05/07/2026
بدأوا بالقمع والمذابح، ثم انتقلوا إلى التخريب المنظم، ثم دمّروا الاقتصاد بسياستهم، واليوم لا يملكون سوى الكذب المفضوح لتبرير ما صنعت أيديهم. إن ما جرى اليوم خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية «الأوكتاجون» ليس افتتاحاً لمقر جديد بقدر ما هو عرض سياسي عسكري مكلف، يراد منه تجميل سلطة بَّنت مشروعها على إقصاء المواطنين عن القرار وتخويفهم، وعزل الحكومة أكثر عن المجتمع، وتوسيع المسافة بين الدولة والفقراء فالخراب الذي يعيشه المصريون لم يصنعه من طالبوا بالحرية والكرامة في 2011، بل صنعته سياسات ممنهجة حولت موارد البلاد إلى أدوات للهيمنة، ودفعت الاقتصاد في اتجاه يخدم تراكم الثروة في أيدي قلة، بينما تُترك الأغلبية في مواجهة الغلاء، وتراجع الخدمات.
لقد جرى قمع المجال العام، وتجريف الحياة السياسة، وإضعاف النقابات، وتهميش الفقراء، ثم طُلب من المواطنين أن يتحملوا نتائج منظومة لا تعمل بإرادتهم ولا وفقا لمصلحتهم. أما الحديث عن “الإصلاح” و”البناء” هي كذبة لم تعد لها أي مردود في عقول المواطنين بينما تتسع الفجوة الطبقية وتتدهور المدارس والمستشفيات، فليس إلا إعادة إنتاج خطاب يطلب من الضحية أن تصدق جلادها الكاذب.
إن ما سُمّي بالإنجازات الكبرى لم يكن سوى توسع في مشروعات الهيمنة الطبقية، حيث تُدار عجلة الإنتاج لا لصالح المجتمع، بل لصالح تكديس الأرباح، وتعظيم نفوذ الشبكات المرتبطة بالسلطة، وإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى. وفي الوقت الذي يُقال فيه للمواطنين إن عليهم الصبر، تُنفق المليارات على منشآت رمزية تعذل وتأمن السلطة أكثر وتبعدهم عن واقع المواطنين.
أما الزعم الكاذب المتكرر بأن ثورة يناير كانت تخريباً، فهو قلبٌ متعمد للحقائق، ثورة يناير لم تكن مشروع هدم، بل كانت انفجاراً شعبياً ضد الاستبداد والفساد والفقر والمهانة. خرج المواطنين مطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، طالب الشعب بالحرية بينما سعت السلطة لتخريب المجتمع. السلطة التي رفضت الإصلاح الحقيقي، ثم عملت على توظيف الفوضى لتبرير القمع وإغلاق المجال العام.
إن تحميل الثورة مسؤولية ما جرى بعدها هو محاولة للهروب من السؤال الأساسي من الذي حكم؟ ومن الذي أدار البلاد؟ ومن الذي راكم الفشل والتمييز والإفقار حتى أصبحت الأزمة بنيةً قائمة؟ الثورة كشفت العفن ولم تصنعه، والخراب لم يبدأ مع الناس حين خرجوا إلى الشارع، بل كان قد بدأ من قبل، حين اختُزل الوطن في سلطة لا تسمع إلا نفسها.
إننا في تيار الثورة الاشتراكية نرفض هذا الافتراء والكذب الذي يحمّل المصريين ذنب ما صنعته السلطة نفسها. فالشعب لم يخرّب وطنه حين طالب بحقه فيه، بل خربته سياسات الإقصاء، وقمع الفقراء، وتوسيع الهيمنة الطبقية، وتحويل الدولة إلى أداة لخدمة تراكم الثروة والنفوذ. التعليم يُخرب، والصحة تُنهك، والناس تُدفع إلى الفقر، ثم يُطلب منهم أن يصفقوا لمن صنع الأزمة. أما افتتاح منشآت ضخمة تُنفق عليها أموال الفقراء لعزل السلطة أكثر عن المجتمع، فليس دليل قوة، بل علامة على اتساع الهوة بين الحكم والناس.
إننا نناضل في تيار الثورة الاشتراكية مع كل المقموعين والمضطهدين من اجل انتصار الثورة الاشتراكية نناضل من أجل محو سجونهم ومصادرة مدنهم لصالح الأغلبية وتحويل مراكزهم إلى ساحات معارك فاصلة على طريق انتصار الجماهير من أجل بناء مجتمع حر وعادل.
وإلى أن نصل لهذا ندعوكم جميعا للانضمام لنا والنضال معنا من أجل مجتمع جديد، مجتمع حر وعادل.
تيار الثورة الاشتراكية
5 يوليو 2026
03/07/2026
الجزء الثالث والأخير: دروس وتوقعات انقلاب السيسي
بقلم: حسن مصطفى
في الصراعات الكبرى، لا توجد خطة سياسية تضمن تحقيق النصر بصورة مؤكدة. لكن غياب الخطة لا يضمن سوى الهزيمة، وتحويل تضحياتك وجهودك إلى وقود لمشروع سياسي آخر يمتلك رؤية وخطة يسعى إلى تنفيذها. لهذا، ورغم أنني لا أستطيع الجزم بأن الثورة المصرية كانت ستنجح حتماً في إسقاط محمد مرسي ومنع عودة الجيش إلى السلطة في الوقت نفسه، فإنني أعتقد أن هذا المسار كان ممكناً. غير أن تحقيقه كان يتطلب وجود قيادة ثورية منظمة، تمتلك من الوعي ما يمكنها من إدراك طبيعة التحديات التي واجهت الثورة في الأشهر السابقة على انقلاب السيسي، وصياغة سياسات قادرة على مواجهتها وتجاوزها.
وقد تمثلت هذه التحديات في عاملين رئيسيين. تمثل أولهما في أن الثورة المصرية، برغم نجاحها في إجبار الطبقة الحاكمة على تقديم تنازلات، وإجبارها على التضحية بمبارك، وفرض إجراء انتخابات برلمانية كانت الأكثر ديمقراطية مقارنة بما سبقها، فإن فوز الإسلاميين بأغلبية البرلمان أدى إلى تآكل شعبيتهم سريعاً، بعدما عجزوا عن تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية للجماهير والاستجابة لتطلعاتها. وقد استغل المجلس العسكري هذا التراجع في شعبيتهم، عبر المؤسسة القضائية، لتنفيذ أول انقلاب على المسار الديمقراطي بحل البرلمان في يونيو 2012، مع رفض الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، كما أوضحنا في الجزء الثاني. وبعد نجاح هذه الخطوة، بات الطريق ممهداً لتكرار السيناريو نفسه مع محمد مرسي، بما يتيح له استعادة السيطرة الكاملة على السلطة، تمهيداً لشن الثورة المضادة والقضاء على ثورة يناير.
