رابطة العرب الوحدويين الناصريين (ساحة مصر)
فرع الرابطة بساحة مصر
«إن الأمة العربية تعتز بتراثها الإسلامي وتعتبره من أعظم مصادر طاقتها النضالية وهي في تطلعها إلي التقدم ترفض منطق هؤلاء الذين يريدون تصوير روح الإسلام علي أنها قيد يشد إلي الماضي،
وهي تري روح الإسلام حافزاً يدفع إلي اقتحام المستقبل علي توافق وانسجام كاملين مع مطالب الحرية السياسية والحرية الاجتماعية والحرية الثقافية».
جمال عبد الناصر
22/07/2022
كان هنا عبدالناصر
برغم مرور سبعين سنة اليوم على 23 يوليو 1952، فإن الثورة التى حملت هذا الاسم ، لم تتحول إلى تاريخ موضوع على الأرفف وفى المكتبات ، بل تحولت إلى مثال معيارى ، تقاس على أساسه تصرفات وسياسات عبث ، هوت بنا من الحالق إلى الفالق ، منذ طوت هذه الثورة آخر أوراقها مع حرب أكتوبر 1973 ، بعد ثلاث سنوات على رحيل رمز الثورة وقائدها جمال عبد الناصر .
وفى أوائل أكتوبر 1970 ، أى بعد رحيل عبد الناصر الصادم المفاجئ بأيام ، استعاد المرموق "أحمد بهاء الدين" سطورا مما كتب ، وهو من هو فى الطراز الفكرى والمهنى الأرفع ، وصاحب مدرسة "فكر بعمق واكتب ببساطة" ، استعاد "بهاء" وقتها مقالا كان كتبه فى يناير 1970 ، وكان عبد الناصر لا يزال بيننا وأمامنا ، وحمل المقال مع إعادة نشره عنوان "ماذا كان عبد الناصر وماذا سنكون ؟!" ، وجاء فى المقال ـ النبوءة "من النادر جدا فى عالم السياسة ، أن يحدث مثل هذا التركيز المطلق على شخص قائد ، كالتركيز الذى هو حادث اليوم على شخص عبد الناصر ، فالشرق الأوسط منطقة هامة وحساسة ، لا يمكن أن تغفلها أى قوة كبرى من حسابها ، وكل قوة من القوى تحمل فى مخيلتها خريطة تتمناها لهذا الشرق الأوسط ، وتعمل على تحقيقها ، وعبد الناصر يقف كحجر العثرة فى طريق كل من يرسم خريطة من هذا النوع للمنطقة ، هكذا كان منذ سبعة عشر عاما ولا يزال ، القوى الدولية المتصارعة والكتل السياسية هنا وهناك ، فرنسا يوما وانجلترا يوما آخر وأمريكا يوما ثالثا ، وإسرائيل كل يوم ، ومتعلقة كل يوم بذراع من يرسم خريطة للمنطقة تناسب هواه وهواها ، والمشكلة هى زعامة عبد الناصر ، ، ذلك أننا إذا أردنا فى حقيقة الأمر ، أن نلخص دور عبد الناصر إلى أقصى درجات التلخيص ، وأن نلخص الموجة التى دفعها والتى حملته فى نفس الوقت ، لقلنا أن معركته هى معركة من يريد أن تكون الإرادة فى المنطقة العربية إرادة عربية ، والقول فى مستقبل العرب للعرب ، ضد الذين يريدون أن تكون الخيوط المحركة فى المنطقة مربوطة فى النهاية إلى أيد غير عربية ، وإرادات غير عربية (....) وجود عبد الناصر يجعل اللعبة كلها مربوطة به ، ويحجر بالتالى على حرية الذين يريدون أن يلعبوا فى المنطقة ، والقوى الكثيرة التى تريد أن تتخلص منه ، تريد أن تسترد حرية اللعب ، وأن تضع كل منها قواعد اللعبة التى تناسبها ، وهى حرية لا يتمتعون بها فى وجود قيادة عبد الناصر وما تمثله لدى الجماهير العربية (...) يثيرهم أن ترتبط اللعبة فى المنطقة كلها به وهو منتصر ، ويثيرهم أكثر أن ترتبط به وهو غير منتصر ، ذلك أنهم يرون المغزى هنا أعمق والارتباط أقوى ، وهم لايتمنون إلا أن تدب الفوضى ويعم التسيب ، فتنقض الذئاب الغريبة عن المنطقة العربية على القطيع تلتهمه واحدا واحدا" .
انتهى الاقتباس المطول من مقال "أحمد بهاء الدين" المذهل ، وقد كان الكاتب نفسه من ضحابا نبوءته البصيرة ، حين صحا ذات صباح على مشهد اكتساح دبابات "صدام حسين" لأراضى "الكويت" ، ولم يستطع قلبه المرهف تحمل الصدمة ، فسقط العقل فى متاهة الغياب ، وفى ظلام الغيبوبة الثقيلة لست سنوات متصلة ، انتهت بوفاته فى 24 أغسطس 1996 ، فقد عاش "بهاء" أزمة العراق والكويت نفسها زمن عبد الناصر ، ورأى كيف ردع عبد الناصر قرار الزعيم العراقى "عبد الكريم قاسم" فى غزو وضم الكويت ، تماما كما جرى فى عشرات الأحداث العاصفة الأخرى ، بينها نذر حرب أهلية بلبنان ، مع تدخل الأسطول الأمريكى السادس وقت رئاسة "كميل شمعون" ، وفى منع خطر غزو تركى لسوريا أراده الزعيم التركى "عدنان مندريس" ، والتدخل بالوحدة لحماية الكيان السورى ، وفى اختصار زمن المعاناة اليمنية بالتدخل العسكرى لدعم الثورة ، وفك حصار "صنعاء" الجمهورية ، وفى دعم كل ثورات التحرير فى المنطقة ، وفى الإسناد العفى لثورة الجزائر وتحريرها من الاحتلال الاستيطانى الفرنسى ، وفى التصدى للأحلاف والقواعد العسكرية الأجنبية ، وإسقاط مؤامرات "حلف بغداد" و"الحلف المركزى" ، وفى هزيمة العدوان الثلاثى 1956 وقطع ذيل الأسد البريطانى ، وإطلاق موجة التأميمات الوطنية ، التى استوحت ملحمة تأميم قناة السويس ، التى لم نكن لتعود إلى مصر سلما مع انتهاء فترة الامتياز البريطانى الفرنسى المفروضة إلى عام 1968 ، لو لم يستردها عبد الناصر بقرار التأميم ، ومعه بناء السد العالى ، وإطلاقه لنداء "بترول العرب للعرب" ، وبناء لبنات التعليم والإدارة الأولى فى كل أقطار الخليج ، ولم يكن لذلك كله أن يجرى فى هدوء ، بل تآمرت على عبد الناصر ونظامه كل القوى الراغبة فى الاستيلاء على المنطقة وقرارها ، وكانت حرب 1967 ، التى أسمتها المخابرات الأمريكية "عملية اصطياد الديك الرومى" ، ووقعت الهزيمة الفادحة الخاطفة ، التى تحمل عبد الناصر مسئوليته عنها ، وقرر التنحى ، وأعادته جماهير 9 و 10 يونيو 1967 المليونية الطوفانية المتدفقة تلقائيا ، ليخوض الرجل أعظم ملاحمه ، ويعيد بناء الجيش من نقطة الصفر ، ويقود حرب الاستنزاف ، التى كانت أطول صدام بالنار مع كيان الاحتلال الإسرائيلى وأمريكا من خلفه ، وكونت لمصر وأمتها كوكبة من الجنرالات الذهبيين العظام ، صنعوا معجزة العبور فى حرب أكتوبر 1973 ، التى كان عبد الناصر قد أعد أدواتها وخططها ، وصولا لبناء حائط الصواريخ العظيم ، الذى لم يكن للعبور أن يتم بدونه ، وفى قلب المعركة وابتلاءاتها ، كان سعى عبد الناصر الأخير لإنقاذ منظمات المقاومة الفلسطينية فى حرب الأردن ، ووقف سفك الدماء العربية بالأيدى العربية ، وما إن أتم عبد الناصر دورة حضوره الحى فى التاريخ ، وقد امتد بالقصور الذاتى والتعبئة الشاملة حتى حرب أكتوبر ، وحتى كان ما كان ، من خذلان السياسة لنصر السلاح ، وإحلال الركام محل النظام ، والاندفاع فى تفكيك ركائز التقدم والدور المصرى القيادى ، وانفجار الأوضاع فى المنطقة كلها ، وتوالى سلاسل الحروب الأهلية ، بدءا من حرب لبنان 1975 ، إلى ما شهدناه بعدها ولليوم من خراب ودمار وحروب داخلية فى أقطار عربية ، من الصومال إلى السودان فالعراق وسوريا واليمن وليبيا ، وبالأيادى غير العربية بالشراكة مع العدو ، ومع غياب الإرادة العربية والقرار العربى فى تقرير مصائر المنطقة ، التى تحولت إلى ملاعب دم ونار أشعلها الأقربون والأبعدون من الغرباء .
