ⴰⵔⵉⴼ ⴰⴷⵍⵙⴰⵏ / Rif culturel /الريف الثقافي

ⴰⵔⵉⴼ  ⴰⴷⵍⵙⴰⵏ  / Rif culturel /الريف الثقافي

Compartir

cultura

11/02/2022

قريبا في الاسواق...
كتاب الغازات السامةضد عبدالكريم ،

خليد البرنوصي: ثْسافْث 23/05/2020

خليد البرنوصي: ثْسافْث خليد البرنوصي: ثْسافْث 2020-05-17 خليد البرنوصي جذوة من جذع البلوط تبقى حتى الفجر متقدة، هي نعمة من عند الله، لم يكن من نعم أفضل منها، لولاها لما كان للناس ان يعيشوا طويلا...

15/05/2020

بقلم الأستاذ :يوسف بناصرية

هل شاهدتَ علم جمهورية الريف؟

خالد: عفواً؟
ممثل النيابة العامة: إنه العلم الأحمر ذو السداسية!
خالد: أتقصد رمز مقاومة الاستعمار؟
هذا الحوار واقعي جرى في كانون الثاني/ يناير 2018، بين أحد نشطاء حراك الريف خالد بركة، والمحكمة التي عرضت عليه فيديو يظهر فيه بجانب علم جمهورية الريف، مبدياً افتخاراً برمز مقاومة منطقته للاستعمار الإسباني في بداية القرن العشرين.
محاكمة معتقلي الريف التي انطلقت في حزيران/ يونيو 2017، على خلفية احتجاجات هزّت شمال المغرب بين عامي 2016 و2017، عقب مقتل بائع سمك داخل شاحنة نفايات، لم تخلُ جلساتها من عرض تدوينات تضمنت اسم "جمهورية الريف"، ومرئيات أظهرت حمل "علم الجمهورية" في التظاهرات، وصور مؤسسها محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف ضد المستعمرَين الإسباني والفرنسي في عشرينيات القرن الماضي.
وفي 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، صادرت السلطات شحنة سمك "أبو سيف" غير مرخّص بيعه من محسن فكري. وعندما حاول بائع السمك منع عناصر الشرطة من إتلاف "ثروته" في حاوية للنفايات سقط داخلها وسحقته، ما أثار غضب أبناء مدينته الحسيمة، فانطلقت حركة احتجاجية امتدت إلى مناطق أخرى في شمال المغرب، وعُرفت بـ"حراك الريف".
خلال هذه المحاكمات، ساءلت المحكمة المعتقلين عن ملابسات حملهم للعلم ولصور الخطابي، وعن ذِكر بعضهم اسم الجمهورية في تدويناتهم على فيسبوك، ما أشعل جلسات المحاكمة في كثير من الأحيان، احتجاجاً على ما أسماها ناصر الزفزافي قائد الحراك "محاكمة للأمير مولاي محند (لقب الخطابي) الذي تأثر به زعماء حركات التحرر عبر العالم".
أثار علم جمهورية الريف حساسية تجاه كل مَن يعلن الاعتزاز به، أو يحمله في احتجاجات منطقته، رغم أن سقف مطالب المتظاهرين كان اجتماعياً ومنخفضاً، بل وصل الأمر بجهات عديدة إلى ربطه بتهمة "الانفصال".

محمد بن عبد الكريم الخطابي

عَلَم الخطابي.. انفصال أم هويّة ريفية!

في 18 أيلول/ سبتمبر 1921، تأسست جمهورية الريف برئاسة محمد الخطابي بعد سلسلة انتصارات حققها الأخير بمعيّة القبائل الريفية على الجيش الإسباني، وكان المغرب مقسّماً بين مناطق خاضعة للنفوذ الإسباني، وأخرى للنفوذ الفرنسي.
اتخذت الجمهورية من "أجدير"، بلدة تقع قرب الحسيمة، عاصمة سياسية، واختارت قماشاً أحمر تتوسطه نجمة وهلال أخضران داخل مُعيّن أبيض علماً لها، لتكون بهذا أول جمهورية مستقلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

شملت جمهورية الخطابي التي دامت خمس سنوات منطقة شاسعة في شمال المغرب، بين واد ملوية شرقاً وقمة سبارطيل المطلة على الساحل الأطلسي غرباً، وبين البحر الأبيض المتوسط شمالاً حتى واد ورغة جنوباً، وكانت أهم أقاليمها الحسيمة والناظور وشفشاون وتطوان، قبل حلّها عام 1926 بفعل تحالف عسكري بين فرنسا وإسبانيا، استخدم الأسلحة الكيميائية في هجومه الشامل الذي انتهى بنفي الخطابي خارج البلاد بعد أن سلّم نفسه للقوات الفرنسية.
يرى المؤرخ المغربي المعطي منجب أن حركة بن عبد الكريم لم تكن ذات بعدٍ قبلي كما كان الحال بالنسبة إلى أغلب المقاومات منذ بداية القرن العشرين، بل كانت ذات منحى وطني. ويعتبرها أقوى مقاومة ضد الاحتلال في المغرب، مؤكداً أنها ألحقت بإسبانيا أكبر هزيمة تلقتها قوة استعمارية خلال النصف الأول من القرن العشرين، في إشارة إلى معركة أنوال.
ففي تموز/ يوليو 1921، مُنيت القوات الإسبانية بهزيمة ساحقة، سقط فيها 19 ألف قتيل و4300 جريح و570 أسيراً، من أصل 22 ألف جندي، أمام ثلاثة آلاف مقاتل ريفي قُتِل منهم 500 فقط. كما أسفرت المعركة عن مقتل الجنرال سيلفستر قائد جيش المُستعمر، وتسبّبت بأزمة سياسية انتهت بسقوط الحكومة الإسبانية.
وذكر المؤرخ لرصيف22 أن من بين مميزات حركة المقاومة الريفية أيضاً أنها كانت حداثية، "خاصة بعد انتظامها على شكل دولة سمّت نفسها جمهورية الريف، توفّرت على الكثير من مظاهر الحداثة السياسية المتمثلة في التنظيم شبه الديمقراطي، والتقنية التي كان من بين مظاهرها استعمال تقنيات جديدة وقتها كالتلغراف والتليفون"، فضلاً عن الانتقال إلى التفكير في "اقتناء طائرات لاعتمادها في الحرب ضد الاستعمار".
لم يبقَ التخوّف من المقاومة الريفية حبيساً لدى إسبانيا فقط، بل اجتاح الحكومة الفرنسية أيضاً وقال مقيمها العام في الرباط آنذاك، الجنرال ليوطي، حسب منجب: "إن عبد الكريم رجل خطير لأنه يحيط نفسه برجال حداثيين".
ويُرجِع المؤرخ المغربي والباحث في التاريخ المعاصر في معهد الدراسات الإفريقية في الرباط، ارتباط المغاربة من سكان منطقة الريف بمقاومة الخطابي إلى "الهوية المحلية القوية، وثقافة الريفيين المحارِبة، إذ جسدوا درع الحدود الشمالية للمغرب لما يزيد عن خمسة قرون، منذ بداية التحرشات الأوروبية في القرن الـ15".
يرتبط المغاربة عموماً بذكرى الخطابي ومقاومته ضد المستعمر، يضيف منجب، إلا أن الارتباط داخل مدن الريف وقراه أكبر لأن سكان المنطقة يعتبرون أنفسهم الأقرب إليه، "فهم فخورون جداً بانتمائهم للريف، لأن ابن عبد الكريم كان زعيماً ريفياً، وكان له منظور وطني يريد تحرير كامل البلاد، وبناء دولة عصرية تشمل كل المغرب".
أما بالنسبة إلى علم الجمهورية، فيشير المؤرخ لرصيف22 إلى أنه لم يُستعمَل كثيراً أثناء حركة عبد الكريم، بل أحدثته جمهورية الريف عندما كانت تريد أن تنتمي إلى جمعية الأمم، لأن العلم هو أحد رموز السيادة، بالإضافة الى الاسم والعملة، وكانت عملتها آنذاك الـ"ريفان".