أما التحدي الثاني، فتمثل في أن محمد مرسي، منذ وصوله إلى الرئاسة، واصل السياسات والإخفاقات نفسها التي وقع فيها البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية، وهو ما تسبب في خيبة أمل ربما كانت أكبر من تلك التي أثارها أداء البرلمان. فقد كان ملايين المصريين، ولا سيما أبناء الطبقة العاملة والفئات الفقيرة، وبينهم كثيرون ممن صوتوا لمرسي، يأملون أن ينجح في تحقيق ما عجز عنه البرلمان، عبر الاستجابة لمطالبهم وتحسين أوضاعهم المعيشية. لكن مع استمرار عجزه عن ذلك، تحولت خيبة الأمل إلى موجة غضب متصاعدة، تجلت في الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات التي أخذت في الاتساع منذ أواخر عام 2012. ولم يكن على الجماهير أن تنتظر طويلاً قبل أن تدرك ضرورة العودة إلى النضال من أجل انتزاع مطالبها المشروعة.
لذلك، تمثلت المعضلة في كيفية رسم مسار للنضال الجماهيري يهدف إلى إسقاط جماعة الإخوان المسلمين ورئيسها محمد مرسي، دون منح المجلس العسكري الذريعة لتنفيذ انقلابه الحاسم والعودة إلى السلطة. فقد وجدت الثورة نفسها مضطرة إلى تحقيق هدفين متلازمين: أحدهما سلبي، تمثل في إسقاط محمد مرسي والإخوان المسلمين؛ والآخر إيجابي، تمثل في النضال من أجل فرض انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، بما يضمن بقاء الجيش خارج السلطة، ويحول دون عودته إلى الحكم.
ومن ثم، كان على الحركة أن تتبنى شعارات سياسية تحمل رسالة واضحة: «انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة فورًا... لا لمحمد مرسي والإخوان… لا لتدخل الجيش.»
وفي ظل تبني الحركة الثورية لهذا الإطار، كان عليها أن تبادر، منذ اللحظة الأولى لإطلاق حملة "تمرد"، إلى مساءلة قياداتها حول طبيعة مشروعها السياسي. فإذا كانت الحملة قد انطلقت بعريضة تندد بمحمد مرسي وتطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فلماذا ينصب تركيزها كله على مرسي والإخوان المسلمين؟ ولماذا لا تطالب، في الوقت نفسه، بإخراج المجلس العسكري من الحياة السياسية؟ ولماذا اقتصرت مطالبها على انتخابات رئاسية مبكرة، من دون المطالبة أيضاً بإجراء انتخابات برلمانية جديدة؟ فكان ينبغي مطالبة قيادات "تمرد" بإضافة شعار واضح إلى حملتها يقول: «لا للعودة إلى الحكم العسكري... انتخابات برلمانية جديدة الآن.»
فإذا رفضت قيادات حركة "تمرد" إضافة هذا الشعار إلى حملتها، لكان ذلك كفيلاً بكشف تواطؤها مع مسعى المجلس العسكري لاستعادة السلطة. وفي هذه الحالة، كان على الحركة الثورية أن تدين هذا الموقف، وأن تحذر الجماهير من قيادات "تمرد"، وأن تدعو إلى تشكيل جبهة موحدة تتبنى شعارات مثل: «انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة فورًا... رحيل محمد مرسي والإخوان... لا لتدخل المجلس العسكري.»
ازدادت الحاجة إلى تشكيل مثل هذه الجبهة، وأصبحت ضرورةً حيوية، عندما استبدلت قيادات "تمرد" مطلب إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بالدعوة إلى استبدال محمد مرسي برئيس المحكمة الدستورية العليا. ففي تلك اللحظة، كان على الحركة الثورية أن توضح للجماهير أن هذا المطلب لم يكن يعني سوى الدعوة إلى الانقلاب على آخر منصب سياسي منتخب ديمقراطيًا، وإعادة تركيز السلطة بالكامل في يد المجلس العسكري والمؤسسة القضائية.
ولم يكن هذا الموقف يقتصر على حركة "تمرد" وحدها، بل كان لا بد من خوض معركة سياسية على كل المستويات، داخل الأحزاب والحركات السياسية، وداخل النقابات المستقلة والحكومية، من أجل رفض الدعوة إلى استبدال محمد مرسي برئيس المحكمة الدستورية العليا، والتمسك بشعارات مثل: «انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة الآن... رحيل محمد مرسي والإخوان... لا لتدخل المجلس العسكري.»
وفي حال رفضت قيادات هذه الأحزاب أو الحركات أو النقابات تبني هذه الشعارات، كان لا بد من خوض نضال سياسي حازم من أجل استبدالها بقيادات أخرى تتبنى هذا المسار.
فكان لابد من خوض معركة على كل المستويات داخل كل حركة ومنظمة سياسية وحزب وداخل النقابات المستقلة والحكومية لرفض دعوة استبدال محمد مرسي برئيس المحكمة الدستورية العليا والتمسك بتبني شعارات: انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة الآن.. رحيل الإخوان المسلمين.. لا لتدخل المجلس العسكري وفي حال رفضت قيادات تلك المنظمات والنقابات تبني هذه الشعارات كان لابد من تشكيل قيادة جديدة وشن نضال فوري وحازم لاستبدال تلك القيادات.
وكانت الهيمنة الدائمة للجماهير على الشوارع والميادين، مع استمرار التعبئة والمظاهرات، كفيلة بإجبار محمد مرسي، عاجلًا أم آجلًا، على القبول بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، من دون منح المجلس العسكري فرصة التدخل واستعادة السلطة.
أما الادعاء بأن لجوء جماعة الإخوان المسلمين إلى العنف كان من شأنه إجهاض المظاهرات، وأن نشر الجيش دباباته وقواته في شوارع القاهرة والمحافظات يوم 26 يونيو، قبل مظاهرات 30 يونيو بأربعة أيام، جاء لحماية المتظاهرين، فلا يعدو كونه ترديداً للرواية التي روج لها النظام لتبرير تدخله العسكري. ويكفي النظر إلى الوقائع لإدراك بطلان هذا الادعاء، وذلك لسببين.
أولهما أن تدخل الجيش ونشر قواتة في الشوارع المصرية لم يكن يوماً لحماية الشعب أو المتظاهرين، بل لحماية النظام وتثبيت أركانه ومنع سقوطه أمام موجات الاحتجاج والانتفاضات المتعاقبة. ولهذا ارتكبت المؤسسة العسكرية، عبر العقود، عشرات المجازر والانتهاكات بحق الشعب المصري كلما رأت أن بقاء النظام أو استقراره بات مهدداً.
وثانيهما أن هذا الطرح يفتقر إلى أي أساس موضوعي. فالشعب المصري الذي واجه، خلال الأيام الممتدة من 25 إلى 28 يناير 2011، جهاز الشرطة في مختلف المحافظات، بكل ما امتلكه من عدة وعتاد وتشكيلات تضم الأمن المركزي وقوات مكافحة الشغب والوحدات الخاصة، لم يُهزم، ولم تنجح أجهزة القمع في القضاء على التظاهرات. بل على العكس، استطاعت الجماهير فرض إرادتها وإلحاق الهزيمة بالشرطة، رغم المجازر التي ارتكبتها بحق المتظاهرين، والتي خلفت مئات الشهداء.وهو ما اضطر النظام، في مساء 28 يناير، إلى نشر الجيش لاحتواء الموقف ومنع انهياره بعد عجز الشرطة عن السيطرة على الشارع واضطرارها إلى الانسحاب.
