19/10/2026
مهاجر الأمس ومهاجر اليوم : انقلاب في المفاهيم والوجهات
مرت منذ يومين الذكرى السنوية للمهاجر ( 17 أكتوبر من كل عام ) و بهده المناسبة ارتأينا أن نساهم عبر هذا المقال في إعطاء نبذة لشبابنا عن الهجرة بين الماضي و الحاضر و مقارنة الحياة للمهاجرين من قريتنا بين الأمس و اليوم ....ماض يمتد من السنوات الأولى للاستقلال حتى نهاية الثمانينيات و حاضر يمتد من تلك الفترة إلى يومنا هذا.
كانت ظاهرة الهجرة في قريتنا قليلة بالمقارنة مع المدن والقرى المجاورة كبوقادير , عين مران , أولاد ابن عبد القادر .. الخ. و ذلك لأنها كانت توفر فرص عمل لسكانها على عكس بقية البلديات الأخرى .
لقد كانت الأرض بحقولها ومحيطها الزراعي تحتضن أبناءها وتغنيهم عن شد رحال الاغتراب، سواء نحو الداخل أو الخارج ..بل إن المشهد كان مقلوباً.. فمن ضاقت به السبل في المناطق الأخرى كان يقصد واحتنا ليستظل بفيئها و فيصبح عاملاً مستقراً يضرب فيها أطناباً دائمة.
كان مهاجرو الأمس يواجهون اغتراباً قاسياً و كانت الغربة شبحا مخيفا إذ لم يكن لديهم الوسائل والإمكانيات اللازمة لتخفف عنهم العبء فالمستوى الدراسي لديهم منعدم مما يجعل فرص العمل تنحصر في الأشغال الشاقة مثل العمل في المناجم أو الحفر في الطرقات و ما شابه ذلك ....و عند العودة إلى الفضاء الذين يسكنون فيه سواء غرفة في مرقد أو فندق متواضع يجد نفسه مضطرا لتحضير العشاء عوض اللجوء للراحة ...أضف إلى ذلك صمت رهيب يحفه من كل جانب فحتى الرسائل حينها كانت تستغرق أسابيع لتصل ، مما كان يجعل الشعور بالشوق والانفصال عن الأهل والوطن جرحاً عميقاً وثابتاً.
لقد تحمل مهاجرو الأمس ضغوطاً مادية ونفسية هائلة لتأسيس الذات في بيئة غريبة تماماً وكان نجاحهم يقاس بقدرتهم على الصمود بصمت وإرسال الحوالات (les mandats)لإعالة العائلة الكبيرة في الوطن.
أما من الجانب الوجداني فظل ارتباطهم بالقرية مقدساً وكأنهم يعيشون بأجسادهم هناك وأرواحهم معلقة بتراب الوطن وكانت العودة هي الهدف الأسمى الذي يختزل كل معاناتهم.
في السابق لم تكن البوصلة حينها تحيد عن فرنسا و ذلك لعدة أسباب موضوعية منها تواجد الأهل والأقارب الذين كانوا يمدون جسور الألفة و منها عامل اللغة الفرنسية المألوفة للأسماع والألسنة جراء الاستعمار....فما كنا نسمع ببلدٍ غريبٍ قط سوى فرنسا. أما اليوم بسط شباب قريتنا أجنحتهم ليطيروا إلى شتى القارات فهم متواجدون في كل القارات تقريبا و ذلك لعدة أسباب موضوعية أيضا منها روح المغامرة التي أصبحوا يتحلون بها وعامل اللغة فالتعليم مكنهم من استعمال لغة عالمية غير الفرنسية ألا و هي الانجليزية التي سهلت لهم الأمور في ربط علاقات مع جميع دول العالم عبر وسائل الاتصال الحديثة من ''ماسنجر...سكايب ...واتساب ....الخ.
وصارت بصماتهم ممتدة في أطراف المعمورة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى كندا , المكسيك , الأرجنتين , اسبانيا , ألمانيا , ايطاليا , انجلترا , يوغسلافيا , اليونان و تركيا , هولندا..الإمارات,قطر، البحرين، السعودية و ربما بلدان أخرى لا أعرفها ستظهر عبر التعليقات .
كانت نظرة آبائنا للهجرة تختلف عن نظرة الشباب إليها اليوم فعلى العموم كانت سلبية و لا يهاجر الواحد منهم إلا مضطرا ....كما كانوا يسمونها ""الغربة '' لأنهم كانوا غرباء عن عادات و تقاليد الفرنسيين و الأكثرية منهم لا يحبونهم نظرا للتاريخ الأسود الذي تركه الاستعمار في نفوسهم مما عايشوه عيانا....و لذلك تراهم يظلون السنين الطوال و لا يحاولون تعلم اللغة إلا ما يحتاجونه في حياتهم اليومية فقط. كما كانت نظرتهم للتجنس غير واردة و غير مقبولة بتاتا لأن في تصورهم من يتجنس بجنسية الفرنسيين إما حركي عميل أو كافر يخرج من دين الإسلام....فكانوا يطلقون عبارة '' هذاك طورن... أي هبل ( فقد عقله)....و لهذه الأسباب ترى القلة القليلة جدا منهم من يتزوج بفرنسية وإن تزوجها ففي غالب الأحيان هو الذي يخطب الفتاة و يتولى رعاية البيت و يأتي بها إلى بلده بينما انقلبت الموازين اليوم فنرى العكس تماماً إذ تأتي فتيات أوروبا بأنفسهن إلى ديارنا، خاطبات لشبابنا، دافعات مهورهم بوعود تسوية الأوراق لهم ليستقروا في بلادهن مع تزكية من الوالدة و العائلة أجمعين.
خلاصة القول: عانى مهاجر الأمس من قسوة الفراق وبطء الزمن وبنى نجاحه على الصبر والتحمل، بينما يعاني مهاجر اليوم من سرعة نمط الحياة في الخارج وتشتت الأماكن حيث تجده منهمكا في البحث عن ذاته وسط بحر متلاطم من الفرص والتحديات الثقافية الحديثة.