تحوّل العلم إلى مرجع للمغاربة

ولم يصبح العلم مرجعاً لدى المغاربة إلا في العقود الأخيرة، إذ صارت رمزيته اليوم أقوى مما كانت عليه في القرن الماضي "نظراً لارتباطه بالعقلية الحديثة، بينما كانت القاعدة السكانية في جمهورية الريف في أغلبها تقليدية، والنخبة الحداثية كانت جزئية وقليلة جداً"، يقول منجب، مستنتجاً تطوراً ملحوظاً للذاكرة الريفية كما يحدث في كل الجماعات البشرية.
في هذا الصدد، يرى الحقوقي المغربي خالد البكاري أنه "لا يمكن اعتبار كل مَن يحمل علم جمهورية الريف انفصالياً، لا بالمنطق الحقوقي ولا السياسي ولا التاريخي"، فجمهورية الخطابي، يوضح المتحدث، لم تكن في سياقها التاريخي انفصالاً عن الوطن، "لأن الوطن قبلها كان مقسّماً بين مناطق خاضعة للنفوذ الإسباني، وأخرى للنفوذ الفرنسي".
وبالتالي، فإن حكومة الريف كانت خطوة استراتيجية في مواجهة الاحتلال في شمال المغرب، ومن هذا المنطلق يؤكد البكاري أن "رفع تلك الأعلام يحمل رمزية حضور الذاكرة في المتخيل الجمعي الريفي، وكل الدارسين للحركات الاجتماعية الجديدة يعرفون دور الذاكرة الجمعية في بناء أي هوية احتجاجية".

في 18 أيلول/ سبتمبر 1921، تأسست جمهورية الريف برئاسة محمد الخطابي بعد سلسلة انتصارات حققها الأخير بمعيّة القبائل الريفية على الجيش الإسباني في شمال المغرب... وحتى الآن لا يزال علم هذه الجمهورية يثير حفيظة السلطات المغربية

في تموز/ يوليو 1921، مُنيت القوات الإسبانية بهزيمة ساحقة، أمام مقاتلي "جمهورية الريف"، شمال المغرب، ما تسبّب بأزمة سياسية انتهت بسقوط الحكومة الإسبانية، واجتاح الخوف الحكومة الفرنسية... ولكن يبدو أن هذا التاريخ النضالي يخيف السلطات المغربية

"شخصياً، لا أعتبر أن من حق المغاربة الافتخار بعلم الخطابي، بل من واجبهم ذلك، حفظاً للذاكرة، واعترافاً بفضل الخطابي ومنطقة الريف في مقاومة الاستعمارين الإسباني والفرنسي"، يقول البكاري، مشيراً إلى أنه بعد انتهاء مرحلة الحماية "لم يكن في المغرب سوى علمين، علَم وضعه المستعمر الفرنسي، وآخر يُمثّل المقاومة الريفية"، ومتسائلاً: "أيهما كان الأجدر بأن يكون علم دولة الاستقلال؟".
في عشرينيات القرن الماضي، وبالتزامن مع نضال الريفيين لتحرير شمال المغرب من الاستعمار الإسباني، ظهر صراع سيادي من أجل المشروعية بين الملكية المغربية وجمهورية الريف. يحكي المؤرخ المغربي المعطي منجب أن "هذا الصراع كان قوياً جداً خلال حركة الخطابي الذي لم يعترف بالحمايتين الأجنبيتين، بل إن مؤيديه كانوا يسمون السلطان يوسف ‘سلطان الروم’، أي الأوروبيين، لأنه ورث العرش عن عبد الحفيظ الذي وقّع عقد حماية مع الفرنسيين مفرّطاً بالسيادة المغربية"، أما من جانب السلطة فكان الخطابي يُدعى بـ"الروگي" أي المتمرد الذي لا مشروعية له.

أمام هذا الواقع، يضيف منجب لرصيف22، فإن "العرش الملكي يجد نفسه في موقع دفاعي أكثر مما هو هجومي، لهذا فإن الإعلام الرسمي غالباً ما هاجم حراك الريف بأنه انفصالي، رغم أن هذا غير صحيح والأغلبية الساحقة من نشطاء الحراك هم وطنيون لا يقلون وطنية عن مغاربة الرباط أو الدار البيضاء".

