08/10/2026
حكومة التآزر.. إثيوبيا تطوي صفحة الانقسام وتفتح أفق الوحدة الوطنية
أو بي إن سايبر ميديا
8 أكتوبر 2026
تقف إثيوبيا أمام مرحلة سياسية جديدة تسعى فيها إلى تجاوز إرث طويل من الانقسامات السياسية والمجتمعية، والانتقال من خطاب يكرّس التباينات إلى رؤية تقوم على الوحدة الوطنية الجامعة والمساواة بين المواطنين.
فخلال العقود الماضية، أسهمت صراعات السلطة والخطابات القائمة على القومية والدين وغيرها في تعميق الانقسامات وإضعاف الشعور بالمصير الوطني المشترك، كما أوجدت واقعًا سياسيًا ميّز بين أطراف رئيسية وأخرى وُصفت بأنها "شريكة"
في هذا السياق، يطرح فكر ة التآزر (Medemer) تصورًا سياسيًا مختلفًا يقوم على تجاوز هذه الثنائيات، وبناء منظومة وطنية تستوعب التنوع الإثيوبي بدل تحويله إلى مصدر للصراع.
وبحسب رئيس الوزراء الدكتور أبي أحمد، فإن الجهود الرامية إلى استبدال الأفكار الانقسامية والإقصائية بالوحدة الوطنية الجامعة بدأت تظهر نتائجها، من خلال الانتقال نحو هيكل سياسي أكثر شمولًا، يتيح لمختلف القوميات والأقاليم المشاركة في الشأن الوطني على أساس المساواة.
ولم يقتصر هذا التحول على إعادة ترتيب الهياكل الحزبية، بل يستهدف تغيير الثقافة السياسية نفسها؛ إذ لم يعد مفهوم "الحزب الرئيسي" و"الحزب الشريك" هو الإطار الذي يحكم المشاركة السياسية، بل يجري التأكيد على مبدأ المشاركة الوطنية المتساوية.
التآزر(Medemer) هنا لا يعني إلغاء الاختلاف، بل إدارة التنوع داخل إطار وطني مشترك.
فالوحدة الوطنية الجامعة لا تقوم على طمس هوية لصالح أخرى، ولا على فرض ثقافة أو قومية على بقية المكونات، وإنما على احترام التنوع والخصوصيات، مع بناء أرضية مشتركة تجمع المواطنين حول المصالح والقيم الوطنية.
كما أن فكر التآزر لا يقوم على الانتقام من الماضي أو استبدال أخطاء بأخرى، بل على الاستفادة من التجارب السابقة، والحفاظ على القيم الإيجابية، ومعالجة أوجه القصور وبناء مؤسسات أكثر شمولًا.
وتبرز إحدى دلالات هذا التحول في توسيع مشاركة شرائح كانت محدودة الحضور في مواقع صنع القرار، بما يمنحها مساحة أكبر للتعبير والمشاركة في القضايا الوطنية، ويعزز الانتقال من التركيز على الاختلافات إلى البحث عن المصالح والمصير المشترك.
غير أن بناء الوحدة الوطنية ليس مسارًا قصيرًا. فالجراح والانقسامات التي تراكمت عبر عقود لا يمكن تجاوزها بسرعة، كما أن ترسيخ الثقة بين مكونات المجتمع يتطلب وقتًا وإرادة سياسية ومؤسسات قادرة على ضمان المساواة والعدالة.
ومع ذلك، فإن تجاوز العقلية السياسية القائمة على "المركز والأطراف" وإحلال مفهوم المواطنة والمشاركة المتساوية مكانها يمكن أن يشكل أساسًا مهمًا لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.
وهذه المهمة لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم؛ بل تتطلب مشاركة المجتمع بأسره، بما في ذلك المثقفون ورجال الدين والشباب ومختلف القوى الاجتماعية، لأن الوحدة الوطنية مشروع مجتمعي قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح فكر التآزر سيُقاس بقدرته على تحويل التنوع الإثيوبي من عامل للانقسام إلى مصدر للقوة، وتحويل المساواة من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية، وبناء دولة يشعر فيها جميع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون في حاضرها ومستقبلها.
إثيوبيا الجديدة لا تحتاج إلى محو تنوعها كي تتوحد؛ بل تحتاج إلى بناء وحدة تستوعب تنوعها. ومن هنا يبدأ فصل جديد في مسيرتها السياسية والوطنية.