لقد قفزنا إلى المجهول المرعب الذى تنبأ به "أحمد بهاء الدين" قبل 52 سنة ، وقتها كتب بالنص "أعرف ساسة ورسميين وأفرادا عاديين فى أقطار عربية شتى ، ليسوا من الملتقين مع أفكار عبد الناصر ، ولم يكونوا دائما من الواقفين معه ، ولكنهم حتى هم فى ساعات الظلام والخطر والغموض ، يجدون أن زعامة عبد الناصر تعنى لهم شيئا ، وتعنى عدم القفز إلى المجهول ، يقول لى مسئول فى ركن قصى صغير من أركان العالم العربى : الأجنبى حين يتعامل معنا ، يحسب الآن حساب أننا من الأمة العربية ، وهذا شئ أوجده عبد الناصر" ، قال "بهاء" قولته قبل وفاة عبد الناصر ، وحين رحل الرمز والقيادة والزعامة الجامعة ، أضاف "بهاء" وصيته الداعية لملء فراغ الرحيل ، وبفقرة قاطعة قال فيها "نقول شيئا واحدا ، أن هذا الدور لابد أن يملأ، ولا يمكن أن تملأه إلا مصر كلها ، لأن فى استمرار هذا الدور حياتها وحياة كل العالم العربى" ، ولا بد أن كلام "بهاء" القديم يذكرك بما يجرى هذه الأيام ، وبأحاديث الرئيس الأمريكى "بايدن" عن ملء فراغ منطقتنا العربية ، وعن ضروروة ألا تترك أمريكا وإسرائيل الفراغ العربى لتزحف إليه روسيا والصين وإيران ، وكأن التاريخ يعيد نفسه ، وتستعاد عظاته ودروسه التى لا تفنى ، حين روجت أمريكا زمن "أيزنهاور" لنظرية ملء الفراغ نفسها فى خمسينيات القرن العشرين ، وأرادت صناعة ما أسمته سلاما ودمجا بين "إسرائيل" ومصر وقتها ، وهو ما رفضته ثورة يوليو بزعامة جمال عبد الناصر ، وأكدت أن المنطقة لأهلها لا لغيرهم ، وصارعت كل المطامع الأجنبية ، وانتقلت من كونها ثورة مصرية إلى ثورة عربية شاملة ، وصعدت بحركة القومية العربية الجبارة إلى أعلى ذراها ، ففى المنطقة أمة واحدة وشعوب متعددة ، تحلم بالحرية والكرامة والتقدم والوحدة ، ويختلف أهلها كما تختلف شعوب الأمم كلها ، لكنها تظل على شعور وسلوك التاريخ الواحد والمصير الواحد ، ولا تترك بين أهلها فراغا يحتله غيرها ، فقد كان هنا عبد الناصر ، وتكون الأمة من بعده إلى وقت نهوض تحلم به .
[email protected]
07/08/2021
"عيش" المصريين عبدالحليم قنديل
قطاع واسع من الرأى العام فى مصر ساخط هذه الأيام ومعه حق .
السبب ـ طبعا ـ اتجاه الرئيس السيسى المعلن إلى رفع سعر رغيف الخبز المدعوم شبه المجانى ، وبهدف تمويل برنامج وجبة غذائية يومية مجانية لطلاب المدارس ، وبقيمة 8 مليارات جنيه سنويا ، وهو ما كان سهلا توفيره من موارد أخرى كثيرة ، أو بإنهاء تضخم ظاهرة المستشارين بغير لزوم فى الجهاز الحكومى المترهل .
القصة ـ إذن ـ أبعد من تدابير مالية فى موازنة بلد تريليونية الأرقام ، وفيها تفاوت ثروات مرعب ، وكتلة متسعة من المواطنين تحت خط الفقر ، تقدرها المراجع الرسمية بنحو ثلاثين مليون مصرى ، لا تكفى برامج دعم الغذاء وبطاقات التموين وكفالة الخبز والحماية الاجتماعية وغيرها ، لا تكفى كل هذه الأساليب لانتشالهم من قاع الفقر ، ولا بديل عن تنمية إنتاجية عادلة ، تعطى اهتمامها الأول للتصنيع الشامل ونقل التكنولوجيا المتطورة ، خصوصا مع توافر موارد مالية هائلة ، جرى إنفاق ستة تريليونات جنيه منها ، أى نحو 400 مليار دولار ، على مشاريع عمران وطاقة وبنية أساسية ومدن من الجيل الرابع وأبراج وفنادق ومزارع وقليل من المصانع .
الخلل ـ إذن ـ فى انحيازات الحكم الاجتماعية لا فى الإنجازات المرئية ، وفى تحميل الفقراء والطبقات الوسطى غلاء وأعباء فوق الطاقة ، ليست قصة رفع سعر رغيف " العيش " المدعوم إلا نقطة مضافة فى فيض مظالمها .
23/07/2021
عبدالناصر الذى أمامنا
عبد الحليم قنديل
عبدالناصر أمامنا وليس خلفنا ، نعرف ويعرف الكل ، أن جمال عبدالناصر رحل إلى جوار ربه قبل أكثر من خمسين سنة ، لكن مشروع عبد الناصر القومى العربى ، ومشروعه للنهوض المصرى العربى ، وقيمه وأفكاره ومعارك ثورته التأسيسية الكبرى ، كلها تظل تعيش بيننا طويلا طويلا ، نافذة بإلهامها الذى لا ينفد إلى أعماق الروح والضمائر الحية ، فى لحظة حيرة عربية شاملة ، تشهد مصارع كل أفكار وتجارب المعادين لعبد الناصر فى حياته وبعد مماته ، بينما "يعيش جمال عبد الناصر حتى فى موته" ، على حد نص المقطع الموحى لشاعر العامية المصرية العبقرى عبد الرحمن الأبنودى .