مقاومون مغضوب عليهم ملكياً

نيران حرب أكلت الأخضر واليابس، أسلحة كيميائية وغازات تستمر مخلّفاتها في اختطاف أرواح الريفيين إلى يومنا هذا، جراء أمراض السرطان التي استقرت داخل بيوتهم وتسرق منها روحاً بعد روح بين الفينة والأخرى، خصوصاً في المناطق التي عرفت مواجهات بين الإسبان ومقاتلي جمهورية الريف.
من مقاومين مستهدفين أوروبياً إلى مواطنين مغضوب عليهم ملكياً، تستمر معاناتهم بعد الاستقلال. يقول منجب إن "الملك الحسن الثاني (وكان حينذاك ولياً للعهد) ويده اليمنى الجنرال محمد أوفقير قاما عام 1959 بقمع شرس لأهل الريف، استُعملت فيه كل أنواع الأسلحة بما في ذلك الثقيلة والطائرات"، وصاحبته سلوكيات عنيفة حسب شهود عيان "كتفجير الأفراد والاغتصاب والتشهير بأهل المنطقة. كان الأمر عنيفاً جداً"، يضيف المتحدث.
وفي أيار/ مايو 2017، حدث ما كان شاهداً على استمرار شبَح الجمهورية، إذ قرر النظام المغربي بعد أن استطاع حراك الريف المقاومة سلمياً لمدة أشهر، اللجوء إلى القوة لوضع حد له، ما أسفر عن محاكمة عشرات النشطاء بتهم ثقيلة تضمنت مساءلات حول رفع علم الجمهورية وصور مؤسسها الخطابي، وهم اليوم، يقول منجب "يتعرّضون لمعاملة سيئة من قِبل إدارة السجون في مخالفة للقانونَين المغربي والدولي".
ويشير الحقوقي المغربي خالد البكاري إلى أن القانون لا يجرّم رفع أعلام ذات حمولة تاريخية، أو هوياتية، أو رياضية، أو فئوية، "والمستغرَب أن الدولة المغربية تتساهل مع كل الأعلام، وتواجه رفع علم الخطابي بتشنج محاوِلَة شيطنته لتثبيت تهمة الانفصال على نشطاء الحراك".
ويضيف لرصيف22 أن "الحمولة الرمزية لعلم الخطابي تضايق السردية الرسمية لنشوء الدولة الحديثة في المغرب باعتبارها منتجاً استعمارياً"، حسب تعبيره.

أزمة الريف... ما الحل؟

"إطلاق سراح جميع معتقلي الحراك". هذا ما يراه البكاري مدخلاً للمصالحة حقيقية مع منطقة الريف، محدداً ثلاثة عناصر أخرى لتحقيق هذه المصالحة، وهيَ "حفظ الذاكرة، وجبر الضرر المجالي، وضمانات عدم التكرار"، مع إعادة بناء الدولة المغربية وفق "لامركزية حقيقية تنهض على الاعتراف بالجهات التاريخية".
بينما يرى منجب أن أزمة الريف "لا حل جذرياً لها إلا بإقامة نظام ديمقراطي حقيقي في المغرب" يتيح لكل الهويات المحلية التعبير عن نفسها بكل حرية، لافتاً الانتباه إلى أنه "لم يحصل أبداً أن تفجّرت وحدة بلد ديمقراطي بسبب الأعلام المحلية أو الشعبية، في وقت تجني فيه الأنظمة غير الديمقراطية على شعوبها بالقمع الموجه ضد مكون هوياتي ما والتشهير بأهله وبقيَمه وزعمائه".

