05/06/2026
في العدد الخامس من جريدة المترجم العراقي لشهر أيار 2026، وفي صفحتها الثالثة "حوار "، الدكتور سعد الحسني: تميّز دار المأمون يعود إلى حسن اختيار الكتب وفق قيمتها الفكرية والثقافية
أجرى الحوار: عصام ثاير منصور
على امتداد المشهد الثقافي العراقي، يبرز اسم الدكتور سعد الحسني بوصفه واحدًا من الأسماء التي جمعت بين العمل الأكاديمي والترجمة والعمل الثقافي على مدى عقود طويلة. فمن خلال مسيرته الممتدة قرابة ثلاثين عامًا أستاذًا في قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب في جامعة بغداد، أسهم في تدريس الأدب المسرحي البريطاني الحديث والشعر الرومانسي الإنكليزي.
امتدت تجربته تلك إلى مشروع ترجمي واسع أغنى المكتبة العربية بعدد كبير من الأعمال الأدبية والفكرية المهمة، من بينها «مالون يحتضر» لصامويل بيكت، و«تسكع بين باريس ولندن» لجورج أورويل، و«الأمير الأسود» لايريس مردوخ، و«صور بغدادية» لفريا ستارك، فضلًا عن ترجمته البارزة لكتاب حنا بطاطو «الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق».
كما عمل مترجمًا لصالح البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومنظمة اليونيسيف، فضلًا عن كونه عضوًا في الهيئة الاستشارية لـدار المأمون، اذ أسهم في تقييم ومراجعة عدد من الأعمال المترجمة قبل نشرها.
في هذا الحوار، نتوقف مع الدكتور سعد الحسني عند تجربته الطويلة في الترجمة والأدب، ورؤيته لتحولات المشهد الثقافي، ومستقبل الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أبرز المحطات التي شكّلت مسيرته الأكاديمية والمهنية.
* ما الذي قادكم إلى التخصص في الأدب المسرحي البريطاني الحديث تحديداً؟
- إن اختياري لتخصص الأدب المسرحي في قسم اللغة الإنجليزية لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة شغف قديم بدأ منذ الطفولة، حين كنت أتابع العروض المسرحية العراقية بشغف، خاصة ما يُقدَّم على خشبة المسرح الوطني والمركز الثقافي وعروض الفرقة القومية، المرتبطة بأسماء بارزة في تاريخ المسرح العراقي.
ومع دخولي قسم اللغة الإنجليزية، ازداد هذا الاهتمام من خلال دراسة الدراما والمسرح إلى جانب الشعر والقصة، لكنني وجدت نفسي أكثر ميلاً إلى المسرح لما يحمله من أبعاد فكرية وجمالية. كما كان لأحد أساتذتي الراحلين أثر كبير في تعزيز هذا التوجه، إذ شجعنا على التعامل مع النص المسرحي بوصفه فناً حياً مرتبطاً بالأداء والتنفيذ التلفزيوني والإذاعي. وفي المراحل المتقدمة من الدراسة، تعمق اهتمامي بالمسرح الحديث، خاصة مع التعرف على أعمال رواد مثل أوجين يونسكو وآرثر أداموف، الذين أسهموا في كسر القواعد الكلاسيكية وابتكار أشكال جديدة للتعبير المسرحي. كذلك ساعدتني التطبيقات العملية وتحليل العروض المسرحية على تكوين رؤية نقدية تنظر إلى المسرح كحدث حي يتفاعل مع الجمهور، وليس مجرد نص مكتوب. ولذلك أصبح المسرح بالنسبة لي أكثر من تخصص أكاديمي، بل جزءاً من رؤيتي الأدبية والنقدية.
* إلى أي مدى أثّرت تجربتكم الطويلة في التدريس الجامعي على مشروعكم الثقافي والترجمي؟
- لا شكّ أن تجربتي الطويلة في تدريس الأدب البريطاني، ولا سيما المسرح البريطاني الحديث، تركت أثرًا واضحًا في مشروعي الثقافي والترجمي، إذ منحتني معارف واسعة وأدوات فكرية وثقافية متعددة. فالمسرح يختلف عن بقية الفنون الأدبية لأنه يجمع بين الجانب العملي المرتبط بالتمثيل، والجانب النظري المتعلق بالنظريات المسرحية البريطانية والعالمية.