يعيش جمال عبد الناصر فى ضمائر المصريين اليوم ، وفى دعواتهم المباركة وأشواقهم الحارة ، وهم يرون صورته ناطقة بملامح مصر ، وتكاد تطابق جغرافيا البلد وتدفق الحياة فيها ، والوقاية من غوائل العطش والجوع ، والثقة والطمأنينة بقوة بلدهم المحمية المحروسة بإشارات السماء ، وهى تجئ بفيضان النيل غامرا فى العام تلو العام ، ففى عام 2019 ، كان فيضان النيل هو الأعلى على مدى خمسين سنة قبلها ، وفى عام 2020 ، كان الفيضان هو الأعظم على مدى مئة سنة سبقت ، ويجئ فيضان النيل هذا العام مرتفعا ، ويعبر حواجز السد الأثيوبى مع اخفاقات الملء الثانى الكاريكاتيرى ، ويصل إلى ذروته فى مصر كما كل سنة فى شهر سبتمبر ، الذى شهدت أواخره رحيل عبد الناصر ، وصد سده العالى لكل خطر من الفيضان ، وحجز أعلى مخزون مائى خلف السد فى "بحيرة ناصر" ، وهى أكبر بحيرة صنعها الإنسان فى الدنيا كلها ، يبلغ طولها 500 كيلومترا ، وأقصى عرضها 35 كيلومترا ، ومساحتها 6216 كيلو مترا مربعا ، وبارتفاع 180 مترا ، وبطاقة تخزين واصلة إلى 180 مليار متر مكعب من المياه ، أى ما يزيد على ثلاثة أمثال نصيب مصر التاريخى المقرر من مياه النيل ، والمقدر بنحو55.5 مليار متر مكعب سنويا ، فوق طاقات تخزين إضافية فى مفيض "توشكى" وغيره ، ترفع إمكانيات التخزين المصرى بحوالى مئة مليار متر مكعب إضافية ، توفر "بوليصة تأمين" شاملة للحياة المصرية ، حتى فى سنوات جفاف منابع النيل ، كما جرى فى ثمانى سنوات عجاف بين عامى 1979 و 1987 ، سرى فيها القحط والتصحر فى أثيوبيا ، بينما لم يحس أحد بخطر ولا تغير فى الإيقاع المصرى اليومى ، فقد كان سد عبد الناصر العالى تطورا فاصلا فى حياة المصريين عبر آلاف السنين ، كان النيل يتحكم فى حياة المصريين قبل السد ، وصار المصريون مع السد سادة النيل ، كان النيل قبل السد مصدرا لنعمة ونقمة ، كان فيضان النيل يهب الحياة ، وكان غضب الفيضان يغرق ويدمر ، وكان جفاف النيل وغيضانه يؤدى لمهالك ومجاعات كبرى ، قصفت أعمار أجيال وراء أجيال من المصريين ، وعلى نحو ما تحدثنا عنه سير المآسى المصرية ، كما جرى مثلا فى "الشدة المستنصرية" بالزمن المملوكى ، كان المصريون وقتها لا يجدون زادا ، وأكلوا القطط والفئران ، بل ولحوم إخوتهم من البشر ، وكانت الزراعة مع الفيضان موسمية عابرة ، وكان الفيضان يذهب بغالب إيراد النيل إلى البحر المتوسط ، ولا يتبقى للمصريين سوى نحو خمسة مليارات متر مكعب سنويا ، برغم جهد المصريين الدءوب فى شق الترع والقنوات وتنظيم الرى فى دولتهم الأقدم كونيا ، وإقامة قناطر وخزانات فى دولتهم الحديثة ، كان أظهرها بناء "القناطر الخيرية" فى عهد محمد على عند نقطة تفرع النيل إلى "دمياط" وإلى "رشيد" ، وكان أفضلها "خزان أسوان" وتعلياته المتتابعة من أواخر القرن التاسع عشر حتى أواخر عشرينيات القرن العشرين ، كان سدا صغيرا جدا بالقياس لحجم السد العالى ، الذى كانت فكرته حلما راود مئات الأجيال من العلماء والوطنيين ، كان أبرزهم عالم الرياضيات العربى الشهير الحسن بن الهيثم (المتوفى سنة 1029 ميلادية) ، وقام بتحديث الفكرة المهندس المصرى من أصل يونانى "أدريان دانينوس" ، وقدمها إلى قادة ثورة 23 يوليو 1952 ، التى نمر اليوم بذكراها التاسعة والستين ، والتقط عبد الناصر فكرة السد الأعظم ، وجرى تكليف شركة ألمانية بإعداد التصميمات الأولية عام 1954 ، فى الوقت ذاته الذى بدأت فيه سيرة إقامة أول مصنع مصرى وعربى للحديد والصلب بحلوان ، ثم كان ما كان ، مما تعرفه أجيال عاشت اللحظة وتلتها ، من عقبات التمويل ، وانسحاب أمريكا وبريطانيا من تمويل المشروع ، ثم انسحاب "البنك الدولى" ، وإنهاء عرضه بتمويل ربع التكلفة ، ورفض جمال عبد الناصر لفرض أى شروط على مراقبة الخزانة المصرية ، أو عقد أى اتفاق تطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلى ، أو التراجع عن خطة تنويع مصادر السلاح ، فى ملحمة صراع كبرى ، بلغت ذراها بتأميم عبد الناصر لقناة السويس ، والمقاومة الأسطورية لحرب العدوان الثلاثى (البريطانى الفرنسى الإسرائيلى) ، وانتصار مصر الحاسم ، الذى قطعت به ذيل الأسد الإمبراطورى البريطانى للأبد ، وهزمت الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية بدعم حرب تحرير الجزائر ، وأحبطت خطط "ملء الفراغ" الأمريكية ، وأحلاف العداء لعبد الناصر وثورته ، التى ارتدت كالعادة ثيابا دينية مزيفة ، مع توالى قفزات التمصير والتأميم والتصنيع ، التى جعلت مصر الأعلى فى معدلات التنمية الحقيقية بالعام الثالث وقتها ، بما فيه "صين" ماوتسى تونج وشو إين لاى ، وفى قلب الفورة العظمى ، كان حلم "السد العالى" يتحول من خاطرإلى احتمال ، ثم إلى حقيقة لا خيال ، على حد ما نطقت به قصيدة عزيز أباظة بالفصحى التى شدت بها أم كلثوم ، و"قلنا هنبنى/ وادى إحنا بنينا السد العالى" كما قال الشاعرالغنائى أحمد شفيق كامل ، وإلى أن ارتفع البناء عاليا شاهقا فى عشرية الستينيات ، وجرى افتتاحه كاملا بمحطاته الكهربية فى 15 يناير 1971 ، كان عبد الناصر قد غاب بجسده قبلها بشهور ، رحل فى عنفوان الرجولة بسن الثانية والخمسين ، ولكن بعد أن ترك هرمه الباقى الحافظ لحياة المصريين بعد عناية الله ، ترك سده الذى يزيد حجمه 18 مرة على أكبر أهرامات المصريين القدامى ، مع فارق مرئى ، أنه هرم لبعث الحياة لا لدفن الموتى .
