و القوائم.
وعقب هذا القرار، قامت القائمة بإرسال ملف الاستخلاف عبر البريد السريع ضمن الآجال القانونية، كما لجأت إلى القضاء الإداري للطعن في القرار. ورغم رفض الطعن على مستوى المحكمة الإدارية، يواصل الحزب مساره القانوني دفاعًا عن حقوق مترشحيه وناخبيه.
وفي هذا الإطار، يتوجه اليوم محامي حزب العدل والبيان الخاص بقائمة جنوب فرنسا إلى المحكمة الإدارية للاستئناف ومواصلة الإجراءات القانونية، إيمانًا بضرورة احترام مبدأ المساواة بين القوائم الانتخابية وضمان حقها في استكمال ملفاتها وفقًا للنصوص والتنظيمات المعمول بها.
ويبقى الحزب متمسكًا بحقوقه القانونية ومؤمنًا بأن الاحتكام إلى القضاء هو السبيل الحضاري لحماية الإرادة الديمقراطية وصون دولة القانون.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
02/06/2026
"ضحّينا بالمكاسب من أجلهم... ففرّطوا فينا من أجل السراب"
هناك لحظات في الحياة يكتشف فيها الإنسان أن أصعب الخيبات ليست تلك التي تأتي من الخصوم، بل تلك التي تأتي ممن ظنّ أنهم رفاق الدرب وأصحاب القضية.
لقد ضحّينا بما كان في أيدينا من مكاسب ومناصب وامتيازات، لا سعياً وراء مصلحة شخصية، بل إيماناً بكرامة شعب وقيمة أمة ومستقبل أفضل للجميع. اخترنا الطريق الأصعب لأننا اعتقدنا أن المبادئ أغلى من المناصب، وأن الوفاء للقضية أهم من المكاسب الزائلة.
لكن المؤلم أن نصطدم بمن ضحّينا من أجلهم وهم يفرّطون فينا من أجل سراب، ومن أجل وعود لم تتحقق بعد، ومكاسب لم تصل بعد إلى أيديهم.
فإذا كان البعض مستعداً للتخلي عن رفاقه من أجل شيء لا يزال مجرد احتمال، فكيف سيكون الحال عندما تتحول تلك الاحتمالات إلى مناصب ومصالح وامتيازات حقيقية؟
لقد تعلّمنا درساً قاسياً: ليس كل من يتحدث عن المبادئ يؤمن بها، وليس كل من يسير معك في الطريق مستعداً للبقاء عندما ترتفع كلفة الوفاء.
ومع ذلك، سنبقى أوفياء لما آمنا به، لأن القيم لا تُقاس بعدد من تمسكوا بنا، بل بقدرتنا على التمسك بها عندما يتخلى عنها الآخرون.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
01/06/2026
"فاصل مع مدرسة أمي ثم نواصل"
كانت الوالدة رحمها الله مدرسة و كانت تروي لنا قصص و حكايات مملوءة بالحكم و المواعظ كأسلوب من أساليب التربية و من بينها حكاية:
"شي ما هو شي"
كانت أمي رحمها الله تحكيلنا هذي الحكاية باش تعلمنا ما نهضروش بزاف وما ندخلوش رواحنا فيما لا يعنينا.
تقول رحمها :
" على هوش ما هوشي. قد من دبوزو وغدى يمشي، لقى الصيادة قالهم : تحكموشي ..!
حكموه اعطاوه طريحة وقالولو: — علاش ما تقولش: بالستات وبالسبعات؟
حفظها ومشى.
شوية لقدّام لقى ناس هازين جنازة.
قالهم: — ياو بالستات وبالسبعات!
حكمو عطاوه طريحة وقالولو: — وعلاه ما تقولش ..؟ : عظّمنا لكم الأجر فيما قدّر الله.
حفظها ومشى.
لقى ناس مديين عروسة.
قالهم: — عظّمنا لكم لأجركم فيما قدّر الله!
حكمو عطاوه طريحة وقالولو: — و علاه ما تقولش ..؟ : مسعودة ومربوحة و يا كثيرة لوليدات.
حفظها ومشى.
ومن بعد لقى راجل ولدت عندو الكلبة.
قاله: — مسعودة ومربوحة و يا كثيرة لوليدات!