كما أسهم تدريسي لمواد مختلفة، مثل الرواية الفيكتورية، في تعميق فهمي للمشاعر الإنسانية وكيفية تجسيدها فنيًا على خشبة المسرح. فقد تركت أعمال كتّاب مثل شارلوت برونتي أثرًا كبيرًا في رؤيتي الفنية، إذ أدركت من خلالها كيف يمكن للأحاسيس الإنسانية العميقة أن تتحول إلى حركات وإيماءات وتعبيرات مسرحية تعبّر عن الجوهر الإنساني.
وقد انعكس ذلك أيضًا على تجربتي في الترجمة، لأن الترجمة الأدبية لا تعتمد فقط على نقل الكلمات، بل تحتاج إلى فهم نفسي وثقافي وجمالي للنص. ومن هنا، أصبحت أكثر وعيًا بأهمية الثقافة الواسعة بالنسبة للمترجم والممثل على حد سواء، إذ كنت أؤمن دائمًا بأن القراءة المستمرة والاطلاع على مختلف النصوص يساعدان الفنان والمثقف على فهم الجمهور والتأثير فيه بصورة أعمق.
* كيف أسهم عملكم مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومنظمة اليونيسيف في توسيع رؤيتكم المهنية والثقافية في مجال الترجمة؟
- أما فيما يتعلق بعملي مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNDP) ومنظمة اليونيسف، فقد شكّلت هذه التجربة محطة مهمة في مسيرتي المهنية والثقافية، إذ عملت مع هاتين المؤسستين بدوام جزئي إلى جانب عملي أستاذًا للغة الإنجليزية في كلية الآداب. وقد أتاحت لي هذه التجربة التعرف على بيئة عمل مختلفة تمامًا من حيث دقة المصطلحات، وسياقات الأداء المهني، وآليات الترجمة المعتمدة داخل المؤسسات الدولية.
وقد أسهم هذا العمل في تطوير مهاراتي في الترجمة التحريرية والترجمة التعاقبية والشفوية، كما منحني فرصة للاحتكاك بمترجمين عرب وأجانب واكتساب خبرة أوسع في طبيعة العمل الترجمي داخل البيئات الدولية. ومن أبرز ما تعلمته آنذاك أهمية الدقة والانتباه للتفاصيل، إضافة إلى احترام الوقت والتركيز العالي أثناء الترجمة التعاقبية، حيث كان العمل يتم وفق نظام مهني دقيق يضمن الحفاظ على جودة الترجمة وتركيز المترجم.
كما أضافت هذه التجربة إلى مخزوني الثقافي واللغوي الكثير، خاصة من خلال اطلاعي على مصطلحات وأساليب معتمدة داخل منظومة الأمم المتحدة. وقد ساعدني ذلك على تكوين ما يمكن تسميته بـ«قاموسي الشخصي» في الترجمة، وهو ما انعكس لاحقًا على أعمالي في الترجمة التحريرية والفورية، ومنحني قدرة أكبر على التعامل مع النصوص المتخصصة ضمن سياقات عربية ودولية أوسع.
* ما المعايير التي تعتمدونها عند نقل النص الأدبي إلى العربية مع الحفاظ على روحه الأصلية؟
- أعتقد أن الترجمة الأدبية تُعد من أكثر أنواع الترجمة صعوبة وتعقيدًا، لأنها لا تعتمد على نقل الكلمات فقط، بل على نقل الروح والإحساس والأسلوب والخيال. فكل لغة تحمل خلفيتها الحضارية والثقافية الخاصة، لذلك تبقى هناك فجوة لا يمكن تجاوزها بالكامل بين النص الأصلي والنص المترجم. ومن هنا، فإن المترجم الأدبي لا يسعى إلى الترجمة الحرفية بقدر ما يحاول الحفاظ على الأثر النفسي والجمالي للنص. فالنصوص الأدبية مليئة بالإيحاءات والرموز والصور التي قد لا تجد مقابلاً دقيقًا في العربية، مما يتطلب من المترجم مرونة لغوية وثقافة واسعة تساعده على تقريب روح النص إلى القارئ العربي.