نعم ، السد العالى هو الإيحاء الرمزى الأعظم لميراث جمال عبد الناصر ، الذى انتصر مرات ، وهزم مرة ثقيلة فى حرب 1967 ، لكن الشعب المصرى الذى كان يدرك بالغريزة مغزى وجود عبد الناصر فى حياته ، رفض تنحى الرجل عن القيادة بعد اعترافه بمسئوليته عن الهزيمة ، وأعاده إلى موقعه بفيضان جماهيرى عارم فى 9و10 يونيو 1967 ، هو ذاته الفيضان ، الذى اجتاح شوارع مصر وميادينها فى انتفاضة يناير 1977 ، وفى ثورة الشعب فى 25 يناير 2011 ، وفى موجتها الثانية الأعظم 30 يونيو 2013 ، وقد شهدتا أكبر معرض صور فى التاريخ لشخص مفرد غائب بجسده منذ 28 سبتمبر 1970 ، كان رفع صور عبد الناصر تعبيرا عن الاستمساك بالحلم ، الذى لم يفرط فيه عبد الناصر حتى آخر نفس ، ولم يخذل شعبه ولا أمته أبدا ، فقد راح بعد الهزيمة الثقيلة الكاسحة ، يتعهد ويمهد لاكتساب قيمة الديمقراطية التعددية مع إزالة آثار العدوان ، دعما وتعزيزا لقيم الاستقلال الوطنى والثقافى والتصنيع الشامل وأولوية العلم والتكنولوجيا وكفاية الإنتاج وعدالة التوزيع والتوحيد العربى ، ويعيد بناء الجيش المصرى من نقطة الصفر ، ويخوض ملاحم حرب الاستنزاف ذات الألف يوم ، ويشيد حائط الصواريخ العظيم ، وكان ذلك آخر إنجاز فى حياته القصيرة الخاطفة ، وذروة الإعداد الأعظم للعبور المعجز إلى النصر فى حرب أكتوبر 1973 ، كان جيش عبد الناصر هو الذى اقتحم المستحيل ، وهو ذاته الجيش الذى جرى ويجرى تطويره بجهد هائل يحسب للرئيس السيسى ، وبعودة صحيحة إلى سياسة عبد الناصر ذاتها فى تنويع مصادر السلاح وبعث الصناعات الحربية ، وإلى أن صار أقوى تاسع جيش فى العالم ، يصد عن مصر غارات المتربصين الدوليين والإقليميين ، ويدفع عنها دوائر عدوان متكاثرة ، لعل أخطرها ما يجرى من عبث عند منابع النيل بالسد الأثيوبى ، بينما تشعر مصر اليوم وبثقة ، أنها قادرة على سحق الخطر بقوة جيشها العظيم ، والتفاف شعبها على قلب رجل واحد ، وبقدراتها المتفوقة فى لحظة نهوض ، تتوالى أماراته تباعا ، بعد ركود وانهيارات متتابعة منذ الانقلاب على خط عبد الناصر وتجربته وسيرته أواسط السبعينيات ، وتغول مصائب الفساد المتوحش وطفح اليمين الدينى ، وكلاهما فى خانة عداء مستحكم مع عبد الناصر اسما ورسما ، ومع سد مصر العالى ، ومع جيشها الحامى الحافظ لأمنها ومقدراتها واتصال وجودها الخالد إلى أن يرث الله الأرض .
[email protected]
10/07/2021
عودة إلى حرب النيل
عبد الحليم قنديل
قبل نحو أربعة شهور ، كتبت فى نفس هذا المكان مقالا بعنوان "حرب على النيل" ، نشر بتاريخ 27 مارس 2021 ، وكان مقتضاه أن ساعة الصفر اقتربت فى حرب النيل ، وأن دور القوة الخشنة يبدو بلا بديل منظور ، وربما الجديد ، أن حماقة أثيوبيا ـ كما "جهيزة" فى التراث العربى ـ قطعت قول كل خطيب ، وأغلقت بالضبة والمفتاح كل طريق تبقى للتفاوض أو الدبلوماسية ، وأخطرت مصر والسودان ببدء الملء الثانى للسد الأثيوبى ، وعلى نحو متعجرف ، وبغير سابق اتفاق ملزم وشامل طلبته القاهرة والخرطوم ، وهو ما جعل قصة اللجوء لمجلس الأمن الدولى فى باب النوافل التى لا تلزم ، وأيا ما كانت صيغة قرار الاجتماع الدولى ، فهى لا تفيد بشئ عند القاهرة بالذات ، اللهم إلا من باب الإشهاد الأخير ، وإشهار ساعة الصفر الحربى .
نعم ، قضى الأمر الذى فيه تستفتيان ، وصارت ساعة الصفر وشيكة ، والباقى تفاصيل ، وتعلمها القيادة المكلفة ، بخططها وبدائلها المعدة من وقت ، فلم يعد للقاهرة ، سوى أن تخرج السد الأثيوبى من الخدمة ، وأن تقوض الخطر الأثيوبى بكامله ، وحتى لا تفوت سابقة فى أعالى النيل ، تغرى آخرين بتكرار المقامرة الأثيوبية ، فمصر ليس لديها موانع فى إقامة سدود معقولة الحجم فى دول منابع النيل ، وتعاونت ببناء سدود وخزانات فى أوغندا وتنزانيا والكونغو وجنوب السودان ، تفيد فى توليد الكهرباء من الطاقة المائية ، وساعدت السودان من قبل فى بناء سد جبل الأولياء وغيره ، فمن حق كل الدول المشاطئة للنيل ، أن تستفيد من فرصه ، ومن تنمية موارده ، ولكن بشرط حاسم عند مصر دولة المصب الأخير ، هو أن لا تعوق المشروعات جريان أطول أنهار الدنيا ، وأن لا يمس أحد نقطة مياه واحدة من حصة القاهرة التاريخية ، وهو ما خرج السد الأثيوبى عن نصه المحكم ، المؤكد باتفاقات توالت منذ نهايات القرن التاسع عشر ، ربما كان أشهرها اتفاقية 1902 ، التى عقدها الاحتلال البريطانى نيابة عن مصر والسودان ، وكان طرفها الآخر "مينليك الثانى" امبراطور أثيوبيا المستقلة وقتها ، وكسبت بها مصر والسودان "حق الفيتو" والإذن المسبق لأى إنشاءات على منابع النيل الأزرق بالذات ، وكان الثمن الذى تلقته أثيوبيا وقتها باهظا ، أكداس من الذهب لإمبراطور الأحباش ، وفوقها اقتطاع منطقة "بنى شنقول" من السودان ، وإذا كانت أثيوبيا تتحلل اليوم من اتفاقية 1902 ، وبدعوى أنها مع غيرها من اتفاقات لحقت فى عشرينيات القرن العشرين معاهدات استعمارية ، برغم أن ميثاق "الاتحاد الأفريقى" و"منظمة الوحدة الأفريقية" من قبله ، يقر بكل اتفاقات العهد الاستعمارى درءا للنزاعات ، وإذا أحبت أديس أبابا أن تطيح بالثوابت ، فلا بأس ، وعليها إذن أن ترد للسودان مقاطعة "بنى شنقول" المقتطعة تاريخيا من لحم السودان ، وهى المنطقة المقام فيها السد الأثيوبى موضوع النزاع ، وعلى مسافة 15 كيلومترا لا غير من حدود السودان المتقلصة ، وهو ما يعنى انتقال ملكية السد نفسه ، فوق التحكم بإدارته وخزانه وتشغيله إلى الخرطوم ، وهو ما لن تقبله أثيوبيا طوعا بطبائع المطامع ، لكن قد يفرض عليها كرها ، وهى الدولة المعرضة فعليا لتفكيك متزايد ، تتواتر أماراته بعد ما جرى فى "حرب تيجراى" ، والإذلال الشامل لجيش "آبى أحمد" رئيس الوزراء المهزوز ، الذى يتصور أن التعنت المتعجرف فى قضية سد النهضة ، قد ينقذه ودولته من المصائر المحتومة ، التى تبدو فيها أثيوبيا كأنها "يوغسلافيا" أفريقية ، مرشحة لانشطارات لا نهائية ، فلا منطق ولا عدالة فى بقاء أثيوبيا كسجن مفتوح للقوميات والأعراق ، ولتحكم عرقية "الأمهرة" الحبشية التى لا تجاوز خمس سكان أثيوبيا الراهنة ، بينما حركات التحرير القومى والتمرد العرقى تتدافع ، وتنتشر كالنار فى هشيم المظالم التاريخية .