فإذا كانت أجهزة الدولة الأمنية، بكل ما امتلكته من تنظيم وتسليح وخبرة، قد فشلت في كسر الحركة الجماهيرية، فهل يتصور عاقل أن مجموعات من الإخوان المسلمين، لا تمتلك عُدَّة ولا عتاداً ولا تشكيلات مدربة قادرة على خوض مواجهة بهذا الحجم، كانت ستنجح – بافتراض أنها قررت اللجوء إلى العنف – في إجهاض التظاهرات والقضاء على موجة التعبئة الشعبية ضدها؟ بالطبع لا.
لذلك، أكرر هنا أن الحركة الجماهيرية المتصاعدة آنذاك كان بمقدورها إسقاط محمد مرسي والإخوان، واستكمال المسار الثوري الذي بدأ في يناير 2011، بما يتضمنه من إخراج الجيش من السياسة، وإنهاء تدخله في الحياة المدنية وهيمنته على الاقتصاد والدولة، والدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة. غير أن تحقق هذا المسار كان يتوقف على شرط ذاتي ارتبط بمواقف النخب السياسية والثورية التي كانت تتصدر المعارضة في ذلك الوقت.
فقد قبلت القوى الليبرالية والناصرية تدخل الجيش في الصراع السياسي، ولم تسعَ إلى رفضه أو معارضته، انطلاقاً من تصور مفاده أن المؤسسة العسكرية تمثل الضامن الرئيسي لمصالحها الطبقية. وبناءً على ذلك، بات كثير منها ينظر إلى الجيش باعتباره حليفاً يمكن الاستفادة منه في معركة إزاحة الإخوان المسلمين من السلطة. وقد استند هذا التصور إلى وهم مفاده أن المؤسسة العسكرية أدركت خطأ تحالفها السابق مع الإخوان، وأنها عازمة هذه المرة على التدخل لعزلهم وتقاسم السلطة مع القوى المدنية، ممثلة في شخصيات مثل حمدين صباحي وعمرو موسى ومحمد البرادعي وغيرهم من قادة المعارضة آنذاك.
لم تكتفِ النخب السياسية بقبول تدخل الجيش في الصراع السياسي أو التغاضي عنه، بل ساهمت بصورة مباشرة في إضفاء الشرعية عليه والترويج له. ومع الوقت، انتقلت هذه الرؤية إلى قطاعات واسعة من الحركة الجماهيرية نفسها، التي جرى دفعها تدريجياً نحو حالة من الشوفينية الوطنية والاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية، باعتبارها المخلِّص القادر على إنقاذ البلاد من حكم الإخوان.
وبدلاً من أن تُوظَّف حالة الغضب الشعبي المتصاعدة في مواصلة الضغط الجماهيري، واستكمال المسار الثوري، وترسيخ الممارسة الديمقراطية بالدعوة إلى الانتخابات، جرى توجيهها نحو دعم تدخل الجيش ومنحه الغطاء الشعبي والسياسي اللازم للانقضاض على السلطة.
وهكذا انتهى الأمر بقطاعات واسعة من الحركة الجماهيرية إلى تأييد الانقلاب والثورة المضادة، لا باعتبارهما انقلاباً على أهداف الثورة، بل باعتبارهما استكمالاً لها، وهو الوهم الذي لعبت النخب السياسية والثورية دوراً رئيسياً في ترسيخه وتعميمه، قبل أن تستيقظ على نتائجه بعد فوات الأوان، ودون أن تعترف بمسؤوليتها عما آلت إليه الأمور، أو بالدور الذي لعبته في دفع الحركة الجماهيرية إلى هذا المسار.
أقول إنه لو كانت قد تشكلت في مصر جبهة معارضة تدعو إلى إسقاط محمد مرسي والإخوان المسلمين، لكن على أرضية حماية المكتسبات الديمقراطية ومنع الجيش من الانقضاض على السلطة، وذلك من خلال تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة وانتخابات برلمانية جديدة، لكان بالإمكان تصور مسار مختلف تماماً عن ذلك الذي انتهت إليه البلاد.
وذلك عبر تبني موقف رافض للخطوات الأولى التي اتخذها المجلس العسكري على طريق الانقلاب، مع التمسك في الوقت نفسه بمسار إسقاط الإخوان المسلمين، بوصفهم شركاء المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية، بعد أن كشفت تجربة حكمهم تمسكهم بنمط اقتصادي رأسمالي بنسخته النيوليبرالية، وزيف شعاراتهم وطابعها الرجعي والطائفي، لكن على أن يتم إسقاطهم على أرضية استكمال الثورة وتعزيز الممارسة الديمقراطية لا إلغائها، مع تجريد المجلس العسكري من كل امتياز أو سلطة تسمح له بالتدخل أو التأثير في السياسة، وذلك بفرض انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة وفق مسار ديمقراطي حقيقي يخضع لإشراف ورقابة المواطنين.
ربما كانت جبهة معارضة كهذه ستظل أقلية في ذلك الوقت، في مواجهة تيار واسع كان يدعم تدخل الجيش لحسم الصراع مع الإخوان، ضم جبهة الإنقاذ وفلول نظام مبارك وحملة «تمرد» وحركات "ثورية" وتنسيقية 30 يونيو وغيرها من القوى التي رأت في المؤسسة العسكرية حليفاً أو منقذاً. وقد حظي هذا الاتجاه بدعم ورعاية أجهزة الأمن والمخابرات، سواء عبر إعادة تنشيط شبكات الفلول التي لعبت دوراً مهماً في التعبئة داخل المحافظات المختلفة، أو عبر تسهيل تدفق الدعم المالي والإعلامي الذي ساعد «تمرد» على التوسع والانتشار.
لكن كان وجود مثل هذه الجبهة المعارضة كفيلاً بتغيير مسار الأحداث، أو على الأقل عرقلة صعود الثورة المضادة بالصورة التي شاهدناها لاحقاً وما ترتب عليها من مذابح وقمع واسع النطاق. وفي أفضل الأحوال، كان بإمكان هذه الجبهة دفع الحركة الجماهيرية إلى مواصلة التصعيد والتعبئة ضد بقاء كل من سلطة محمد مرسي والمجلس العسكري، وإجبار محمد مرسي على القبول بانتخابات رئاسية مبكرة، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، على أرضية استكمال الثورة لا تصفيتها، عبر تشكيل سلطة تستند إلى الآليات الديمقراطية، وعلى أساس إخراج المؤسسة العسكرية من السياسة، ورفض تدخلها في الحياة المدنية، واستكمال تفكيك ما تبقى من دولة مبارك ومراكز نفوذها، وفي مقدمتها فلول النظام القديم، والقضاة الذين لعبوا أدواراً سياسية في حماية النظام وإعادة إنتاجه.