وأرى أن نجاح الترجمة الأدبية يرتبط بقدرة المترجم على الكتابة الجيدة بلغته الأم، لأن بعض الترجمات تضعف أسلوبيًا بسبب ضعف التمكن من العربية. فالمترجم الحقيقي يجب أن يكون كاتبًا جيدًا أيضًا، لأن الترجمة الأدبية هي إعادة خلق للنص بلغة جديدة.
وتظهر هذه الصعوبة بصورة أكبر في ترجمة الشعر، بسبب ارتباطه بالإيقاع والخيال والخصوصية الثقافية، لذلك قد يقدّم المترجم أحيانًا نصًا أدبيًا موازيًا أكثر من كونه ترجمة مطابقة. أما في الرواية والقصة، فتتمثل الصعوبة في نقل الجو النفسي والثقافي للنص بطريقة تحافظ على روحه وتجعله قريبًا من القارئ العربي.
* تُعد رواية «الأمير الأسود» الصادرة عن دار المأمون من الأعمال الأدبية المعقدة، فما أبرز التحديات التي واجهتكم أثناء ترجمتها؟
- شكّلت ترجمة رواية الأمير الأسود للكاتبة آيريس مردوك تحديًا حقيقيًا على المستوى الفني والترجمي، بسبب طبيعتها السردية المعقدة واعتمادها على التحليل النفسي العميق للشخصيات. فالرواية لا تقوم على حبكة واحدة مستقيمة، بل على مجموعة من الحبكات المتداخلة التي تتشابك فيها الدوافع النفسية والعلاقات الإنسانية بصورة مركبة، مما يتطلب من المترجم دقة كبيرة في نقل هذا التعقيد من دون الإخلال بروح النص.
وتدور الرواية حول محور أساسي يتفرع إلى مسارات متعددة ترتبط بشخصيات مختلفة وأحيانًا بأجيال متباينة، ومن أبرزها العلاقة العاطفية بين شابة صغيرة في السن ورجل متقدم في العمر، وهي علاقة تحمل توترًا نفسيًا دائمًا وتفتح المجال أمام احتمالات متعددة في فهم الأحداث وتطورها. وهذا ما جعل الرواية تتجاوز السرد التقليدي لتدخل في فضاء فلسفي ونفسي عميق.
ومن الجوانب اللافتة في هذه التجربة اختلاف المترجمين العرب في نقل عنوان الرواية بين “الأمير الأسود” و“الأمير الأسمر”، وهو اختلاف يكشف صعوبة نقل الدلالات الثقافية والرمزية في النص الأدبي، لأن الترجمة هنا ليست مجرد نقل حرفي، بل عملية تأويل واختيار جمالي.
وقد حاولت من خلال هذه الترجمة أن أقدّم للقارئ العربي عملًا أدبيًا مهمًا، وأن أضيف إلى رصيد دار المأمون عملاً أدبيًا وفكريًا ذا قيمة عالية، خصوصًا أن آيريس مردوك تُعد من أبرز الأسماء في الأدب البريطاني، رغم محدودية حضورها في الترجمة العربية. كما دفعتني هذه التجربة لاحقًا إلى كتابة دراسة تحليلية حول الرواية، تناولت فيها البنية النفسية المعقدة للشخصيات وتداخل مستويات السرد، حيث تتقاطع شخصيات الكاتب والمؤلف والعاشق في شبكة سردية تجعل الحدود بين الواقع والتخييل شديدة الالتباس.
ومن هذا المنطلق، أرى أن نشر هذه الرواية عبر دار المأمون أسهم في إثراء المكتبة العربية بعمل أدبي وفلسفي عميق، يظل قابلًا للقراءة والتحليل ضمن سياقات نقدية متعددة، خاصة في مجال النقد النفسي والسردي.