ومن حق مصر أن تفعل ما تراه حفظا لمصالحها ووجودها ، فالنيل عند المصريين قضية وجود ، وليس مجرد قضية أمن قومى ، وفى القضايا الكبرى عند الشعوب الحية ، فلا فرق بين مؤيد ومعارض ، وأيا كان النظام الذى يحكم ، فلا يملك حاكم مصرى ،أيا ما كان اسمه ورسمه، ترف أو نزق التفريط فى مياه النيل ، فقضية النيل هى قضية الكيان المصرى لا النظام المصرى ، ومصر تعيش فى فقر مائى منذ ثلاثة عقود ، وتحتاج اليوم إلى 120 مليار متر مكعب سنويا من المياه العذبة ، وتعتمد بنسبة تفوق التسعين بالمئة على حصتها من مياه النيل ، البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويا ، بحسب اتفاق 1959 مع السودان ، مع الشروع فى بناء السد العالى ، ولم تكن أثيوبيا طرفا فيه بالبداهة ، ولسبب ظاهر ، هو أن تقسيم حصص مصر والسودان ، مرتبط لزوما بإيراد النيل بعد دخوله بالانحدار الطبيعى إلى داخل السودان ، بينما أثيوبيا تتلقى سنويا نحو ألف مليار متر مكعب سنويا من أمطار الهضبة الحبشية ، ولديها عشرات الأنهار ، لا تفيد بها فى غير إقامة سدود احتجاز، وفرت لها نحو ستين ألف ميجاوات كهرباء ، لم تنقذ نصف شعوب وأعراق أثيوبيا من ظلام وبؤس شامل ، فيما يدعى آبى أحمد أن "سد النهضة" قد يوفر نحو ستة آلاف ميحاوات كهرباء ، فى مقابل حجز ما قد يصل إلى 74 مليار متر مكعب مياه ، إضافة لخطط بناء سدود أخرى فى المنطقة ذاتها ، وهو ما قد يبتلع نصيب مصر والسودان معا ، ويفضح حقيقة الادعاء الكهربائى ، ويفصح عن الهدف العدوانى الذى لا هدف منظور غيره ، وهو وضع مصر والسودان تحت حد السكين المائى ، ووضع محبس على النيل فى يد حكام أثيوبيا ، أراده من هم وراء أثيوبيا الجدد والقدامى من عقود ، ومنذ خططت أمريكا لبناء أربعة سدود أثيوبية على مجرى النيل الأزرق ، وقدمت تصميماتها للسلطة الأثيوبية بين عامى 1956 و1964 ، وبهدف خنق مصر عبد الناصر وقتها ، وهو ما لم يكن واردا تنفيذه ، بسبب الوزن الهائل وقتها لمصر عبد الناصر فى تقرير المصائر الأفريقية ، وهو ما استمر مندفعا بحركة القصور الذاتى حتى أوائل التسعينيات ، حين حاول الرئيس المخلوع مبارك تجديد التزام أثيوبيا باتفاقية 1902 ، ووقع اتفاقا بالخصوص مع رئيس الوزراء الأثيوبى الأسبق ميليس زيناوى ، تملص منه الأخير فى سنوات لحقت ، بدعوى أنه وقع على الاتفاق فى لحظة ضعف بلاده ، وأن أثيوبيا بزعمه صارت قوية ، بينما الحقيقة أن تراجع وإضعاف دور مصر أفريقيا ، هو الذى ضاعف إحساس "أديس أبابا" بالقوة المتوهمة ، خصوصا بعد قطيعة مبارك لأفريقيا كلها بعد محاولة اغتياله بأديس أبابا أواسط التسعينيات ، وهو ما أغرى حكام أثيوبيا بتحريض دول المنابع على مصر ، وبما انتهى إلى توقيع "اتفاق عنتيبى" فى مايو 2010 ، أى قبل أن ينخلع مبارك بثورة 25 يناير 2011 ، وما أعقبها من اضطراب أمنى ، قد يكون لعب دورا فى حفز أثيوبيا لوضع حجر أساس السد فى مارس 2011 ، لكن السبب المنشئ للمأساة كان أسبق ، فقد نص "اتفاق عنتيبى" على إسقاط الاعتراف بالحقوق التاريخية المكتسبة لمصر والسودان ، اللتان اكتفتا وقتها وإلى اليوم ، بالامتناع عن التوقيع ، ولم تصادق أثيوبيا على "اتفاق عنتيبى" برلمانيا إلا فى أوائل 2013 ، ولم تشرع فعليا فى بناء السد إلا فى وقت حكم الرئيس الإخوانى ، الذى اكتفى بأداء كاريكاتيرى فى اجتماع الفضيحة المشهور المذاع على الهواء ، ثم جرى عزل حكم الإخوان بثورة 30 يونيو 2013 ، ولم يبدأ الانتباه إلى خطر السد الأثيوبى ، إلا بتوقيع "إعلان المبادئ" فى مارس 2015 ، وهو نص حمال وجوه ، لا يفيد فى ضمان حق أكيد ، جرت بعده جولات المفاوضات العبثية الماراثونية إياها ، من نوع وساطات واشنطن والاتحاد الأفريقى ، التى أضاعت وقتا ثمينا ، وانتهت بنا إلى اللحظة الفارقة ، حيث لم تعد تجدى مفاوضات ولا وساطات من أى نوع ، بعد عشر سنوات من ترداد كلام أجوف ، فالحق الذى لاتسنده القوة ضائع باليقين ، وقد آن للدبلوماسية المصرية ، التى بذلت جهدا عظيما مقدرا مكثفا فى وقت متأخر ، أن تستريح وتأخذ جانبا ، وأن تترك المهمة بكاملها لمؤسسات النخاع العظمى للدولة المصرية ، فى الجيش وما حوله ، التى لن تقبل هوانا ولا تفريطا فى قضية الوجود المصرى الأولى ، وإلا كان باطن الأرض خير لها من ظاهرها ، على حد التعبير الموحى لمتحدث عسكرى فى مراسم افتتاح قاعدة "جرجوب" البحرية العسكرية قبل أيام ، وتابع المتحدث "إذا فرض علينا القتال دفاعا عن حقوقنا ومكتسبات شعبنا فنحن أهله" ، وإنا لمنتظرون .
[email protected]
03/07/2021
استرداد العراق
عبد الحليم قنديل
قد لا تكون من فرصة قريبة لوقف نزيف العراق ، فقد تحول البلد من زمن إلى ملاعب دم مفتوحة ، للأمريكيين الذين احتلوا العراق من 18 سنة ، وللإيرانيين الذين استفادوا من تحطيم الدولة العراقية ، ولنزعات توحش طائفى ، من تنظيمات الولاء الإيرانى المتخفى وراء أقنعة الثأر الشيعى ، ومن خلايا "داعش" التى فقدت أراضى دولتها الغاربة ، لكنها تعيد تأسيس نفسها ، وتعاود بنشاط عمليات إرهابها ، فى بيئة احتقان سنى ـ شيعى محموم ومصنوع ، وعلى ما يبدو فى اتجاهات القتلة من اختلاف وتعارض ظاهرى ، فإنها كلها تتعاون فى المحصلة ، وتدفع بالعراق إلى هاوية عذاب بغير قرار .