وهو ما كان من شأنه أن يفتح الباب أمام انتقال للسلطة تفرضه الجماهير من أسفل، لا انتقالاً تديره المؤسسة العسكرية من أعلى، بما يكرس هيمنتها المطلقة على الحياة السياسية، وأن يجعل واقعنا اليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً، مختلفاً تماماً. فبدلاً من ثلاثة عشر عاماً من الثورة المضادة، وتعميق الاستبداد، وتوسيع هيمنة المؤسسة العسكرية على السياسة والاقتصاد والمجتمع، ربما كنا قد قطعنا شوطاً مهماً في مسار التحرر الوطني والديمقراطية الشعبية، التي تمارس الجماهير فيها هيمنة دائمة على السلطة من خلال استدامة الحق في انتخاب المسؤولين وعزلهم، وهو ما كان كفيلاً بتعميق المسار الثوري، وتقويض أسس النظام الاستبدادي، وإرساء قواعد التداول السلمي للسلطة.
وكان ذلك ممكناً من خلال تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة وبرلمانية جديدة، يحق للإخوان المسلمين أنفسهم المشاركة فيها، سواء عبر ترشيح محمد مرسي مرة أخرى أو الدفع بمرشح آخر. فاستدامة العملية الديمقراطية هو الذي كان بمقدوره أن يتيح للجماهير التعلم من تجربتها السياسية، واختبار صدق واتساق ممارسة التيارات السياسية المختلفة مع ما تطرحه من شعارات، وتنمية وعيها الذاتي. أما الانقلاب، فقد أغلق هذا المسار بالكامل، واستبدل الصراع السياسي الديمقراطي المفتوح بصراع تُدار حدوده ونتائجه بواسطة أجهزة الدولة وأدوات القمع.
نعم، كان بمقدورنا الوصول إلى نتائج مختلفة، لكن ذلك كان مشروطاً بالسعي إلى منع الانقلاب ورفض تدخل الجيش في السياسة والتمسك بالمسار الديمقراطي. فالانقلاب لم يكن هدفه فقط إقصاء الإخوان المسلمين من السلطة، بل هدف إلى إطلاق ثورة مضادة عسكرية عنيفة كان الإخوان وأنصارهم أول ضحاياها، لكنهم لم يكونوا آخرهم.
فما لبث القمع أن تحول إلى سياسة عامة شملت مختلف التيارات السياسية، بما في ذلك قوى وشخصيات دعمت الانقلاب أو بررته أو راهنت عليه. ثم اتسع نطاقه تدريجياً ليطال المجتمع بأسره، مع إعادة بناء منظومة الاستبداد على أسس أكثر صلابة واتساعاً مما كانت عليه قبل عام 2011.
أعاد الانقلاب والثورة المضادة إنتاج الشروط نفسها التي فجّرت ثورة يناير 2011 في المقام الأول: الاستبداد، وغياب الرقابة الشعبية، وتغول الأجهزة الأمنية، وسياسات إرهاب الدولة، والفساد، وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. لكنهما أعادا إنتاج هذه الشروط هذه المرة في صورة أكثر قسوة وعنفاً واتساعاً.
خاتمة
إن إعادة إنتاج الديكتاتورية لا يمكن أن تؤدي في النهاية إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة السياسية ذاتها، بصورة أو بأخرى. فالتجارب التاريخية تُظهر أن أكثر الأنظمة الاستبدادية قدرةً على البقاء لم تتمكن من إلغاء التناقضات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها سياساتها، بل نجحت فقط في تأجيل انفجارها لبعض الوقت.
ولهذا تبدو الديكتاتورية العسكرية، حين تقترن بالفساد الواسع وتدهور الأوضاع المعيشية وغياب الرقابة الشعبية، أقرب إلى مسار تتكرر نتائجه أكثر مما تبدو استثناءً تاريخياً. فهذه الشروط تنتج، في نهاية المطاف، أزمة سياسية واجتماعية متفاقمة، تفتح الباب أمام موجات جديدة من الاحتجاج والانفجار الشعبي.
واليوم، أعتقد أننا نقف بالفعل في قلب مثل هذه الأزمة. فبعد أكثر من عقد على الانقلاب، لم تختفِ الأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى الثورة، بل أُعيد إنتاجها في صورة أكثر حدة واتساعاً.
وكما يحدث كلما دخل النظام في أزمة عميقة، وواجه خطر فقدان السيطرة نتيجة خروج الجماهير إلى الشوارع، وكسر حاجز الخوف، وتحدي أدوات القمع، فمرة أخرى ستسعى المؤسسة العسكرية إلى التدخل لاحتواء الوضع، وحماية النظام، ومنع انهياره الكامل.
وحين يحدث ذلك، سيظهر ضابط جديد يرى في الأزمة فرصة للصعود إلى السلطة، كما سيجد من بين القوى السياسية من يمنحه الغطاء السياسي اللازم، من سياسيين انتهازيين سيسعون إلى ركوب الموجة والاستفادة منها لحماية مصالحهم وتوسيعها. وقد يكون هؤلاء من الوجوه القديمة نفسها، أو وجوهاً جديدة تعيد إنتاج المنطق ذاته تحت شعارات مختلفة.
فإن كان هناك درس علينا جميعاً أن نكون قد تعلمناه، فهو أن حدوث تغيير حقيقي في بلادنا في اتجاه إرساء قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة مرهون بأن يكون الشعب هو مصدر السلطة، لا فوهات البنادق. وذلك لن يتحقق إلا بخروج الجيش من السياسة، والتوقف عن نشر الدبابات في الشوارع مع اندلاع الأزمة القادمة نتيجة فشل النظام وخروج الناس إلى الشوارع من جديد وتجاوزهم حاجز الخوف. وبالطبع، فإن ذلك مرهون أيضاً بتوقف مختلف القوى السياسية عن محاولة إقصاء منافسيها عبر الاستقواء بالجيش والتحالف معه، لا عبر صناديق الاقتراع.
01/07/2026
الجزء الثاني: تهيئة مسرح العمليات لانقلاب 2013
بقلم: حسن مصطفى
كانت المعادلة التي اعتمد عليها نظام حسني مبارك وبقية جمهوريات القمع العربية في حكم شعوب المنطقة تقوم على الترويج لفكرة أن البديل عن أنظمتهم القمعية هو صعود جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة. وقد استخدمت تلك الأنظمة هذه الجماعات بوصفها فزاعات، سواء أمام شعوبها في الداخل أو أمام الخارج، لتبرير استمرار الإجراءات الاستثنائية وتغييب الديمقراطية.
ومع صعود ثورات الربيع العربي، انتقلت هذه المعادلة من مستوى الدعاية والتخويف إلى مستوى التطبيق العملي. فقد أصبحت تمثل خطة أنظمة الاستبداد العربي، وطوق نجاتها في مواجهة الثورات، لقطع الطريق أمام شعوبها، ومنع سقوطها، وإعادة تثبيت سلطتها عبر سحق الثورة.