* هل ترون أنفسكم بالدرجة الأولى مترجماً أم أستاذاً أكاديمياً؟
- أستطيع القول إن عملي الأكاديمي والترجمة شكّلا مسارين متكاملين في حياتي، غير أن الترجمة بقيت بالنسبة لي شغفًا عميقًا أكثر من كونها مهنة. فمنذ بداياتي الأولى في تعلّم اللغة الإنجليزية شعرت برغبة داخلية في نقل الكلمات والمعاني إلى العربية، حتى إنني كنت أشرح لوالدي، رحمه الله، ما أتعلمه من مفردات جديدة، وكأنني أمارس الترجمة بصورة فطرية قبل أن أدركها علمًا وفنًا.
ومع مرور الوقت تحوّل هذا الشغف إلى ممارسة حقيقية، خاصة بعد نشر أول ترجمة لي في إحدى الصحف المحلية، ما منحني دافعًا للاستمرار والتعمق في دراسة نظريات الترجمة وتطبيقها عمليًا. لذلك لم أنظر إلى الترجمة بوصفها مصدر دخل فحسب، بل باعتبارها مساحة للمتعة الفكرية والإبداع واكتشاف الذات.
وفي المقابل، أسهم عملي الأكاديمي في تطوير أدواتي النقدية والمعرفية، وأتاح لي الاطلاع على نصوص أدبية وفكرية متنوعة، ما ساعدني على اختيار الأعمال الجديرة بالترجمة وفق رؤيتي النقدية. كما تأثرت بتجارب عدد من كبار المترجمين والأدباء العراقيين والعرب، مثل عبد الواحد لؤلؤة ومحمد درويش وصفاء خلوصي ويوسف عبد المسيح ثروت، فضلًا عن أسماء أدبية بارزة مثل بدر شاكر السياب وجبرا إبراهيم جبرا، الذين أسهموا في ترسيخ قيمة الترجمة بوصفها مشروعًا ثقافيًا ومعرفيًا.
ومن هذا المنطلق، كنت حريصًا على تطوير إمكانياتي الترجمية باعتبارها مسؤولية ثقافية، إذ لا تهمني كثرة الكتب المترجمة بقدر أهمية النص وقدرته على إحداث أثر ثقافي وإثارة النقاش داخل الوسط الأدبي.
* كيف تقيّمون واقع الترجمة اليوم في ظل التحولات الثقافية المتسارعة؟
- أعتقد أن واقع الترجمة اليوم تغيّر بصورة كبيرة عمّا كان عليه في الماضي، خاصة بعد الثورة الرقمية وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أحدثت تحولًا واضحًا في مفهوم الترجمة ومعاييرها. ففي السابق كانت جودة الترجمة تعتمد أساسًا على خبرة المترجم وثقافته وتمكنه اللغوي، أما اليوم فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج ترجمات سريعة ودقيقة نسبيًا، حتى لمن لا يمتلك خبرة عميقة في هذا المجال.
وقد أدى ذلك إلى تراجع الفوارق التقليدية بين المترجمين، لأن هذه الأدوات تستطيع تقديم نصوص متماسكة لغويًا خلال وقت قصير جدًا، اعتمادًا على قواعد بيانات ضخمة وخوارزميات متطورة. وأتذكر في هذا السياق تجربتي مع ترجمة كتاب عن الطبقات الاجتماعية والحركات الفكرية في العراق، وهو عمل استغرق مني أكثر من سنتين، وتألف من ثلاثة أجزاء تجاوزت آلاف الصفحات. أما اليوم، فمن الممكن نظريًا إنجاز ترجمة مشابهة خلال فترة قصيرة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، أرى أن الترجمة لا تزال بحاجة إلى الوعي البشري، خاصة في النصوص الأدبية والثقافية التي تتطلب فهمًا عميقًا للروح الفكرية والجمالية للنص. فالآلة قد تنجح في إنتاج ترجمة سليمة من الناحية اللغوية، لكنها لا تستطيع دائمًا نقل الإحساس والثقافة والدلالات النفسية الكامنة في العمل الأدبي.