14/05/2020

آيث توزين.. عندما صمموا على إحراق مدينة فاس

م.أزناكي

بين الحدث التاريخي والحكاية الشعبية خيط رفيع، لكنه مرن ومطاط، لطالما وظفه مؤرخو السلطان لقلب وقائع التاريخ وتزوير الحقائق وتدجين أحداثه، لولا الذاكرة الشعبية القوية التي تقف دوما كحارس أمين يحتفظ بأدق التفاصيل عن ماضي الأمم وتاريخها، الأمر الذي يحول دون طمس كل معالم جريمة المؤرخ الرسمي، مما يساعدنا كثيرا في عملية إعادة تركيب أجزاء بعض المحطات التي تكاد تندثر معالمها، كما هو الشأن في هذا العمل المتواضع الذي لا يعدو أن يكون مجرد محاولة بسيطة لإعادة قراءة هذه المأثورة الشعبية الريفية التي كثيرا ما قيل لنا بأنها مجرد أسطورة خيالية او حكاية شعبية تراثية، ليس إلا، والتي أرى إمكانية الترجيع التاريخي لها، اعتقادا مني بكونها حدث تاريخي حقيقي، ضاعت تفاصيله بسبب ثلاثة عناصر كانت حاسمة في تقزيم العديد من محطات الريف التاريخية وإنتاجه الإنساني، إنها الطابع الشفوي الذي لا زال يميز عطاء الإنسان الريفي، وهذا أخطرها، ثم سياسة التعتيم الذي مارسها المؤرخون الرسميين اتجاه كل ما له صلة بالريف، وهذا أشهرها، ثم عنصر التقادم الزمني، وهذا صعب تداركه، وهكذا أقبرت الخيوط المؤدية لهذا لحدث التاريخي.. ومع ذلك وكما يقال.. لا دخان بلا نار، كما لا نار بلا دخان.. إذ اعتمدت على بعض ما حافظت عليه الذاكرة الشعبية الريفية المعاندة، معززا إياها بما ورد في بعض المراجع التاريخية، في محاولتي هذه لتجميع وتركيب أجزاء هذه الحكاية/ الحدث، الذي يؤرخ لإحدى محطات الاحتكاك والاصطدام بين الثقافة الأمازيغية الريفية الأصلية بنظيرتها الأجنبية العربية الموريسكية الفاسية.. تقول الحكاية الشعبية المأثورة: إن ريفيو "آيث توزين" لما استشاط غضبهم وتذمرهم من جشع الفاسيين واستفزازاتهم، قرروا التخلص منهم بصفة نهائية عن طريق إحراق مدينة فاس التي تأويهم، وهكذا شدوا الرحال إلى "مدينة شباط المقدسة" في حملة تأديبية غاضبة.. ولكن عندما بلغوا مشارف المدينة تفقدوا فتيل وعود الكبريت في رحلهم وبين أمتعتهم، فلم يجدوا له اثر..ربما نسوه.. او أضاعوه في الطريق..ومع ذلك، ومن شدة سخطهم على هؤلاء القوم الأجانب عن المغرب، لم يرضوا حتى بشراء عود الكبريت من عندهم، بل فضلوا العودة أدراجهم إلى ارض الريف لجلبه، ومن ثم العودة مرة أخرى لإتمام مهمة.. إحراق فاس... هذا ما يقوله متن الحكاية حسبما هو متوارث جيلا عن جيل، أما أنا فقد حاولت التجوال بين مجموعة من الكتب التي قلما تخلوا منها إشارة ولو من بعيد إلى دخان النار/ الحكاية.. التي تعود جذورها إلى العصر"المغربي" الوسيط، أيام كان ميناء المدينة / الدولة البادسية بالريف، المنفذ البحري الدولي الوحيد بالنسبة ل "الدولة" المغربية، والمرفأ الأقرب لعاصمتها فاس (في زمن لم يكن فيه شيء اسمه ميناء طنجة المتوسط، ولا الصويرة ولا الدار البيضاء) هذا الميناء الريفي التاريخي الذي لعب دورا حيويا كبيرا في تنشيط حركة المبادلات التجارية بين ضفتي المتوسط، بعدما تكاملت مجموعة من العناصر المتضافرة في تبوؤه لهذه المكانة التجارية والاقتصادية الهامة والخطيرة، خاصة موقعه الجغرافي الاستراتيجي، كنقطة وصل بين الساحلين المتوسطيين، الجنوبي الريفي الإفريقي، ونظيره الشمالي الايبيري الأوروبي، ومركزا للتبادل السلعي بين ما يتم استقدامه من بضائع من عمق الصحراء الإفريقية الكبرى، الغربية منها والوسطى، او ما كان يسمى بالسودان الغربي، من جهة، وما يجلب من منتجات جنوب وغرب أوروبا القديمة، من جهة أخرى، بالإضافة لوجوده كميناء ضمن حدود قبيلة ايبقوين المهابة الجانب، والمعروف عن بحارتها شدة باسهم على طول الساحل المتوسطي، زد على ذلك كونه مرفأ طبيعي محمي من التقلبات المناخية، الجوية والبحرية، وهي كلها عوامل ساعدت على الازدهار الاقتصادي والتجاري الذي نجحت قبائل الريف في استثماره بذكاء مشهود، خاصة قبيلة آيث توزين، التي هي قبيلة أمازيغية ريفية، امتهن أبنائها التجارة منذ القدم، وبه عرفوا الى اليوم، حتى غدت التجارة عصب الحياة عندهم، والمحرك الرئيسي لها، الأمر المنطقي الذي يفسر لنا حالة الغنى المادي والرفاه الاجتماعي، والكرم المعروف عنهم، إذ رغم كونها قبيلة داخلية لا ساحلية فقد نجح أبنائها التجار في نسج شبكة من العلاقات الودية مع قبائل الساحل الريفي، قصد توسيع تجارتهم عن طريق استثمار المرافئ الواقعة تحت نفوذ هذه القبائل، كميناء "سيذي حساين" بثمسامان و"النكور" بآيث واياغر و" بادس" بايبقوين، حتى امتد نشاطهم التجاري ليشمل جل العمليات ذات الصلة، من شحن وبيع وشراء ومقايضة، بل وحتى تأمين ومراقبة المسالك والطرق التي تمر منها القوافل التجارية المحملة بالسلع خلال رحلتها الطويلة من أعماق السودان الغربي(السينيغال، غانا، مالي حاليا)، إلى حدود شبه الجزيرة الإبيرية بتنسيق مع "شركائهم" الفاسيين والابيريين. وقد سارت المعاملات بين الأطراف الثلاث ( اريفيين في شخص آيث توزين، موريسكيي فاس، والابيريين)، بشكل عادي وروتيني، إلى أن تعمق جشع الطبقة البورجوازية الموريسكية الفاسية التي اغتنت من هذه التجارة العابرة للقارات، فعمدت إلى تحويل مسار القوافل التجارية من ميناء بادس إلى الميناء الذي تمكنت من إنشاءه على عجل لهذا الهدف على ضفاف وادي بوركراك(المحرف بسياسة التعريب الفاسية إلى أبو رقراق) بتعاون واتفاق مع نظرائهم وإخوانهم موريسكيي سلا، الأوداية والرباط، بهدف الاستئثار بالامتيازات والأرباح الهامة التي تدرها هذه التجارة الدولية، خاصة ما يتعلق منها باستخلاص الرسوم الجمركية والذعائر والتحكم في أثمنة البضائع وعمليات المشاحنة، وبالأساس نية الفاسيين الموريسكيين المبيتة في تقويض أسس الاقتصاد الوطني الريفي المعتمد بالدرجة الأولى على الأنشطة البحرية، خاصة وحسبما تؤكده المصادر التاريخية فان اقتصاد الريف من هذه التجارة البحرية لوحده كان في كثير من الأحيان يعادل او يفوق عائدات اقتصاد الدولة المغربية برمته، وهذا بالضبط ما أغرى الموريسكيين بالتآمر على شركاء الأمس آيث توزين، الذين تضررت مصالحهم الاقتصادية بعدما تراجعت مداخيلهم وأرباحهم وعلاقاتهم مع مموليهم ومزوديهم بالسلع وكذا مع شركائهم الآخرين، وأمام هذه الوضعية المتأزمة، وأمر الواقع الذي وضعوا فيه، فان تجار آيث توزين وغيرهم من تجار الريف المتضررين من مؤامرة الموريسكيين قادوا حملة تأديبية شعبية ريفية ضد هؤلاء الأجانب الذين استوطنوا مدينة فاس الأمازيغية (بعدما طردوا إبان حرب الاسترداد المقدسة من طرف مواطنيهم القشتالييون بسبب تحالفهم مع فلول المستعمرين العرب لبلاد الأندلس، فعاقبتهم جلالة الملكة إيزابيلا وجلالة الملك فيرناندوا بطردهم إلى بلادنا، فأسسوا مستعمرات لهم في مدن فاس، الرباط، سلا والشاون)، هذا وقد عمد ريفيو آيث توزين إلى تطويق مدينة فاس من الجهات الأربع، بعدما نصبوا قيادة معسكرهم أمام احد أبواب هذه المستوطنة الموريسكية، الذي لازال يحمل اسم "باب ريافة" إلى اليوم.. وحسب الروايات التاريخية، فقد تمكنت مدينة فاس المحصنة بأسوارها العالية من الصمود في وجه الحصار الذي ضربه الريفيين عليها طيلة أسابيع(بل لأشهر حسب روايات أخرى) اعتمادا على ما كان قد تمكن تجارها الجشعون من تكديسه في مخازنهم الخاصة من السلع والمواد الغذائية الضرورية، بالإضافة لقدرة مدينة فاس-آنذاك- على تلبية الكثير من حاجياتها من الماء والطعام، مباشرة من منسوب مياه واد سايس الذي يخترق وسط المدينة، والمغروسة ضفتيه ببساتين الخضر والفواكه والأشجار المثمرة، لهذا لم يكن ضحايا هذا الحصار سوى العوام من سكان المدينة الذين عانوا من نقص حاد في كل حاجياتهم، خاصة بعد ارتفاع اثمنة المواد الغذائية وباقي البضائع التي تحكم فيها كبار تجار الطبقة الموريسكية التي استغلت كعادتها مثل هذه الظرفيات الاقتصادية الحرجة واحتكرت كل ما له صلة بالمئونة الداخلية للمدينة / المستوطنة. أما خارج أسوار المدينة المحاصرة، فقد كان معسكر الريفيين بدأ يعرف الخصاص بدوره، بسبب طول مدة الحصار، وبعد المسافة عن أرض الريف، وتقلبات المناخ، وهي كلها عوامل دفعت آيث توزين لاتخاذ قرار العدول عن خطتهم، وعقدوا العزم على إعادة الكرة مرة أخرى، حالما تتحسن الأوضاع وتتلاءم الظروف. هذا ما تقوله الحكاية الشعبية، إن شاء بعضكم، وهذا ما تقوله المعطيات التاريخية المتوفرة، إن شاء غيركم، ولكن سؤالي وسؤالكم المعلق دائما هو: لماذا حمل أهل فاس من الموريسكيين كل هذا الكره والحقد للريفيين منذ نزوحهم من بلادهم الايبيرية إلى بلادنا الأمازيغية ؟..