وكي يتمكن المجلس العسكري من تنفيذ تلك الخطة، كان عليه أن يقوم بعدة خطوات تسمح له بدفع الصراع في اتجاه يُصوَّر على أنه صراع بين الدولة الوطنية وجماعات الإسلام السياسي الأصولية، وذلك على طريق تهيئة مسرح العمليات للمعركة النهائية التي بات العسكريون يرونها ضرورية لحسم الصراع عبر الانقلاب، وإغراق المجتمع في دوامة من العنف، بما يمكّنهم من استعادة هيمنتهم.
وعبر التفاهمات التي أجراها المجلس العسكري مع الإخوان المسلمين حول إدارة المرحلة الانتقالية، تمكن من الحفاظ على مكتسباته وامتيازاته، والتي شملت الإبقاء على المحاكمات العسكرية للمدنيين، واستمرار النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية بعيداً عن أي رقابة، وتضمين ميزانية الجيش في الموازنة العامة كبند واحد تحت عنوان "الدفاع والأمن القومي"، بما يعني عملياً استبعادها من رقابة البرلمان، إلى جانب الإبقاء على أهم مفاصل السلطة تحت هيمنته، وفي مقدمتها المؤسسة القضائية، عبر الإبقاء على قضاة مبارك في مناصبهم. وهو ما أتاح له التأثير في العملية السياسية وتوجيهها. فبرغم سماحه بإجراء انتخابات أكثر ديمقراطية مما كانت عليه في عهد مبارك، فإنها جرت بطريقة مكّنته من الانقلاب على نتائجها.
فبدلاً من سن قانون للانتخابات البرلمانية يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، سواء من حيث تمويل الحملات الانتخابية أو فرص الوصول المتساوية إلى وسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية، ويحد من التدخل الخارجي في العملية السياسية، سمح المجلس العسكري لأنظمة الخليج الرجعية بضخ تمويلات ضخمة لصالح الأحزاب الإسلامية الأصولية، ومنحها حضوراً إعلامياً واسعاً، وهو ما أخل بتكافؤ الفرص داخل العملية الانتخابية، وأسهم في فوزها بأغلبية ساحقة في البرلمان الجديد.
وكما كان متوقعاً، لم يتجه البرلمان الجديد إلى سن تشريعات تعالج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت ملايين المصريين إلى الثورة، أو إلى تحقيق العدالة لجرائم النظام السابق وقتلة الثوار. بل انصرف إلى مناقشة قوانين وقضايا ذات طابع رجعي، أثارت استياء قطاعات واسعة من الرأي العام، وعمّقت حالة الإحباط والغضب تجاهه. ولهذا، حين أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها بحل البرلمان في 14 يونيو 2012، وأعادت السلطة التشريعية إلى المجلس العسكري من دون الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، لم تشهد البلاد احتجاجات جماهيرية تُذكر دفاعاً عنه، رغم أن ما جرى مثّل، في جوهره، أول انقلاب على مؤسسة منتخبة أفرزتها ثورة يناير، وقد مرّ من دون مقاومة سياسية أو جماهيرية تُذكر.
وقد سهّلت مقاطعة قطاع من القوى الثورية للانتخابات البرلمانية، أو انسحاب بعضها منها، ومن بينها كاتب هذه السطور، احتجاجاً على المجازر التي ارتكبها الجيش والشرطة بحق المتظاهرين في شارع محمد محمود، مهمة المجلس العسكري في الانقلاب على البرلمان عبر حله. ولو تمكنت أقلية من النواب الثوريين من دخول البرلمان، وخاضت من داخله نضالاً من أجل تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية الملحة للجماهير، إلى جانب الدفاع عن المطالب الديمقراطية، لكان من الممكن أن يتبلور بديل مدني حقيقي في مواجهة الإسلاميين. وكان من شأن ذلك أن يدفع قطاعات أوسع من الجماهير إلى إدراك أهمية الدفاع عن البرلمان، والمطالبة بإجراء انتخابات برلمانية جديدة فوراً، ورفض عودة السلطة التشريعية إلى قبضة المجلس العسكري.
وبذلك نجح المجلس العسكري، بمساندة القضاء، في حل البرلمان من دون أن يثير ذلك انتفاضة شعبية جديدة، كما نجح في تحويل اهتمام الجماهير إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة بوصفها الاستحقاق السياسي التالي. وفي الوقت نفسه، عمل على هندسة تلك الانتخابات وتوجيهها بما يضمن وصولها إلى النتيجة التي أرادها، عبر تزوير الجولة الأولى لضمان انتقال أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، إلى جولة الإعادة في مواجهة محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين.
وقد كشفت الطعون التي تقدم بها كل من حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح وخالد علي عن وقائع عديدة تتعلق بتزوير الجولة الأولى، كان أهمها تضخيم عدد الأصوات التي جرى احتسابها لصالح شفيق، إذ إن استبعاد هذه الأصوات كان سيجعل حمدين صباحي الفائز في الجولة الأولى، لتصبح الإعادة بينه وبين محمد مرسي.
ومع ذلك، رفض القضاء تلك الطعون، حتى يستمر المجلس العسكري في توجيه الصراع نحو الصورة التي أرادها، بحيث يُصوَّر الصراع باعتباره صراعاً بين الدولة الوطنية وجماعات الإسلام السياسي الأصولية.
لاحقاً، في أواخر عام 2012، بدأ الجنرال السيسي والمجلس العسكري في تنفيذ خطوة جديدة على طريق استعادة الهيمنة الكاملة على المشهد السياسي المصري، وذلك عبر اختبار حجم المقاومة التي قد يواجهها أي تدخل مباشر للمؤسسة العسكرية على الأرض. وجاء ذلك عقب اعتداء أنصار محمد مرسي على المتظاهرين أمام قصر الاتحادية يومي 4 و5 ديسمبر 2012، وهي الأحداث التي دفعت بعض النشطاء والفاعلين السياسيين إلى توجيه دعوات للشرطة والجيش للتدخل لحمايتهم من اعتداءات أنصار الجماعة.
التقط السيسي هذه اللحظة واستثمرها سياسياً، فعقد المجلس العسكري اجتماعاً في 8 ديسمبر برئاسته بصفته القائد العام للقوات المسلحة، وذلك في غياب محمد مرسي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. ولم يكن هذا المشهد يحمل دلالة إجرائية فحسب، بل حمل أيضاً رسالة سياسية واضحة، مفادها أن المجلس العسكري بات يتصرف باعتباره فاعلاً سياسياً مستقلاً عن مؤسسة الرئاسة.
وكان لهذا المشهد دلالة إضافية لا يمكن تجاهلها، إذ سبق أن شهدت مصر واقعة مشابهة عشية تنحي حسني مبارك، عندما انعقد المجلس العسكري في 9 فبراير 2011 برئاسة المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة، في غياب مبارك، القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، قبل يومين فقط من إعلانه التنحي. ولهذا بدت خطوة السيسي، بالنسبة لكثيرين، وكأنها تذكير متعمد بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تحتفظ لنفسها بحق التدخل الحاسم في تقرير مصير السلطة السياسية في البلاد.