لذلك أعتقد أن مستقبل الترجمة لن يقوم على إلغاء دور المترجم البشري، بل على إعادة تعريف هذا الدور، بحيث يصبح أكثر ارتباطًا بالمراجعة والتحليل والتأويل الثقافي، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة بوصفها أدوات مساعدة، لا بديلًا كاملًا عن الخبرة الإنسانية.
* صف لنا تجربة دار المأمون بين مؤسسات النشر والترجمة العربية، وما الذي يميز الدار برأيكم في دعم حركة الترجمة والثقافة؟
- دار المأمون تُعد من أبرز المؤسسات العراقية والعربية التي تبنّت مشروع الترجمة بوصفه مشروعًا ثقافيًا وفكريًا متكاملًا، مستندة إلى تاريخ بغداد العريق في حركة الترجمة ونقل المعارف. فهي لا تمثل مجرد جهة لنشر الكتب المترجمة، بل مؤسسة ثقافية رصينة تهدف إلى تقديم أعمال ذات قيمة فكرية وأدبية عالية، مما جعل إصداراتها تحظى بثقة القارئ العراقي والعربي.
وقد أسهمت الدار في الانفتاح على آداب وثقافات العالم، وفي تعزيز الذائقة الفكرية من خلال اختيارات دقيقة ومدروسة للكتب. ومن خلال تجربتي الشخصية معها، أرى أنها وفّرت بيئة ثقافية مهمة جمعت عددًا من المترجمين والأكاديميين الذين أسهموا في رفد المكتبة العربية بأعمال متميزة. كما تشرفت بالمشاركة في هيئتها الاستشارية التي تعمل على تقييم النصوص ومراجعتها قبل النشر، بما يضمن الحفاظ على المستوى الثقافي للإصدارات.
وأعتقد أن تميز الدار يعود إلى عاملين أساسيين: حسن اختيار الكتب وفق قيمتها الفكرية والثقافية، وتوفيرها بأسعار مناسبة تتيح وصولها إلى شريحة واسعة من القراء. وقد انعكس ذلك في الحضور الواضح لإصداراتها في المعارض العربية والدولية، وفي التفاعل الثقافي الذي تحققه داخل العراق وخارجه.
لذلك يمكن القول إن دار المأمون أسهمت في تعزيز حضور الكتاب العراقي المترجم عربيًا، وفي بناء جسور تواصل بين القارئ العربي والثقافات العالمية، مما منحها مكانة متقدمة في المشهد الثقافي العربي.
* كيف تصفون دور الجمعيات المهنية في حماية المترجم وتطوير حركة الترجمة؟
- حماية حقوق المترجم في العراق ما زالت بحاجة إلى تنظيم قانوني ومؤسساتي أكثر وضوحًا، رغم وجود جهات ثقافية معنية بهذا المجال، مثل جمعية المترجمين العراقيين ودار المأمون، التي تُعد من أبرز المؤسسات الداعمة للحركة الترجمية.
فالمترجم لا يزال يواجه مشكلات تتعلق بالأجور والعقود والتوصيف المهني، مقارنة بما هو معمول به عالميًا. لذلك أرى ضرورة وضع قوانين واضحة تنظم مهنة الترجمة، وتحدد تصنيفات مهنية وفق الخبرة والكفاءة، مع بيان الحقوق والواجبات بصورة دقيقة. كما أعتقد بأهمية اعتماد هوية مهنية رسمية للمترجم، وتحديد صفته كمترجم معتمد أو محلف، إضافة إلى وضع آليات واضحة لتحديد الأجور بما ينسجم مع المعايير الدولية.