وصحيح أن العراق بلد غنى جدا بموارده الطبيعية ، وهو القطر العربى الوحيد الذى يجمع وفرة موارد المياه مع موارد البترول ، لكن أنهار العراق جف ماؤها أو يكاد بسبب السدود التركية ، وعوائد احتياطى البترول الهائل تتبدد بانتظام ، الرئيس العراقى برهم صالح تحدث قبل أسابيع عن فساد نهب ونزح تريليونات الدولارات ، ورئيس الوزراء العراقى مصطفى الكاظمى يبدو طموحا ، ويستعين بذكاء مكتسب من عمله السابق كمدير للمخابرات ، ويناور مع كل الأطراف ، وربما يتصور أن انتخابات البرلمان المقررة فى أكتوبر المقبل ، قد تضع حدا للمأساة ، وتفتح طريقا آمنا للعراق ، يوازن فيه علاقاته مع دول الجوار الإيرانى والعربى والتركى ، بينما لا ضمانة جدية فى القصة كلها ، فقد يذهب الكاظمى نفسه ضحية للانتخابات إياها ، مهما قيل عن توافر الإشراف والرقابة الدولية ، وعن جهود توفير أمان نسبى للمرشحين والناخبين ، فهى انتخابات تتم فى النهاية ببلد خاضع لاحتلال فعلى مستديم ، واغتيالات النشطاء الوطنيين تتدافع ، فلا يبقى غير هوان التقسيمات الطائفية والعرقية ، وتوزيعات كعكة الولاء والانتساب بين التأثير الأمريكى والهيمنة الإيرانية ، بينما لا يبقى للعراق العراقى ـ لا الأمريكى ولا الإيرانى ـ من نصير ولا سفير .
وكلما بدا أن العراق تقدم خطوة ، تعقبها خطوات تسحبه إلى الخلف ، وكأننا بصدد قربة مقطوعة أو جرة مثقوبة ، حاول الكاظمى استعادة بعض حس الدولة ، وفرض سيطرة على الموانى والمعابر ، ورد بعض العوائد والجمارك ، واصطياد بعض أسماك الفساد الصغيرة ، وقال أنه أعاد بعض محطات الكهرباء وأبراجها للتشغيل ، وزاد فى إنتاجها إلى 20 ألف ميجاوات سنويا ، وهو رقم بدا معقولا ، وقد يضئ حياة العراقيين إلى حد ما ، وكانت المفاجأة التى هى ليست مفاجأة ، أن عمليات التخريب من الأطراف المنظورة والمطمورة ، راحت تدمر فى محطات وأبراج الكهرباء ، وجرت من بداية العام الحالى 2021 ، 35 عملية تخريب لمنشآت كهربائية ، لم تدفع الحكومة العراقية بعد تكاليفها ، ولا استحقاقات المستثمرين فيها ، وجاءت موجات الحر القاسية فى العراق لتكشف الحقيقة المريرة ، وانقطاع الكهرباء شبه التام عن أغلب محافظات البلد المعانى ، وقس على محنة الكهرباء والمياه الشحيحة كل شئ فى العراق اليوم ، فلا مدارس ولا مستشفيات ولا جامعات ولا خدمات ولا طرق ، إلا ما كان بنى قبل الدمار العظيم ، أو مشروعات جديدة على الورق ، جرى صرف مخصصاتها على عوالم الأشباح ، أو ما يعرف فى العراق بلقب "الكائنات الفضائية" ، أى ركام الأسماء غير الموجودة فى الواقع ، ويصرفون عنها بانتظام من الموازنات العامة ، فى الجيش أو فى أجهزة الأمن أو فى الإدارة المدنية ، أو على تشكيلات عبثية ، لا تنتهى سيرة مسمياتها ، تسرق بإتقان من وراء اللحى الكثيفة ، أو من وراء شعارات دينية زاعقة ، تمتهن الدين وتدهس مقدساته وأخلاقه ومثله العليا ، وتضيف إلى محنة العراقيين قبسا محرقا من قاع الجحيم ، فالغالبية التى تريد العيش فى بلد الأربعين مليون نسمة ، لا تجد ما يعينها ، وهى التى ولدت فى بلد فريد زاخر بموارده ومواريثه الحضارية الكبرى ، بينما لا يوجد حد أدنى من فرص الحياة الآدمية الكريمة ، أما الموت فعلى كل ناصية وفى كل دار ، ولك أن تختار ، فما أغنى وسائل الموت وطرقه فى العراق اليوم ، بنيران الغارات الأمريكية ، أو بالمسدسات المكتومة الصوت ، أو بقذائف الكاتيوشا ، أو بمتفجرات الطائرات المسيرة ، أو بقطع الرقاب على طريقة "داعش" المميزة ، ولن تجد للقتيل قاتلا معروفا فى أغلب الأحوال ، ولن ترى وجهه ، ولا أن تأمل فى قصاص ، فأجهزة الأمن لا تنفد أسماؤها ، ولا ينتهى عديدها المرئى والمخفى الحقيقى و"الفضائى" ، ولا الإعلانات الجهيرة عن نشاطها ويقظتها وعملياتها واعتقالاتها ، ومن دون أن تتوقف آلة القتل ، أو أن تفتر همتها ، وكأنها تغرف من بحر ظلمات لا ينضب ماؤه الأسود .