حكمو عطاه طريحة وقاله: — وعلاش ما تقولش : سباحة ونباحة وتلاقي الخيّان للساحة.
حفظها ومشى.
لقى راجل ولدت عندو البقرة.
قاله: — سباحة ونباحة وتلاقي الخيّان للساحة!
حكمو عطاه طريحة وقاله: — هذي بقرة ماشي كلبة! قول: بسباها بلباها على شوارب مولاها.
حفظها ومشى.
لقى واحد مريض بالإسهال.
قاله: — بسباها و بلباها لا شوارب مولاها!
حكمو عطاه طريحة وقاله: — وعلاش ما تقولش: يتحتحت و يتفتفت و يطايرو به لرياح ..؟!
حفظها ومشى.
لقى واحد يغرس البصل.
قاله: — يتحتحت و يتفتفت و يطايرو به لرياح ..؟!
حفظها ومشى.
لقى واحد يغرس البصل.
قاله: — يتحتحت ويتفتفت ويطيرو بيه الرياح!
حكمو عطاه طريحة وقاله: — و علاه ما تقولش ..؟! حنصل بنصل تعود الجذرة قد العنصل
حفظها ومشى.
لقى واحد مريض بالجذري.
قاله: — حنصل بنصل تعود الجذرة قدّ العنصل!
حكمو اعطاه طريحة حتى قتلوه."
وتقول أمي رحمها الله بعد ما تكمل الحكاية:
"شفتو؟ اللي يطلق لسانو في كل مقام، ويهدر بلا ما يفهم وبلا ما يعرف واش راهو يقول، يجيب المصايب لروحو. الكلمة لازمها عقل قبل ما تخرج من الفم."
رحم الله أمهاتنا، فقد كانت حكاية بسيطة، لكنها تحمل درسًا كبيرًا: اعرف متى تتكلم، وماذا تقول، ولمن تقول.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
31/05/2026
."لم يقتله حكم الإعدام... بل قتله خبر الأشجار"
هناك أسئلة تبقى عالقة في القلب سنوات طويلة ولا نجد لها جوابًا.
من أكثر الأسئلة التي حيّرتني في شبابي: كيف يمكن لمن يرفع شعار الإسلام ويُكثر من التكبير أن يحكم بالإعدام على مجاهدين حملوا السلاح دفاعًا عن الوطن، وهم أيضًا كانوا يكبرون باسم الله؟
خلال سنوات المأساة الوطنية، كان والدي المجاهد الطاهر لغليمي رحمه الله من الذين صدرت في حقهم أحكام بالإعدام من طرف الجماعات الإرهابية المسلحة. فحُرم من التنقل بحرية إلى منطقته بولاية جيجل، حيث أرضه الواسعة التي ارتبط بها منذ شبابه.
لم يكن أبي فلاحًا، بل كان رجل دولة وصاحب بدلة رسمية وهيبة معروفة بين الناس، لكنه ظل وفيًا لأرضه مهما كانت مسؤولياته. كان يعشقها ويعتبرها جزءًا من تاريخه وذكرياته. وفيها أشجار زيتون وتفاح ورمان عتيقة، بعضها يعود إلى ما قبل الثورة التحريرية، وقد حافظ عليها ورعاها وجدد غرسها جيلاً بعد جيل.
كان يزورها كلما استطاع، ويتفقد أشجارها بعناية ومحبة، وكأنها أفراد من عائلته. لكن الإرهاب حرمه من الوصول إليها سنوات طويلة، ثم جاءه الخبر الذي كسر قلبه: بعض الأقارب استغلوا غيابه القسري، فقطعوا جزءًا من الأشجار المثمرة وبنوا في الأرض.
لم تكن تلك الأشجار مجرد أشجار بالنسبة إليه، بل كانت ذاكرة عمر كامل، ورفيقة سنوات من الكفاح والعمل والأمل. وعندما بلغه الخبر كانت الصدمة أكبر من أن يحتملها قلبه، فأصيب بسكتة دماغية أقعدته، وبقي يعاني آثارها حتى وفاته سنة 2006.
رحم الله أبي، ورحم كل المجاهدين الذين ضحوا من أجل الجزائر، ثم وجد بعضهم في آخر العمر أنفسهم يواجهون ظلم الإرهاب أو جحود الأقارب أو قسوة النسيان.