13/05/2020

ناصر الزفزافي: صوت الريف المعاند

حينما انبرى وسط الوجوه الغاضبة ليلة طحن محسن فكري في حاوية للنفايات، كان ناصر الزفزافي واحدا من بين مئات الشباب الريفي الذي أوصلته تصرفات المخزن الوطني والمخزن المحلي إلى حافة اليأس. كانت مطالب المحتجين تلك الليلة واضحة مثل وضوح الشمس في كبد السماء: محاسبة المسؤولين عن تصفية الشهيد محسن فكري بتلك الطريقة البشعة، عن طريق تقديمهم للقضاء.

غير أن اللاعبين الكبار خلف الستار، كانت لهم حسابات أخرى. كانت هناك نيات مبيتة لتحويل الريف إلى ميدان معركة سياسيوية بين متصارعين من خارج الريف، يظهرون ويختفون، مخلفين وراءهم مشاهد من الدمار المعنوي والفوضى غير الخلاقة وضبابية سياسية تعمي الأبصار. لقد أدى استخدام الريف كأرضية لمعركة سياسيوية "خارجية"، إلى تعميق معاناة الريفيين وتقديمهم إلى مقصلة سوء الفهم بدم بارد، بتعزيز تهمة "التمرد" تارة و"الانفصال" تارة أخرى، وما إلى ذلك من آيات الزور والشيطنة، والتي راحت بعض المنابر التحزبية والإعلامية ترددها دون استحياء..وكان المركز مرة أخرى للريفيين خذولا.
لقد كان بالإمكان تلبية ذلك المطلب الآني والمشروع، لكونه مطلب واضح وبسيط، حقق إجماعا محليا منقطع النظير، فضلا عن كونه مطلبا لا يلبس لبوسا سياسيوية ضيقة أو لونا ثقافيا شاذا أو طقسا إثنيا ممقوتا .

تجاهل المسؤولون المحليون هذا المطلب، أو لنقل - عن حسن نية - أنهم أبطأوا في تلبيته انتظارا للأوامر التي تأتي من وراء حجاب التهم الجاهزة، والكل يعلم أن القرارات في بلادنا، مهما كانت صغيرة وتافهة أحيانًا، لا يمكن البت فيها محليا ولا حتى جهويا إلا بتزكية من الماسكين بخيوط اللعب البعيدين عن هموم المواطنين. هذا التجاهل أو التباطؤ، اعتبره الريفيون - بناء على تجارب سابقة - إمعانا في الحگرة. وما كان على الغاضبين، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي الذي استطاع، بصراحته وخطاباته التي دخلت قلوب الريفيين بلا ترغيب أو ترهيب، إلا أن يواصلوا أساليب الاحتجاج التي أبدعوا فيها لدرجة أبهرت المناوئين اللحراك قبل المتعاطفين معه. وقد نجح ناصر في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال نبض الشارع الريفي إلى أبعد الأصقاع، سواء في داخل الريف والمغرب، أو خارج الحدود.

ومع تنامي زخم الحراك من حيث أعداد المنخرطين فيه أو من حيث تبلور مطالب اجتماعية وثقافية واقتصادية، فضلا عن مطلب تقديم المسؤولين عن اغتيال محسن فكري للقضاء، تنامى في المقابل التجاهل والترقب من المركز الذي لم يقف مكتوف الأيدي أو ظل متفرجا على هامش الزخم الشعبي، بل حرك آلته القديمة/الجديدة، وصارت تدور بكامل قوتها لترتيب مرحلة ما بعد الانتخابات من جهة، ومن جهة أخرى "انتظار" ما سيؤول إليه مسار الحراك الشعبي مع مرور الوقت، وما قد يرتكبه نشطاؤه من "أخطاء" تخرجه من دائرة الاحتجاج السلمي إلى دائرة الخروج عن القوانين المعمول بها، وبالتالي الخروج عن "الثوابت" التي تتمدد وتقلص حسب تأويلات المركز بطبيعة الحال.

وكانت وسائل الإعلام المحسوبة على "الوطن"، إلا القليل منها، قد أخذت في شيطنة الحراك والحراكيين وكانها كانت تهيئ لسيناريو قاتم. ومع ذلك لم ييأس الريفيون من إيجاد مخرج. "إذا حققوا مطالبنا سنعود لبيوتنا"، هذا ما أكده ناصر الزفزافي حينما حاورناه (لبيب وأنا) في مقهى الفقيري "ميرادور" (الصورة). في ذلك اللقاء الأول والأخير معه، كان الزفزافي واضحا في أقواله وأفكاره، وكان على قناعة تامة بأن ما يقوم به مع رفاقه حق مشروع. إلا أن الحق ليس هو كل شيء إذا لم يكن هناك من يعترف به ويقدره في ميزان العدالة الاجتماعية والمواطنة التي -من المفترض - أن تكون حقا مشاعا بين جميع المغاربة.

وتمضي شهور من التوتر والقلق والترقب، وفي لحظة ما ظهر أن هناك ارتباك ما في تصور المركز بعد تطور الحراك إلى دينامية جماهيرية انخرطت فيه كل فئات المجتمع الريفي من الذكور والإناث والشباب والشيوخ، وذابت فيه الألوان السياسية المحلية. وفي تلك اللحظات الحرجة خرجت عدة مبادرات للوجود، لكن التعنت والعنا أفشلها جميعها، وقد بدا الكثير من تلك المبادرات أنها عُدَّت "كسبا" للوقت، أو فقط مبادرات بغرض التعرف على وجهات نظر أخرى من أجل الاستئناس بها ليس إلا.

وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من تلك التجاذبات بين الحراكيين والمخزن و"الوسطاء"، فإنه من الواضح أن المخزن لا يريد أن "ُتفرض" عليه مخارج للأزمة، وإنما يريد، كعادته، أن يكرس صورته التقليدية باعتباره صاحب المنة، وما على الآخر إلا أن يقبل بها، شاكرا حامدا ولم لا ساجدا. وهو تقليد مخزني عتيق تمتثل له المنظومة السياسية بكاملها، والتي لا تستند في جوهرها إلى دولة بالمفهوم المدني للمصطلح، وإنما للتقاليد السياسية المتوارثة من عصور الاستبداد بكل أشكاله؛ المظلم والمتنور.

وإذا كان هذا النهج في التدبير السياسي قد ساد في زمن تاريخي ما، فإن الأمور تغيرت الآن، أو على الأقل تغيرت شكليا، وخاصة بعد الدستور الأخير الذي أبرز دورا مهما وأساسيًا للمؤسسات والسلط، فضلا عن تركيزه على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهذا بالضبط ما كان المحتجون يطالبون به قبل أن تتطور الأمور إلى حراك عام.