وقد يتفاءل البعض ، ونحن معهم ، بأحلام وخطط من نوع "الشام الجديد" وغيره ، وبقمم زاهية تعقد فى بغداد الرشيد ، وبرغبات استرداد العراق لعروبته ، وانفتاحه المتكافئ على محيطه الإقليمى ، وبأمل اكتساب استقلال أفضل لحركته العامة ، وكل هذا كلام معقول ، وجهد فى محله ، وقد يثمرخيرا عظيما ، ربما بشرط أن يغادر محله المختار على الورق الذى يجف حبره ، فليس بالأمنيات وحدها يصنع التاريخ ، واستقرار العراق هو المفتاح المطلوب أولا ، وما من سبيل لاستقراره ، ولا لرد هيبة العراق العظيم الجريح ، إلا أن تبنى فيه دولة تستحق الصفة ، دولة قادرة لا دويلات متداخلة الخيوط كشبكة العنكبوت ، دولة بجيش واحد ، لا بعشرات الجيوش والحشود و"البشمركات" ، وبعقيدة وطنية قائمة على التجنيد الإلزامى العام ، وبهيئة شرطة واحدة ، لا بعشرات الأجهزة والميليشيات ، وبمواطنة واحدة متساوية الحقوق بغير تمييز طائفى ولا عرقى ولا جغرافى ، وبدستور يستعيد وحدة البلد ووجهه العربى الناصع ، وليس بدستور الطوائف وفيدرالية التفكيك ، الذى وضعه "بول بريمر" حاكم العراق بعد الاحتلال الأمريكى ، وانتهى فى الممارسة إلى "لبننة" العراق ، وفرض رئيس "كردى" فى العادة على عموم العراق العربى ، فوق رئيس "كردى" آخر لكردستان العراق المنفصلة عمليا ، ورئيس وزراء عراقى عربى ، يشترط عمليا أن يكون شيعيا ، وترك رئاسة البرلمان لذوى القربى من المتهافتين السنة ، فهكذا شاءت أمريكا وتشاء إيران ، بينما القسمة "الضيزى" كلها لا تؤدى إلى منتج عراقى بامتياز ، ربما لأنها تفتقر إلى نقطة التوازن بين التنوع العراقى ووحدة الدولة ، التى قد لا يكفلها فيما نظن ، سوى التحول إلى نظام رئاسى ، ينتخب فيه الرئيس مباشرة من الشعب ، وبسلطة ناظمة لمؤسسات الدولة ، بينما تختار الحكومة من قبل الأغلبية البرلمانية ، مع تحريم وتجريم اقتصار عضوية أى حزب على طائفة أو عرقية بعينها ، وبالذات بعد التجربة المريرة لأحزاب الطوائف المتخفية برداء الدين ، وبتحايل هذه الأحزاب وخداعها للرأى العام بعد انكشاف فسادها المرعب ، ولصق أسماء "مدنية" و"عراقية جامعة" على واجهاتها الخارجية ، وقد لا تكون هذه الخطوات ممكنة بجرة قلم طبعا ، وقد سالت الدماء غزيرة على طريق تحرير العراق واستعادته للعراقيين ، ففوق آلام الحياة اليومية المنهكة لغالبية العراقيين ، يحس العراقى الوطنى أنه الغريب فى بلده ، وأنه المواطن بلا وطن ، وربما يفسر الشعور صيحة طلائع الانتفاضة العراقية الشعبية الممتدة على موجات منذ انطلاقتها العفية فى 25 أكتوبر 2019 ، ومن قلب جغرافيا التحدى للهيمنة الطائفية الملوثة ، من بغداد إلى البصرة ، كانت الصيحة ولا تزال "نريد وطنا" ، وأن أول الطريق للحرية هو كنس الطائفية وأحزابها المدعية للتدين ، بينما اللحى والعمائم غارقة فى وحل الفساد والنهب والعمالة للأجنبى ، كانت الانتفاضة صحوة للروح الحبيسة ، ورغبة عارمة فى اكتساب الوطنية العراقية الجامعة ، ودفعت طلائع الانتفاضة الثمن مضاعفا ، بقتل المتظاهرين ، والاغتيالات الغامضة المتصلة للقيادات الشعبية الأكثر جسارة ، ومن دون أن يقتص أحد للدماء الزكية ، فقد وعد الكاظمى حين جاء بالقصاص ومطاردة القتلة ، ومن غير إنجاز ملموس حتى تاريخه ، فكلما شرع فى معركة تراجع عنها ، وكلما شد خيطا من المتاهة تاه فيها ، وقد أمل البعض فيه ، ثم شحب الرجاء وتوارى ، وتواضعت حركة الرجل ونزلت من سقف الوعد بالتغيير إلى وهدة وعادة التسيير ، والضياع فى الحوارات الأخطبوطية إياها ، من الحوار "الاستراتيجى" مع طهران إلى الحوار "الاستراتيجى" مع واشنطن ، فأعوان إيران يتهمونه بالعمالة لأمريكا ، وأعوان أمريكا يتهمونه بالخوف من ميليشيات الولاء الإيرانى ، وهو نفسه يخشى على حياته ، وربما تنتهى قصته إلى خيبة الأمل الراكبة للجمل ، فديناصورات الطوائف تستعد للقفز على المشهد الأمامى مجددا ، وهو ما قد يؤجل حلم استرداد العراق ، وعودة العراق للعراقيين أولا ، وللأمة التى تقاسى غيبته .
[email protected]
04/06/2021
متى تنتهى إسرائيل ؟
عبد الحليم قنديل
قد لا يكون المقام مناسبا لاستغراق فى مناقشات عن تفسيرات قرآنية ، وبالذات عن "وعد الآخرة" المؤكد فى آيات "سورة الإسراء" ، وما إذا كان الوعد المقصود تحقق مع بعثة النبى الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام ، أو فى زمن لاحق ، أو فى أيامنا الجارية بعد قيام وتغول كيان الاحتلال الإسرائيلى ، وفى العقود الأخيرة ، ظهرت تفسيرات تركن إلى الإعجاز العلمى والقياسات العددية ، قادت الشيخ الفلسطينى بسام جرار ـ مثلا ـ إلى توقع زوال إسرائيل عام 2022 ، قالها الرجل قبل نحو ثلاثين سنة ، وحين أصبحنا على حافة الموعد المضروب ، ولم تكتمل بعد أشراط الساعة ، بدا الرجل فى حال التلعثم ، وربما التسليم بخطأ تفسيره لموعد تحقق الوعد الإلهى القادم حتما .
ومن جهتنا ، نثق بالوعد السماوى ، وإن اختلفت المواعيد ، ولا نجادل فى الإشارات الدينية ، وإن كنا نقرأ أكثر فى الإشارات الدنيوية ، وفى الواقع الملموس عندنا ومن حولنا ، وفى تحولات العالم ، وتقلبات فواه الغالبة فى ميادين الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا والسياسة ، وفيما جرى ويجرى داخل كيان الاحتلال الإسرائيلى نفسه ، وعلى هدى من رؤى مدرسة العلامة الراحل عبد الوهاب المسيرى ، صاحب أهم وأشمل موسوعة بالعربية عن "اليهود واليهودية والصهيونية" ، وقد خلفته فى قيادة حركة "كفاية" ، وشرفت بأن أهدانى قبلها بسنين موسوعته البديعة وقت صدورها ، وبنسختها الشاملة فى ثمانية أجزاء ، ثم بنسختها المختصرة فى جزءين ، ولم يكن المسيرى يجيد اللغة العبرية ، بل كان أستاذا فى الأدب الإنجليزى ، ومدخله فى الفهم والتفسير والتوقع ، أن الحركة الصهيونية نشأت فى سياق غربى محض ، وهى بنت مراحل ازدهار الأفكار العنصرية والاستعمارية ، وانتصر لها المعادون للسامية ولليهود ، على طريقة آرثر جيمس بلفور صاحب الوعد الشهير المشئوم ، ومقتضى الفهم المذكور ، أن رحلة إسرائيل ككيان استعمارى استيطانى إحلالى ، لاتختلف إلا فى التفاصيل والمواقيت ، عن رحلة صعود وهبوط الاستعمار الغربى ذاته ، وقد انتقلت قيادة الغرب كما هو معروف إلى أمريكا بعد الحرب "العالمية" الثانية ، وصارت إسرائيل قاعدة متقدمة للغرب ، ولأمريكا بالذات بين ظهرانينا ، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكى الحالى جو بايدن نفسه ، وهو يعد نفسه صهيونيا بامتياز ، وعبر رحلته الطويلة فى قلب المؤسسة الأمريكية الحاكمة من الكونجرس إلى البيت الأبيض ، كان يقول ما معناه "لو لم تكن إسرائيل موجودة لوجب اختراعها" ، وهذا التماهى الإندماجى المطلق ، يغرى بتذكرتوقع أسبق من تفسيرات موسوعة المسيرى ، كان صاحبه العلامة الأشهر جمال حمدان ، صاحب الدراسة الرائدة فى بابها " اليهود أنثروبولوجيا" ، وقد كان حمدان يربط من أواسط ستينيات القرن العشرين ، بين مصير إسرائيل ومصير نفوذ أمريكا الكونى ، وبما يعنى بوضوح ، أن تراجع مكانة أمريكا العالمية ، قد يعنى تراجعا بالتداعى فى فرص بقاء إسرائيل على حالها ، ولم يعش جمال حمدان ـ المغتال إسرائيليا على الأرجح ـ إلى أيامنا ، حتى يرى نبوءته تنفتح لها الأبواب ، فقد تراجعت مكانة أمريكا كونيا ، ولم تعد قطب العالم الوحيد ، ولا فى مكانة "القطب الأعظم" بألف ولام التعريف ، بل تنزل إلى وضع قوة عظمى بين متعددين ، فيما تتقدم الصين بإطراد إلى قمة القطب الأول ، بمعايير التفوق فى الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والسلاح .