فبعض الجراح لا تصنعها الحروب وحدها، بل تصنعها أيضًا خيبات البشر حين يخذلون من أحسن إليهم.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان
31/05/2026
أبي... ماذا فعلت بي؟
أبي المجاهد الطاهر لغليمي، رحمه الله...
غادرتنا سنة 2006 عن عمر ناهز السادسة والثمانين، بعد حياة طويلة قضيتها مجاهداً في سبيل الجزائر. حملت السلاح في وجه المستعمر، ورصدت طائراته، فاسقطتها ، وفجّرت جسوره وقوافله، وسرت في دروب الثورة مؤمناً بأن الوطن يستحق التضحية.
ولدتُ في أسرة ثورية حقيقية؛ أبي مجاهد، وأمي مجاهدة، وأعمامي وأبناء عمومة أبي مجاهدون، وعماتي مجاهدات. كبرنا ونحن نتغذى على حب الجزائر كما نتغذى على الخبز والماء. كانت أمي تروي لنا قصص الثورة، وتحدثنا عن القصف والخوف والجوع والشهداء، و ما فعل بهم الحركى و القومية ..!! وعن المجاهد الذي أنقذته وهي تخاطر بحياتها تحت نيران الطائرات حتى أوصلته إلى رفاقه.
كبرت أجسادنا وكبر معها حب الوطن في قلوبنا.
في المدرسة تعلمنا تاريخ الثورة، وفي الإعلام كنا نسمع أمجادها، وفي بيوتنا كانت بطولات الشهداء والمجاهدين جزءاً من حديثنا اليومي. ثم ربّينا أبناءنا على القيم نفسها، وعلى الوفاء للجزائر ولمبادئ أول نوفمبر.
وعندما دخلنا معترك السياسة، دخلناه ونحن نفتخر بانتمائنا إلى هذه الأسرة الثورية. كنا نقول بكل اعتزاز: نحن أبناء المجاهدين، أبناء الثورة، أبناء الذين قهروا الاستعمار وصنعوا الاستقلال.
لكننا لم نكن ندرك أن هذا الاعتزاز نفسه كان يثير حقداً دفيناً لدى بعض من لا يريدون لهذه الذاكرة أن تبقى حيّة.
في البداية كانت مجرد تصرفات متفرقة، ثم بدأت تتكرر وتتراكم، حتى بدت وكأنها منظومة كاملة تعمل في الظل. أشخاص يلبسون قناع الوطنية، لكنهم يعادون كل ما يرمز إلى الثورة وتاريخها وقيمها. أشخاص يتسللون إلى المؤسسات والإدارات، فيهمشون الوطنيين ويضيّقون على أبناء الأسر الثورية.
كان من الصعب علينا أن نصدق أن في الجزائر المستقلة من يحمل عداءً لكل ما يمثله تاريخها المجيد. لكن السنوات كشفت لنا حقائق موجعة، وجعلتنا نفهم أن هناك من لا يزال يحارب الوطن من الداخل، ويتربص بكل من يتمسك بثوابته وهويته وتاريخه.
واليوم، وبعد كل ما عشته، أقف أمام ذكراك وأسألك:
أبي... ماذا فعلت بي؟
أكنتَ تعلم أن فرنسا التي حاربتها بالسلاح ستنتقم مني بوجوه أخرى؟
أكنتَ تعلم أن أبناء المجاهدين سيجدون أنفسهم أحياناً مضطرين للدفاع عن التاريخ نفسه الذي ضحّيتم من أجله ، و يضطهدون؟
أبي...
أنت جاهدت فرنسا في الجبال والوديان.
أما نحن، فنجد أنفسنا أحياناً نجاهد آثارها وأدواتها وأفكارها التي بقيت تتسلل بين الجدران.
ومع ذلك، لا نندم.
فكما لم تتراجع أنت عن طريقك، لن نتراجع نحن عن طريقنا.
سنبقى أوفياء للجزائر التي أحببتها، وللثورة التي آمنت بها، وللشهداء الذين صنعوا هذا الوطن.
وسيبقى اسمك، واسم كل المجاهدين الصادقين، أكبر من كل حملات التهميش والنسيان.
رحمك الله يا أبي...
ورحم جيلاً كتب بدمه قصة وطن.
السيدة نعيمة لغليمي رئيسة حزب العدل و البيان