لقد أدى الزفزافي ورفاقه ثمنا باهضا وهم يقفون في وجه كل ما هو رسمي، بل حتى الأحزاب السياسية "أفتت" بخروج الحراك عن جادة الصواب الرسمي، وبالتالي يتوجب مواجهته بلا رحمة أو رأفة، حتى ولو اعترفت تلك الأحزاب - في تناقض صارخ مع نفسها - بمشروعية المطالب المرفوعة. هذه الأحزاب سيذكرها التاريخ بمواقفها المتناقضة والمخجلة، وكأن الريفيين ليسوا مواطنين. هم على كل حال متهمون مهما فعلوا لإثبات براءتهم وانتمائهم لوطن ينبغي أن يحضن للجميع.. أو على الأقل يجب أن يتظاهر بأنه يقبل الاختلاف.

فك الله أسر المعتقلين، وما ذلك على الحق بعزيز.

الأستاذ : محمد امزيان

08/05/2020

الحسن أسويق يكتب: الذاكرة التاريخية بالريف.. حتى لا تتحول الذاكرة إلى وزر

memorioso »،
يحكي الكاتب الأرجنتيني المعروف خورخي لويس بورخيص عن شاب يعاني “تضخم الذاكرة”
فأصبحت تثقل عليه الذكريات إلى درجة أنه، بعد تعرضه لحادثة السقوط من فوق حصان، لا يقدر على نسيان أي شيء؛ يتذكر أتفه التفاصيل. تحولت ذاكرته، الجامعة المانعة، المعصومة من الخطأ والتي لا يعزب عنها أي شيء، من هبة إلى لعنة، بحيث “يتمتع” بفيض من التذكر جعله يبقى أسير الماضي وحبيس الإدراك الذي لا يرقى إلى درجة الفهم، كما حرمه من الزمن الحقيقي للحياة المعيشة. لقد شكلت القدرة الاستثنائية لإرينيو فونس على التذكر مأزقاً حياتياً رهيباً، وجوهر مأساته التذكر البالغ الدقة والاكتمال المفضي إلى تعطل القدرة على التفكير؛ لقد ظل فونس يعيش تحت وطأة ووزر ذاكرته، التي شبهها ب”كومة الأزبال”، إلى أن قضى نحبه.
العبرة المُستخلصة من قصة فونس هي أن تضخم الذاكرة Hypermnésie مضر بالصحة الفردية أيما ضرر؛ إذ يمكن أن تكون وبالا على صاحبها إذا لم يستطع تدبيرها والتحكم فيها. وهذا الضررلا يقل خطورة عن ضرر فقدان الذاكرة Amnésie سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؛ لذلك وجب البحث عن “ذاكرة عادلة” توازن بين الإثنين وفق مبدأ: لا إفراط ولا تفريط، بحيث يصبح النسيان شرطاً للذاكرة ووظيفة من وظائفها.
الذاكرة التاريخية
أصبح مفهوم الذاكرة التاريخية، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، يكتسي صبغة سياسية واضحة إذ يحيل على الأحداث والوقائع التي ترتبط بالعنف السياسي وبالحروب والإبادات؛ كما يرتبط بالانصاف و”واجب الذاكرة” تجاه الضحايا؛ إنها تلك الذاكرة التي تقع في صميم القرارات السياسية للدولة، ومكوناً أساسياً من مكونات سيادتها وأمنها، وجزءاً من بنياتها المؤسساتية، والتي تُتخذ من طرف الحركات الذاكراتية والهوياتية كسلاح للصراع والمواجهة للدفاع عن الذات وتحصينها، كما أنها أخطر أنواع الذاكرة، واستعمالها يُعد بمثابة خوض حرب ضاري
“الذاكرة التاريخية الريفية مسؤولية لا يمكن التنصل منها وواجب لا سبيل لنكرانه. إنها أداة فعالة لمقاومة النسيان المُدمر
صحيح أن الذاكرة التاريخية تعزز الشعور بالانتماء الجماعي كما تقوي وتبلور الإحساس بالفخر والاعتزاز عند شعب من الشعوب أو جماعة من الجماعات البشرية من خلال استحضار بعض اللحظات التاريخية والحقب الماضية التي تمثل مراحل مفصلية ومصيرية في تاريخها، كما أنها الأساس القاعدي للهوية المبلور لمعنى الوفاء للأجداد والاستمرارية على نهجهم؛ لكنها هي التي كانت، في نفس الوقت، وكما تشهد على ذلك تجارب مختلفة، مصدراً للعديد من المنازعات والتوترات والقلاقل في العديد من بقع العالم؛ بل إنها تزيد الاحتجاجات الاجتماعية حدة وتضفي عليها صبغة من الخصوصية والتميز، وتمدها بشحنة زائدة كما هو حاصل في الريف.
الذاكرة التاريخية للريف: ذاكرة المقاومة
لقد شكلت الذاكرة التاريخية، كوجه من أوجه الذاكرة الجماعية، مصدر المواجهات والاضطرابات المتواترة بالريف مع السلطة المركزية قبل الاستقلال وبعده. كما أنها السبب الضمني والعميق للحراك الجماهيري، الذي انطلقت شرارته بعد مقتل محسن فكري (أكتوبر 2016) بقيادة المناضل ناصر الزفزافي.
وهذه المواجهات والاضطرابات مرشحة للتصعيد في غياب إرادة حقيقية للمصالحة و”الاعتراف” كما حصل في عدة تجارب دولية منها على سبيل المثال إسبانيا التي أصدرت قانوناً خاصاً بالذاكرة La ley de la memoria لمعالجة ومداواة الجراح التي خلفتها الحرب الأهلية والنظام الديكتاتوري الفرانكوي. وليس أدل على غياب هذه الإرادة التقسيمُ الجهوي الذي سعى، من بين ما سعى إليه، إلى تشويه الكيان الريفي التاريخي وطمس هويته الثقافية والحضارية ومنظومته القيمية – الأخلاقية، وذلك باقتراح ومباركة من طرف حزب قبض الثمن من أجل ذلك.