ومن المشهد الجامع إلى المشهد الأصغر ، يبدو انتفاخ وتوسع الكيان الإسرائيلى إلى تقلص ، وقد كانت ذروة صعود إسرائيل فى حرب 1967 الخاطفة ، بعدها لم تنتصر إسرائيل فى حرب أبدا ، وانكمشت رقعة التوسع الإسرائيلى جغرافيا ، وعاد الصدام كما بدأ على أرض فلسطين المحتلة كلها ، ومع انتفاضة الفلسطينيين المعاصرة الثانية أواخر 2000 ، قالها آرئيل شارون آخر جنرالات إسرائيل الكبار ، قبل أن يذهب إلى غيبوبة طويلة فإعلان موت مؤجل ، قال شارون أنه يشعر أن حرب 1948 ، يجرى استئنافها من جديد ، وكان هاجس الرجل وراء هروبه بالجلاء عن غزة وتفكيك المستوطنات الاستعمارية فيها عام 2005 ، لكن الهروب من الأقدار لا يمنع تمامها ، وصارت غزة التى يراد عزلها ، سائرة إلى قلب فلسطين لا على حوافها ، وبحروب ثلاثة دامية طويلة ، عجزت فيها إسرائيل عن تحقيق أى نصر ، ثم بحرب رابعة ، كانت القدس فيها موضع الإلهام وعاصمة النفير ، واتسع فيها واستطال مدى صواريخ غزة ، حتى غلبت ومحت فواصل الجغرافيا ، ونشرت الرعب فى قلوب المستوطنين المستعمرين الإسرائيليين ، ووحدت الشعب الفلسطينى فى ميدان عمليات واحد ، لا فرق فيه ولا تباعد بين "غزة" و"اللد" ، ولا بين "نابلس" و"حيفا" ، ولم يكن التطور الدرامى مفاجئا ، بل كان تحولا نوعيا بعد تراكمات الثلاثين سنة الأخيرة ، فقد استعادت الانتفاضات الأربع فى 1987 و2000 و2015 و 2021 وحدة الشعب الفلسطينى الكفاحية ، واستعادت ثقته فى قوته المتنامية على أرض الصراع بكامل الجغرافيا ، كان آرنون سافير ، وهو عالم ديموجرافيا إسرائيلى بارز ، يحذر مبكرا من "حروب غرف النوم" ، ويعدها أخطر من حروب السلاح والاستيطان ، وقد تحققت نبوءته الخطرة على سيرة الكيان ، وتحول البندول السكانى لصالح الفلسطينيين منذ عام 2015 ، وقتها كان هناك ما يشبه التعادل السكانى فوق الأرض المقدسة ، قبل أن يزيد عدد السكان الفلسطينيين على عدد اليهود المجلوبين اليوم ، فوق قفزات الوعى القومى الفلسطينى فى الداخل المحتل منذ نكبة 1948 ، وفوق دفع إسرائيل نفسها للوعى القومى الفلسطينى إلى مداه فى السنوات الأخيرة من حيث لم تحتسب ، مع إصدار قانون "القومية اليهودية" العنصرى ، وهو ما أعاد القضية مع قيامة القدس إلى صباها وفتوتها وحرارتها الأولى ، فوق خبرات هائلة اكتسبها الشعب الفلسطينى تحت وطأة المحنة الفريدة ، جعلت التفوق السكانى الفلسطينى نوعيا لا عدديا فقط ، وبانتشار جغرافى فى 17 إقليما من 26 إقليما طبيعيا بفلسطين كلها ، فقد تملك إسرائيل كل أسلحة القتل والتكنولوجيا والدمار حتى السعار النووى ، لكن الجسد الحامل للسلاح يضعف مع الزمن ، ولم يعد قادرا على كسب الحرب بمجملها ، ولا حتى على كسب معارك متقطعة تدور ، فإسرائيل فى البدء والمنتهى ، ليست أكثر ولا أقل من كيان استعمارى استيطانى احلالى ، سلاحه الأول هو المادة البشرية التى يجلبها لتعميم الطرد والاستيطان ، وقد نفدت أو كادت مخازن التهجير اليهودى المستعد للذهاب إلى فلسطين ، كان معدل النمو السكانى الإسرائيلى يصل إلى 9% سنويا فى خمسينيات القرن العشرين ، وتراجع إلى 1.5% فى الثمانينيات ، وكانت آخر دفعة بشرية كبرى لإسرائيل أوائل التسعينيات ، مع هجرة "اليهود السوفييت" ، بعدها زادت معدلات الهجرة العكسية ، وتراجع الإمداد البشرى ، فيهود أمريكا مثلا ، وهم نصف يهود العالم اليوم ، ليسوا مستعدين غالبا للمخاطرة بالذهاب إلى الجحيم ، فوق التغير الملموس فى طبيعة المادة البشرية الإسرائيلية ، وضعف مؤهلات القتال لديها ، كانت فكرة "الكيبوتز" والمزرعة الجماعية مؤسسة لكيان إسرائيل فى اندفاعه الأول ، كانت تلخص معانى "العمل العبرى" وزرع الارتباط بالأرض ، وكانت "الكيبوتزات" موردا لربع ضباط جيش الاحتلال وأكثرهم شراسة ، ومع التحول إلى نمط الحياة الأمريكية الفردية ، ضعف أثر "الصهيونية الكيبوتزية" لو صح التعبير ، وصارت مقاعد قيادة إسرائيل خالية أو تكاد من جنرالات الصهيونية الكبار ، ومرتعا لقيادات هشة "تيك أواى" من نوع إيهود أولمرت و تسيبى ليفنى و بنيامين نتنياهو ونفتالى بينيت ويائير لابيد من بعده ، وتفكك الإجماع الإسرائيلى السياسى ، وتكررت دورات الانتخابات المتلاحقة بغير نتائج حاسمة ولا أغلبية متماسكة ، وزادت مصاعب تأليف الحكومات ، وحلت صرخات اليمين المرتعبة من سوء المصائر ، والميل الغريزى إلى التعويض عن بؤس الواقع بفسحة الخيال ، من نوع اشتراط تعريف إسرائيل بأنها "دولة يهودية" حصرا ، بينما لم تكن إسرائيل بعيدة عن هذا المعنى ، بقدر ما هى عليه اليوم وغدا ، فالأغلبية الفلسطينية إلى ازدياد واثق ، وقد تصل إلى ثلثى إجمالى المقيمين بين النهر والبحر فى مدى عقدين مقبلين .
والمعنى الأخير إجمالا ، أن فكرة "حل الدولتين" ، على صعوباتها واستحالاتها المنظورة ، لا تخدم سوى كيان الصهاينة ، وهم لحسن الحظ ، لا يريدون التسليم بها ، ربما لأن أقدار التاريخ ، وقبلها يد الله الممدودة للسائرين على طريق استعادة الحقوق كاملة ، تدفع إلى غاية أخرى، هى دولة مواطنة متساوية ديمقراطية واحدة بأغلبية فلسطينية وأقلية يهودية ، تقوم مع زوال الاحتلال وكيانه الصهيونى العنصرى ، وتلك فيما نظن ، هى الصورة الأرجح لنهاية إسرائيل التى نعرفها ، ربما مع أو قبل مرور مئة سنة على إعلان كيان الاغتصاب 1948 .
[email protected]
Click here to claim your Sponsored Listing.
Location
Category
Telephone
Website
Address
Cairo