وكان لهذا المشهد دلالة إضافية لا يمكن تجاهلها، إذ سبق أن شهدت مصر واقعة مشابهة عشية تنحي حسني مبارك، عندما انعقد المجلس العسكري في 9 فبراير 2011 برئاسة المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة، في غياب مبارك، القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، قبل يومين فقط من إعلانه التنحي. ولهذا بدت خطوة السيسي بالنسبة لكثيرين وكأنها تذكير متعمد بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تحتفظ لنفسها بحق التدخل الحاسم في تقرير مصير السلطة السياسية في البلاد.
لم تعلن أي من القوى السياسية الرئيسية موقفاً يدين انعقاد المجلس العسكري في غياب الرئيس المنتخب، أو يرفض إصداره بياناً يتدخل بصورة مباشرة في الأزمة السياسية القائمة، أو يعترض على دعوة السيسي للقوى السياسية إلى حوار برعاية القوات المسلحة. بل على العكس، لم ترَ غالبية القوى الليبرالية والناصرية، وبالطبع فلول النظام السابق، في هذه الخطوات ما يستدعي الاعتراض أو الإدانة.
فبالنسبة لمحمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى وغيرهم من قادة جبهة الإنقاذ آنذاك، لم يكن تدخل الجيش في الحياة السياسية يمثل مشكلة مبدئية في حد ذاته، ما دام يجري في اتجاه إزاحة سلطة محمد مرسي وتقويض نفوذ الإخوان المسلمين.
وحين لم يظهر في البلاد أي موقف سياسي جدي يرفض تدخل الجيش في الأزمة أو يدين انعقاد المجلس العسكري في غياب الرئيس المنتخب، أو يعترض على دعوته للحوار وإصداره بيان 8 ديسمبر، باستثناء بعض الأصوات الفردية المحدودة التي استوعبت مبكراً ما كانت تشير إليه هذه التحركات، والتي جرى تهميشها، بل ومهاجمتها لاحقاً.
أدرك السيسي أن الطريق بات ممهداً أمامه للمضي قدماً واتخاذ خطوات أخرى على طريق الانقلاب. فقد كشفت له تلك اللحظة أن قطاعاً واسعاً من القوى السياسية بات مستعداً للتعامل مع الجيش باعتباره طرفاً فاعلاً في إدارة الصراع السياسي، بل إن بعض هذه القوى أخذ يراهن عليه بصورة متزايدة في معركته مع محمد مرسي والإخوان المسلمين. ومنذ ذلك الحين أصبح بإمكانه العمل على دفع حالة السخط والتعبئة الجماهيرية ضد الجماعة تدريجياً إلى أقصى مداها، تمهيداً للانقضاض على السلطة وإزاحة محمد مرسي وتنفيذ الانقلاب، ربما بوتيرة أسرع مما كان يتصور هو نفسه قبل أن يختبر ردود الفعل على خطواته.
"تمرد": هل صنعتها المخابرات؟ أم استولت عليها؟
لا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل فارقاً حاسماً في فهم ما جرى. فسواء كانت "تمرد" قد نشأت ابتداءً بمبادرة من المخابرات، أو كانت حركة حقيقية جرى احتواؤها وتوجيهها لاحقاً، فإن النتيجة في الحالتين كانت واحدة؛ إذ تحولت الحملة إلى أداة سياسية في يد المخابرات، استُخدمت للسطو على الحركة الجماهيرية المتصاعدة، وتوجيهها نحو دعم الانقلاب العسكري والثورة المضادة، بدلاً من تعميق المسار الديمقراطي.
حصلت "تمرد" على دعم إعلامي ومالي ضخم مكّنها من لعب دور محوري في تعبئة الجماهير ضد محمد مرسي والإخوان المسلمين، وتوجيه حالة السخط الشعبي المتصاعدة في مسار سياسي محدد. ففي بداياتها رفعت الحملة شعار الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة باعتباره مخرجاً للأزمة السياسية المتفاقمة، غير أن هذا الشعار لم يلبث أن تحول إلى مطلب واحد، تمثل في عزل محمد مرسي ونقل السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا.
ولم يكن هذا التحول تفصيلاً ثانوياً. فالدعوة إلى نقل السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية، بعد تغييب أي دور لمؤسسات أو هيئات منتخبة ديمقراطياً، كانت تعني عملياً نقل مركز الثقل السياسي من المؤسسة المنتخبة الوحيدة المتبقية بعد حل البرلمان إلى مؤسسات الدولة القديمة التي ظلت خارج نطاق التغيير منذ سقوط مبارك. وهو ما كان عملياً عودة إلى هيمنة المؤسسة العسكرية بوصفها الضامن الفعلي لهذا الانتقال، وهو ما جعل هذا المسار، عملياً، خطوة متقدمة على طريق تهيئة الانقلاب.
وسواء كانت "تمرد" صنيعة للمخابرات منذ البداية أم جرى الاستيلاء عليها وتوجيهها لاحقاً، فلا أقصد أن جميع أعضائها ومنتسبيها كانوا عملاء أو متعاونين مع أجهزة الدولة. فمثل هذا الاستنتاج تبسيطي، ولا يستقيم مع طبيعة الحركات السياسية والجماهيرية. إذ يكفي أن تكون الحلقة القيادية الضيقة والمؤثرة خاضعة لهذا التأثير أو ذاك، حتى تتمكن من توجيه الحركة بأكملها في الاتجاه الذي رُسم لها.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على تلك الأحداث، تبدو نتائج ذلك أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالأسماء التي كانت تتصدر قيادة "تمرد" في تلك المرحلة انتهى بها المطاف داخل مؤسسات النظام نفسه، بين مقاعد البرلمان وأبواق الدفاع عن السلطة العسكرية وديكتاتور السيسي. بينما كان نصيب كثير من الذين حذروا مبكراً من ارتباط الحركة بأجهزة الدولة، أو كشفوا طبيعة الدور الذي كانت تؤديه، الملاحقة الأمنية أو السجن.
وربما، في المستقبل، حين يسقط النظام ويجري الاستيلاء على مقرات المخابرات، وفحص ما يحتويه أرشيفها، والتحقيق مع الضباط الضالعين في تلك المرحلة والمشرفين عليها، سيكون بمقدورنا أن نجزم بحجم وطبيعة الدور الذي أدته "تمرد". لكن ما نستطيع أن نجزم به الآن هو الجهة التي استفادت في النهاية من نشاطها السياسي والتعبوي.
دور جبهة الإنقاذ في التمهيد للانقلاب
لم تظهر "تمرد" في فراغ، بل كانت الرافعة الشعبية المدعومة من الطبقة السياسية، ممثلة في جبهة الإنقاذ، التي كان أطرافها يعتبرون أنفسهم قوى "مدنية". غير أن مفهومهم لمدنية الدولة كان مفهوماً غامض المعالم؛ فهم يرفضون استخدام الدين في السياسة حين يمارسه الإخوان المسلمون، بينما يتقبلونه، أو يتماهون معه، حين توظف الدولة الاستبدادية العسكرية الشعارات الدينية لخدمة مصالحها.