إذا كانت الذاكرة، بصفة عامة، آلية لاستحضار التراث المادي والثقافي – الروحي لشعب من الشعوب، فإن الذاكرة التاريخية ذاكرة للآلام والجراح التي يتم استحضارها طلباً للإنصاف والعدل. يتعلق الأمر، في حالة الريف، بذاكرة المقاومة التي قادها الزعيم التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي، بعد إعلانه الجمهورية التي عمرت لخمس سنوات (1921- 1926)، وبعد الهزائم النكراء التي ألحقها بالقوتين الاستعماريتين الغاشمتين إسبانيا وفرنسا، نُسجت مؤامرة دولية، بمباركة من السلطان مولاي يوسف، للقضاء على هذه المقاومة باستعمال أسلحة كيماوية خلفت الآلاف من الضحايا، وما زالت آثارهذه الجريمة ضد الإنسانية، الصحية والبيئية، سارية الضرر لحد الآن.
بعد ما جرى من أحداث انتهت باستقلال المغرب، سيتم انبعاث هذه الذاكرة من جديد خلال “عام إقبان” (1958-1959) بقيادة محمد الحاج سلام أمزيان، حيث تمت المطالبة بعودة محمد بن عبد الكريم الخطابي من المنفى ( المطلب السادس ضمن لائحة المطالب التي قدمت الى القصر في 11 نونبر1958)، وهو المطلب الذي أثار حفيظة وسعار السلطة المخزنية التي لم تتوانى في ارتكاب مختلف الفضاعات والانتهاكات لحقوق الإنسان في محاولة إبادة ثقافية وعرقية شبيهة بالتجربتين اليهودية والأرمنية، انتقاما وعقابا للريفيين على وفائهم لهذه الذاكرة. وغني عن البيان أنه على إثر هذه الانتفاضة تم إصدار الظهير العسكري المشؤوم الذي يقضي بجعل إقليم الحسيمة منطقة عسكرية اعتباراً من 24 نونبر 1958؛ إنه الحدث التاريخي الذي تحول بدوره إلى جزء من الذاكرة التاريخية الريفية بالنسبة لجيل الحراك الحالي الذي يخوض – حسب رأيي – حراكاً هوياتياً في جوهره واجتماعي – اقتصادي في ظاهره، والذي يُعد استئنافاً لانتفاضة “عام إقبان” المطالبة بالكرامة والرافضة للذل والمهانة؛ إنه عربون وفاء للقيم التي ضحى من أجلها الأسلاف.
يتعلق الأمر إذن بحدثين مفصليين يشكلان الذاكرة التاريخية للريف وهما حدث 1921- 1927 (الغازات السامة) وحدث 1958- 1959 (عام إقبان). والقاسم المشترك بين المحطتين، إلى جانب الاحتفاء بعلم الجمهورية وصور الأمير في التظاهرات كما في التصريحات والخطابات المُعلنة، صياغة لائحة للمطالب؛ لكن الملفت للنظر هو غياب مطالب محددة ومدققة تترجم الوفاء لذلك “التاريخ المُحاصر” ، الذي ترفض الدولة اعتباره جزءاً من الذاكرة الرسمية، ومُعبرة عن استعادة الذاكرة الجماعية بصفة عامة والذاكرة التاريخية بصفة خاصة.؛ بل الأنكى من ذلك، الغياب التام للمطالب والحقوق الثقافية بما في ذلك الحقوق اللغوية (نجد في لائحة المطالب الثمانية عشر، المعروفة لحد الآن، لانتفاضة 1958 – 1959 مطلب التعريب الذي يتنافى والهوية المحلية)، في مقابل ذلك نجد حضوراً جد محتشم لهذه المطالب في ما سُمي “وثيقة مطالب الحراك الشعبي بإقليم الحسيمة” :حيث تمت الاشارة إلى مطلب وحيد هو المطالبة ب “الشروع في إتمام أشغال متحف الريف وفتح تحقيق نزيه بخصوص الخروقات التي طالته، مع الحفاظ وترميم كل المآثر التاريخية للمنطقة”.
التدبير الذاكراتي المرن
إن الرهانات المتضاربة حول الذاكرة التاريخية يجعل استحضارها بمثابة خوض لحرب قد تُصيبنا بنيرانها الحارقة والمميتة. ولتجنب ذلك لا بد من تدبير قوامه التذكر بمقدار والنسيان بمقدار بحسب موازين قوى الصراع، وترتيب زمني للأفعال بحسب مقتضيات التكتيكي والاستراتيجي وفق رؤية براغماتية واعية وطلباً للغاية المنشودة كما يُستفاد من التجربة اليهودية.
ولعل من مظاهر غياب هذا التدبير المرن طغيانُ الذاكرة التاريخية على حساب الذاكرة الثقافية والأبعاد الأخرى للذاكرة الجماعية سواء في الشعارات أو في الخطابات المُؤطرة للحراك الذي يُكرس الأسلوب الذي تم سلكه منذ 1958؛ ذلك الأسلوب الذي لم يُحقق نتائج إيجابية لكونه يمتاز بالكثير من الحماسة التي قد توصل إلى الحماقة في بعض الأحيان كما لاحظ المؤرخ علي الإدريسي في إحدى حواراته، ويُسفر في كل مرة عن تقديم المزيد من الضحايا.
وعليه، فإن الذاكرة التاريخية، عندما تتحول إلى ذكرى نمطية محنطة على حساب السجل الذاكراتي الحافل والتركة التاريخية العريقة للريف، تتحول إلى وزر يُثقل كاهل حامله.
على سبيل الختم
الذاكرة التاريخية الريفية مسؤولية لا يمكن التنصل منها وواجب لا سبيل لنكرانه. إنها أداة فعالة لمقاومة النسيان المُدمر والماحي للآثار، ومنبعاً للمعنى وقوام الشرعية الاحتجاجية والمطلبية للحراك الجماهيري بالريف في شكله الحالي والمعبر عن استمرارية الحراك الشعبي بالريف، والذي بفضله، انبعثت “الروح الريفية” في كل أماكن تواجد الريفيين عبر العالم.
ومن أجل الإبقاء على فعاليتها، والتحرر مما أسماه نيتشه ب”مرض التاريخ”، يجب استعمالها استعمالاً حسناً بحسب المنعرجات السياسية، حتى نتجنب مصير فونس، وحتى لا تصيبنا بالسم القاتل كما تصيب الأفعى من لا يحسن متى وكيف يقبض عليها.