وفي تقديري، تمتلك دار المأمون، بحكم خبرتها الطويلة وارتباطها بوزارة الثقافة، القدرة على لعب دور أكبر في تنظيم هذا القطاع. فالدار لم تكن مجرد جهة للنشر، بل مشروعًا ثقافيًا مهمًا أسهم في ترسيخ الترجمة بوصفها عملاً مؤسساتيًا. ومع ذلك، بقي المترجم في كثير من الأحيان “الجندي المجهول” خلف هذا الإنتاج الثقافي، مما يجعل الحاجة ملحّة اليوم لإعادة تنظيم قطاع الترجمة بما يضمن العدالة المهنية ويحفظ مكانة المترجم ودوره الثقافي.
* ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المترجمين الذين يشعرون بالقلق تجاه مستقبل مهنتهم مع وجود الذكاء الاصطناعي؟
- رسالتي إلى المترجمين، لا سيما الشباب، أن الترجمة اليوم تواجه تحديًا كبيرًا مع التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرًا على إنتاج ترجمات سريعة ودقيقة نسبيًا. لكنني لا أرى في هذه التقنيات تهديدًا نهائيًا للمترجم، بل أداة جديدة ينبغي فهمها والاستفادة منها بوعي.
فبدل مقاومة الذكاء الاصطناعي، يمكن توظيفه في تسريع العمل وتحسينه، مع الحفاظ على الدور الإبداعي والثقافي للمترجم. وقد لاحظت من خلال تجربتي أن هذه التقنيات تستطيع إنجاز ترجمات جيدة خلال وقت قصير، لكنها ما تزال بحاجة إلى مراجعة بشرية دقيقة، لأن بعض الصياغات قد تفتقر إلى الحس الثقافي والأسلوبي.
ويظهر ذلك بوضوح في الترجمة الأدبية والثقافية، لأنها لا تعتمد على نقل المعنى فقط، بل على نقل روح النص وجمالياته وسياقه الثقافي، وهي عناصر يصعب على الآلة استيعابها بالكامل. أما في المجالات العلمية أو الطبية أو الهندسية، فقد تكون الترجمة الآلية أكثر فاعلية لاعتمادها على الدقة والمصطلحات. لذلك أدعو المترجمين إلى مواكبة هذا التحول التكنولوجي والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة مساعدة تعزز قدراتهم، لا بديلاً عن خبرتهم ووعيهم الثقافي.
* برأيكم، هل نال المترجم العراقي المكانة التي يستحقها ثقافياً ومؤسساتياً، أم ما يزال يواجه التهميش وضعف التقدير رغم دوره المهم في نقل المعرفة والثقافة؟
أعتقد أن المترجم لا يزال يعاني من التهميش في كثير من الجوانب، بسبب ضعف الوعي بأهمية الترجمة لدى بعض المؤسسات والأوساط الثقافية. فمن خلال تجربتي في الترجمة الفورية والتحريرية، كنت ألاحظ وجود فئة تُقدّر دور المترجم في نقل المعرفة، وأخرى تنظر إلى الترجمة بوصفها عملاً ثانوياً، رغم اعتمادها عليها في فهم الوثائق والنصوص.
ويظهر ذلك بوضوح في المجالات التجارية والقانونية، حيث تُطلب ترجمة العقود والاتفاقيات أحياناً من دون إدراك لحساسية المصطلحات ودقة الصياغة. وكان المترجم سابقاً يبذل جهداً كبيراً في البحث والتدقيق للوصول إلى ترجمة دقيقة وسليمة.
أما اليوم، فقد دفعت تقنيات الذكاء الاصطناعي بعض المؤسسات إلى التقليل من قيمة الجهد البشري، رغم أن المراجعة البشرية تبقى ضرورية، خاصة في النصوص القانونية والتجارية التي قد يؤدي الخطأ فيها إلى نتائج خطيرة. ورغم هذه التحديات، يبقى المترجم عنصراً أساسياً في الحياة الثقافية والمعرفية، لأنه يشكل جسراً لنقل المعرفة بين اللغات والثقافات، حتى وإن ظل هذا الدور يفتقر أحياناً إلى التقدير المؤسسي الكافي.
الجمعة 5 حزيران 2026

04/06/2026
03/06/2026
03/06/2026
03/06/2026
02/06/2026
01/06/2026
31/05/2026
29/05/2026