وبالقدر نفسه الذي اتسم به مفهومهم لمدنية الدولة بالغموض في مواجهة الدولة الدينية، اتسم أيضاً بازدواجية واضحة في المعايير حين تعلق الأمر بالدولة العسكرية أو بالحكم العسكري. فقد رفضوا الدولة الدينية، لكنهم لم يتبنوا الموقف نفسه من تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
وهو ما عنى بالنسبة لأطراف جبهة الإنقاذ أن تدخل الجيش لإزاحة الإخوان المسلمين لم يكن يمثل مشكلة مبدئية. وقد مثل هذا الموقف فرصة ذهبية للقوة العسكرية الأكثر تنظيماً وتسليحاً في المجتمع، ممثلة في المجلس العسكري، وهي الفرصة التي سعى إلى تهيئة شروطها منذ بداية الثورة، كي يستعيد موقعه بوصفه المهيمن الرئيسي على السياسة المصرية، علماً بأن المجلس العسكري لم يكن قد جُرد أصلاً من امتيازاته أو من هيمنته على مفاصل الدولة، بفضل الصفقة التي عقدها مع الإخوان، والتي وفرت له الحماية والحصانة منذ الإطاحة بمبارك في فبراير 2011.
وحين تأكد للمجلس العسكري أن قطاعات واسعة من الطبقة السياسية باتت مستعدة لتوفير الغطاء السياسي لتدخله، بعد أن نجح في تصوير الصراع باعتباره صراعاً بين الدولة الوطنية وجماعات الإسلام السياسي الأصولية، وتأجيج حالة السخط الشعبي ضد الإخوان إلى مستويات غير مسبوقة منذ وصولهم إلى السلطة، انتقل من سياسة المناورة وتهيئة مسرح العمليات إلى السعي المباشر لاستعادة السلطة. وبهذا تمكن من تنفيذ انقلاب عسكري بغطاء سياسي وشعبي واسع، مكّنه لاحقاً من شن الثورة المضادة الأكثر عنفاً ودموية في تاريخ مصر المعاصر.
غير أن اكتمال تهيئة مسرح العمليات للانقلاب لا يعني أن وقوعه بات حتمياً. فهل كان بالإمكان إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في آنٍ واحد؟ وهل كان ثمة مسار سياسي آخر من شأنه أن يغيّر مجرى الأحداث؟ هذا هو السؤال الذي يتناوله الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.
30/06/2026
الجزء الأول: كيف انتهى مسار ثورة يناير إلى انقلاب 3 يوليو 2013؟
بقلم/ حسن مصطفى
الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالماضي كما قد يتصور البعض، بل تتعلق بالحاضر وبالمستقبل الذي ما زال ذلك الماضي يشكله ويعيد إنتاجه. فتفكيك هذا الماضي وإعادة النظر في تحولاته الرئيسية يساعداننا على فهم كيف وصلنا إلى الوضع الكارثي الراهن، بما يسمح لنا برسم ملامح طريق للخروج منه وتغييره.
وذلك من خلال إعادة قراءة تلك المرحلة بشجاعة ونزاهة، على نحو يتيح لنا تقييم مواقفنا ومواقف مختلف الأطراف التي شاركت في تشكيل هذا المسار، والوقوف على نتائجها الفعلية، وطرح تساؤل عمّا إذا كان اختلاف المواقف كان كفيلاً بأن يقود إلى مسارات ونتائج مختلفة. فكما يقول كارل ماركس: "يصنع البشر تاريخهم بأنفسهم"، لكنه يضيف: "لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ فهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف قائمة بالفعل، معطاة لهم ومنقولة من الماضي."
فعندما احتشدت الجماهير في الميادين والشوارع في يناير 2011، وبدأت الطبقة العاملة في السيطرة على المصانع وأماكن العمل عبر الإضرابات، باتت الجماهير هي المسيطر الفعلي على البلاد. لكن غياب قيادة منظمة قادرة على رسم الطريق نحو انتزاع السلطة، من خلال تنظيم مجالس محلية تنتخب قيادة للجماهير، والبدء في بناء هياكل ديمقراطية مستقلة عن الدولة، حال دون ذلك.
فلو تشكلت هذه المجالس الديمقراطية، لكان بمقدورها إصدار البيان الثوري رقم (1)، الذي يدعو جنود الجيش إلى إعلان تضامنهم العلني مع الجماهير الثائرة، ورفض أي محاولة لاستخدامهم ضد الثورة، وهي الخطوة الأساسية التي كانت ستكسر شوكة الضباط. لكن، في ظل غياب تلك القيادة الثورية التي كانت الجماهير بحاجة إليها، انتظرت الجماهير ثمانية عشر يوماً حتى تستجيب السلطة لمطالبها، وهو ما سمح للمجلس العسكري بأخذ زمام المبادرة.
وبعد أن سمح المجلس العسكري لنظام مبارك بممارسة كل محاولات إخلاء الميادين بالقوة، أصدر بيانه العسكري الأول مدعياً زوراً أنه يقف إلى جانب الشعب. لكنه، في الحقيقة، كان قد أدرك أن الاحتفاظ بالسلطة يقتضي تقديم تنازلات للثورة، فأجبر مبارك على التنحي في 11 فبراير، ثم علّق العمل بالدستور، وحل مجلسي الشعب والشورى.
وقد أتاح احتفاظ المجلس العسكري بالسلطة واستمرار هيمنته على السياسة والمجتمع التحكم في مسار المرحلة الانتقالية بالشكل الذي مهد لخطوته التالية للقضاء على الثورة، والتي تمثلت في تفريغ الحالة الثورية التي أوجدتها، وإعادة منظومة القمع وهيمنة الدولة على الميادين والشوارع، وإعادة المواطن إلى جادة الطاعة والخنوع مرة أخرى، بما يضمن استمرار هيمنة سلطة الضباط على المجتمع.
فالثورة التي أحدثت زلزالاً سياسياً هائلاً استطاعت فقط أن تُحدث شرخاً في جدار سلطة الضباط، لكنها لم تتمكن من هدمه. وهو ما دفع الضباط إلى تنفيذ مناورة تراجع ناجحة في تكتيك حرب المواقع، أتاحت لهم احتواء الثورة وإعادة تنظيم صفوفهم، تمهيداً لهزيمتها وترميم جدار سلطتهم المتداعي.
أنتج هذا الوضع الناجم عن الثورة غير المكتملة حالةً من الغليان الثوري ظلت تموج بها البلاد طوال عامي 2011 و2012 وحتى النصف الأول من عام 2013. فمن ناحية، لم تطح الثورة بالنظام والأسس السياسية والاقتصادية التي يقوم عليها، بما يسمح بحدوث تغيير حقيقي في نمط العلاقات والأوضاع الاجتماعية والمعيشية. ومن ناحية أخرى، كانت جماهير الثورة والعمال تملؤها تطلعات مشروعة إلى تحسين أوضاعها، وهي تختبر للمرة الأولى قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث وصناعة واقعها بنفسها.