المقال منقول من الجريدة الإلكترونية anoual.net

06/05/2020

من مذكرات الأستاذ مكي بوسراو
ذكريات لا مفر منها شذرات من ذاكرة إمزورن
》الحلقة الخامسة《

■ سينما تحت النجوم ■

في الستينات من القرن الماضي كانت شركات المواد الاستهلاكية مثل “صابون الكف” و”أجاكس” و”لوسيور” و”أولماس” و”كريستال”و “بنوكس” وأخرى لا أذكر أسمها وفي إطار حملاتها الإشهارية وتعريفا بمنتجاتها، تنظم عروضا سينمائية مجانية. لم يكن لديها موعد محدد على ما أذكر، لكن حين تحل القافلة بالقرية وتطلق السيارات إعلاناتها الصاخبة التي تدوي في كل الأرجاء، تكون فرحتنا عارمة ولا مثيل لها. نظل لمدة يوم أو يومين نتبع القافلة أينما حلت وارتحلت، ولا نتوقف عن الركض إلا مع اقتراب ساعة العرض، حيث نعمل على حجز الأماكن الأمامية للفوز بفرجة أحسن.
كان العرض يتم في الهواء الطلق، وسط الشارع وبالضبط ذلك الذي يتواجد فيه مقر المخازنية وتطل عليه مدرسة أبي طالب وساحتها التي لم تكن آنذاك مسورة بحائط، قرابة المستوصف القديم الذي كان يقع بين المدرسة و”فيسينا” أي القيادة. أما الشاشة فتوضع وسط الشارع وهي عبارة عن قماش أبيض عريض، وأحيانا كان الحائط يقوم مقام القماش، إذ يتم تسليط” البروجكتور” على الحائط المحاذي للسجن القديم وتنطلق الفرجة. كان يحضر الفرجة السينمائية سكان القرية من كل الأعمار، الكبار منهم والصغار، لكن الصغار هم الذين يشكلون الأغلبية الساحقة. كل واحد يحضر كرسيه الصغير أو صندوقا او أي شئ يصلح للاقتعاد ويأخذ مكانه في الفضاء الرحب تحت النجوم. وكنا قبل بداية العرض نتحرك في كل الاتجاهات، نتكلم ، نركض ونصرخ لأن الانتظار و التوترالمصاحب له يكون قد أخذ مأخذه منا. لكن بمجرد ما تنطلق الصورالأولى للإشهارات بأصواتها الثاقبة للأذن، نخلد إلى الصمت المريب ونتخشع ونستجمع كل انتباهنا استعدادا للانغماس في مغامرة مشوقة. وياما أحداث ومشاهد وأسماء تعرفنا عليها هناك: فلأول مرة سنكتشف “سامسون” و “دليلة” و”هرقل”وديكورات تاريخية قديمة وحيل الأشرار والمواجهات والدسائس التي لا تنتهي بينهم وبين الأخيار. ياما تلذذنا بلحظات فرح طفولي ظلت موشومة في الذاكرة. عند نهاية العرض كنا نستشعر فرحا عارما ونحن نغادر الشارع متجهين إلى منازلنا في حماس كبير. وقبل ان نستسلم للنوم نستعرض أهم المشاهد واللقطات التي أسرتنا و الأبطال الذين نالوا إعجابنا .أما حضور الفيلم وتأثيره فيظل ساريا لعدة أيام وأسابيع بل وأشهر: نحكي عن قصة الشريط ونصف المعارك ونسرد المشاهد واللقطات ونتماهى مع أبطالنا المفضلين ونقلد بعض المشاهد. آنذاك لم نكن نعرف أسماء الممثلين ولم تكن لدينا أدنى دراية بالسينما، كنا فقط نتتبع خيط القصة وملامح الأوجه والمناظر الطبيعية أو الديكورات المصطنعة دون أن نفهم دلالاتها وأبعادها. كنا نتفرج بشغف عارم ونتتبع الفيلم بمتعة جامحة وبمشاعر جياشة : إنها لذة المشاهدة، وما أدراك ما لذة…
تلك اللذة التي افتقدنا إليها لاحقا بعد دخول الثقافة السينمائية على الخط ومعها الشبكة التأويلية التي لم تعد تسمح لنا بالتفرج على الفيلم بعيون بريئة كما في الماضي، إذ لم يعد بمقدورنا البكاء أو الارتعاش أو التعاطف مع البطل ولم تعد تقشعر أجسادنا بسبب الخوف أو الذعر أو الخطر المحدق بالبطل أو التصفيق للبطل حتى كما كان يحصل لنا زمن الطفولة. إذاك كنا نتفرج بقلوبنا أما بعدها فصرنا نتفرج بعقولنا.
لقد ساهمت، بحق تلك المشاهدات السينمائية في تربية ذوقنا الفني، كما زرعت فينا بذور النظام والالتزام والمسؤولية. ورغم موسميتها وعدم انتظامها فإن تلك الأمسيات كان لها الفضل الكبير في تقديرنا للفن فيما بعد، وهذا ما لم تفلح فيه المدرسة المغربية التي كانت غارقة حتى النخاع في مناهج الحفظ والذكر والتكرار وترسيخ “الثقافة الببغاوية”، ولا زالت. مدرسة تعلم لغة الخشب والخنوع والخوف بدل تنمية الإبداع والخيال وروح المغامرة.

عبد السلام الجاري
كان هذا الرجل بقامته الفارعة وتعبيره الحر جزءا من المشهد في إمزون. كان – على ما أعتقد- ينتمي إلى مدشر”إفثيسن” القريب من القرية. ولأسباب أجهلها صار الرجل مثل أحمق، يتجول طيلة النهار بشوارع ومقاهي القرية لابسا جلبابه، حافي القدمين ويقول ما يريد قوله بدون حواجز ولا رتوشات، متحديا كل القواعد الأخلاقية، ومستهترا بكل شئ. كان المسكين لا يتوقف عن المشي والكلام. وكان محط احترام الجميع. أما طيشنا وشغبنا الطفولي فكان يتعامل معه بالحجارة.
حين أصيب الجاري بالاسهال وصارت سوأته بدون حصارات، كان المسكين يجري أو يسرع الخطو للتخلص مما يزعجه في أي مكان خال من الزحام، دون أن يبالي بنظرات الناس وتعليقاتهم. وكان في تلك الأيام يداوم على لبس الفوقية على اللحم، كما يقال أي بدون ملابس تحتية، لأن الفوقية لوحدها تسهل عليه المأمورية. وكان رحمه الله يتجه باستمرار صوب “فيسينا” أي القيادة قاصدا خليفة القائد الذي كان يعرف قصته ويعامله بطيبوبة الانسان وليس بعجرفة رجل السلطة، ويستمع إليه ويتصدق عليه. الجاري هذا كان يدخل على الخليفة في مكتبه ويعلي فوقيته بيديه ويخاطبه مهددا” ها باضغ ، ها باضغ ذا”.إذاك فقط ينادي الخليفة على مخازني الحراسة ليخرجه بهدوء. وكان يعاود الكرة عدة مرات في الأسبوع الواحد، خصوصا حين يكون في حالة هيجان.
ذات مرة قصد الجاري المقبرة حيث ترقد المرحومة زوجته، وفي يديه “شورو” دافئ اشتراه لتوه، وجلس على حائط المقبرة يخاطبها قائلا ” أفاطمة، أكاد أتشذ شورو” ” أكاد شيم أكاد، أقا شورو”

¿Quieres que tu empresa sea el Servicios Gubernamentales mas cotizado en Madrid?

Haga clic aquí para reclamar su Entrada Patrocinada.

Localización

Categoría

Página web

Dirección


C/lima N 35
Madrid
28940