ولهذا لم يهدأ الوضع بعد سقوط مبارك، بل ظلت المظاهرات تملأ الشوارع والميادين، وانتشرت الاعتصامات والإضرابات في طول البلاد وعرضها. فقد كانت الثورة تخوض هي الأخرى حرب مواقع متواصلة ضد النظام القديم، لكن دون هيئة أركان مشتركة أو تخطيط مركزي ينسق معاركها ونضالاتها، ودون تصور سياسي واضح لما يمثّل انتصاراً حقيقياً للثورة أو للطريق المؤدي إليه.
في خضم هذه الأوضاع، برز إلى السطح تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، صاحب التوجه الاقتصادي الرأسمالي، والمكوّن لأحد أجنحة البرجوازية المصرية، وصاحب التوجهات الأصولية الرجعية والطائفية. وكانت الجماعة تُقاد من قبل تشكيلة من رجال الأعمال والمهنيين، يتقدمهم رجل الأعمال خيرت الشاطر، الذين دخلوا في سباق محموم للاستحواذ على مواقع السلطة التي خلّفها سقوط نظام مبارك وحزبه الوطني تحت وطأة الثورة.
وقد حكمت علاقة الجماعة بالمجلس العسكري آنذاك حالة من التجاذب والتنافر في آنٍ واحد؛ تمثلت في تقارب براجماتي أملته المصالح المشتركة لكل طرف في تلك اللحظة. فقد أراد الضباط ترميم سلطتهم المتآكلة واحتواء المد الثوري، بينما سعت الجماعة إلى مأسسة شرعيتها واقتناص أكبر حصة ممكنة من كعكة الحكم.
فشكّل الإخوان المسلمون، في هذا السياق، الدروع والكوابح التي استخدمها المجلس العسكري لتهدئة الشارع وتفريغ الحالة الثورية، وحرفها بعيداً عن استكمال الثورة بإسقاط سلطة المجلس العسكري نفسه، وتفكيك هيمنة المؤسسة العسكرية وأجهزتها الأمنية على المجتمع، وتقويض أسس الدولة الاستبدادية بصورة جذرية.
وقد تحقق ذلك من خلال الغطاء السياسي الذي وفره الإخوان للمجلس العسكري، والذي مكنه من وقف حالة التراجع والتنازلات التي أجبرته الثورة عليها، واستعادة توازنه تدريجياً عبر مسار من التسويات والتنازلات المتبادلة بين الطرفين، احتفظ فيه المجلس العسكري لنفسه باليد العليا، وبات الإخوان المسلمون يشكلون الجناح الثاني للثورة المضادة المصرية.
غير أن هذا التقارب المرحلي لم يكن قادراً على تذويب أو إلغاء التنافر الهيكلي الذي كان يضمره الضباط للإخوان المسلمين، وهو تنافر نتج عن عدة عوامل متداخلة؛ منها سمة الاستعلاء والصلف العسكري التي يضمرها العسكريون عموماً تجاه المدنيين في مصر، ومنها ما هو ذو طابع طبقي، ومنها أيضاً ما يرتبط بالعلاقة التي نشأت بين المؤسسة العسكرية والاحتلال الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، إذ كان تقاسم السلطة مع الإخوان من شأنه أن يشكل قيداً على تلك العلاقة.
سعى الضباط إلى الاستفادة من شراكتهم مع الإخوان في احتواء الثورة، باعتبار أن الجماعة كانت قادرة على التأثير بفاعلية في الشارع عبر توظيف الشعارات الدينية، وهو ما ظهر بوضوح في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011. ومع ذلك، كان الضباط في الوقت نفسه يتحينون الفرصة للتخلص من الجماعة وإقصائها بمجرد أن تفرغ من مهمتها، حتى يعودوا إلى الاستئثار المطلق بالسلطة كما اعتادوا منذ نشوء نظامهم عام 1952. وهكذا كانت الجماعة، في نهاية المطاف، بمثابة حفّار قبر الثورة المصرية، الذي دُفع هو نفسه إلى الحفرة التي حفرها بمجرد أن انتهى من مهمته.
وبينما نجح الضباط في حماية مكتسباتهم، ووقف تراجعهم أمام الثورة، وترميم سلطتهم التي تصدعت بفعلها من خلال استخدام الإخوان المسلمين، كانت الجماعة تواجه سخطاً شعبياً متصاعداً. فبعد أن أصبحت الواجهة السياسية الرئيسية للسلطة، وبات مطلوباً منها التعامل مع الأزمات البنيوية التي خلّفتها السلطة السابقة، فعلت ذلك وفق مسار وخيارات سياسية محددة تبنتها بنفسها.
وكان من أبرز هذه الخيارات توفير الحماية للمجلس العسكري، وقبولها بالتنازل عن أجزاء فعلية من السلطة لصالحه ولصالح المؤسسات الأمنية التابعة له، إلى جانب تبنيها سياسات اقتصاد السوق النيوليبرالية، التي كانت تعبر عن توجهها الاقتصادي، وهو ما دفعها إلى السير على خطى السلطة السابقة في طرح برامج التقشف والسعي إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بدلاً من الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي كانت قد دفعت ملايين المصريين إلى الثورة.
ساهم ذلك في تصاعد التعبئة ضد الجماعة، لكونها كانت، ظاهرياً، تتصدر مشهد السلطة، بينما كان الضباط يحتفظون بالسلطة الفعلية بين أيديهم. وقد أتاح لهم ذلك وضع المزيد من العراقيل في طريقها، وتعميق أزماتها، وزيادة تعثرها أمام الجماهير.
لكن أزمة الجماعة لم تكن نتاجاً لمناورات خصومها وحدها. فإلى جانب ذلك، اتسم خطابها بقدر كبير من الرجعية والطائفية، وانحيازها الواضح إلى الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي، كما سبق أن أشرنا، الأمر الذي أدى تدريجياً إلى توسيع دائرة خصومها واستعداء قطاعات متزايدة من القوى الاجتماعية والسياسية بحلول نهاية عام 2012.
غير أن تراجع شعبية الإخوان المسلمين، واتساع السخط الجماهيري ضدهم، لم يكن وحده ما قاد إلى الانقلاب. فالانقلاب لم يبدأ يوم تحركت الدبابات في الشوارع أو أُذيع البيان العسكري، بل بدأ قبل ذلك بكثير، عبر سلسلة من الخطوات السياسية والمؤسسية التي مهّدت له تدريجياً. وفي تقديري، لم تكن تلك الخطوات مجرد رد فعل على تطورات الأحداث، بل جاءت في إطار استراتيجية أوسع ورثها المجلس العسكري عن نظام حسني مبارك، ووضعها موضع التنفيذ بعد سقوطه. وكيف جرى تنفيذ هذه الاستراتيجية خطوةً بعد أخرى، هو ما سنتناوله في الجزء الثاني.