26/05/2026
بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، أتقدم بأصدق التهاني والتبريكات إلى أبناء شعبنا الكريم، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن يعيده على الجميع بالخير واليُمن والبركات، وأن يحفظ عراقنا العزيز وشعبه من كل سوء، ويديم علينا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.
كما نسأل الله أن يكون هذا العيد مناسبةً لتعزيز قيم التراحم والتكاتف والمحبة، وأن يوفق الجميع لخدمة الوطن وبناء مستقبله بما يليق بتضحيات أبنائه وطموحاتهم.
كل عام وأنتم بخير.
أ.د. عبد الكريم كاظم عجيل
25/05/2026
صحيفة المدى تنشر مقالنا الموسوم:
الحكومة وسؤال العقيدة الاقتصادية المؤجل:هل آن أوان العقد الاقتصادي الجديد للعراق؟
د. عبد الكريم كاظم عجيل
هل يمتلك العراق اليوم فعلاً "عقيدة اقتصادية" واضحة، أم أن الدولة ما تزال تتحرك ضمن نموذج هجين يجمع بين اقتصاد السوق نظرياً، والاقتصاد الموجَّه إدارياً، والاقتصاد الريعي واقعاً؟
قد يبدو هذا السؤال صادماً، لكنه يمثل أحد أخطر الأسئلة المؤجلة في بنية الدولة العراقية بعد عام 2003. فالعراق، رغم التحولات السياسية الكبرى التي شهدها، لم يحسم حتى الآن هويته الاقتصادية بصورة واضحة؛ هل نحن أمام اقتصاد سوق حقيقي؟ أم اقتصاد تقوده الدولة مركزياً؟ أم نموذج مختلط لم تكتمل ملامحه الفكرية والتشريعية والمؤسسية؟
لقد حاول الدستور العراقي لعام 2005 أن يؤسس لتحول اقتصادي جديد عندما نصت المادة (25) على "إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة، بما يضمن استثمار كامل موارده، وتنويع مصادره، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته". إلا أن التطبيق العملي بقي محكوماً بتناقض واضح بين الخطاب الاقتصادي الحديث والبنية التشريعية والإدارية التي ما تزال أجزاء واسعة منها تتحرك بعقلية الاقتصاد المركزي.
فبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، ما تزال الدولة اللاعب الاقتصادي الأكبر، وما يزال القطاع الخاص يواجه بيئة تشريعية وإدارية معقدة، في وقت تتحدث فيه السياسات الرسمية عن اقتصاد السوق وجذب الاستثمار. وقد خلق هذا التداخل حالة من "الازدواج الاقتصادي البنيوي"، حيث تتعايش فلسفات اقتصادية متعارضة داخل الدولة نفسها، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على بيئة الأعمال، وسرعة اتخاذ القرار الاقتصادي، وضعف مساهمة القطاع الخاص في الإنتاج والتشغيل والتنمية.
وتزداد خطورة هذه الإشكالية مع استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط. فبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الإيرادات النفطية تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة العراقية، فيما تمثل الصادرات النفطية ما يقارب 99% من إجمالي الصادرات. أما القطاعات الإنتاجية الأخرى، فما تزال مساهمتها محدودة قياساً بالإمكانات الكبيرة التي يمتلكها العراق.
ولا يرتبط خطر هذا الاعتماد بالتقلبات المالية فقط، بل يمتد إلى ما يُعرف اقتصادياً بـ "المرض الهولندي"، وهو المفهوم الذي يصف حالة الاقتصادات التي تؤدي فيها الوفرة الريعية إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى، كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، نتيجة تضخم الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وتراجع القدرة التنافسية للإنتاج المحلي.
وقد أدى ذلك إلى تكريس اقتصاد ريعي استهلاكي أكثر من كونه اقتصاداً إنتاجياً تنموياً، فأصبحت الدولة تتحمل العبء الأكبر في التشغيل والإنفاق والرعاية الاقتصادية، بينما بقي الاقتصاد الوطني هشاً أمام تقلبات أسواق الطاقة والأزمات الدولية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الاقتصاد الريعي، بل في أن العالم نفسه يتغير بسرعة غير مسبوقة. فالعالم اليوم لا يعيش تحولات اقتصادية تقليدية، بل يمر بإعادة تشكيل شاملة لمفاهيم القوة والثروة والإنتاج. إذ لم تعد القوة الاقتصادية تُقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية، بل بامتلاك التكنولوجيا، والسيطرة على البيانات، والقدرة على إنتاج المعرفة والابتكار.
ولم يعد الحديث عن "اقتصادات المستقبل" مجرد توصيف نظري، بل أصبح يمثل الاتجاه الفعلي للاقتصاد العالمي. فالاقتصاد الرقمي بات يشكل ما بين 15% إلى 21% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بقيمة تتراوح بين 16 و24 تريليون دولار، مع توقعات بنمو يفوق ثلاثة أضعاف متوسط النمو العالمي خلال السنوات المقبلة. كما يُتوقع أن يرتفع حجم سوق الذكاء الاصطناعي من نحو 294 مليار دولار حالياً إلى ما يقارب 2.5 تريليون دولار بحلول عام 2034.
أما قطاع الطاقة المتجددة، فقد تجاوزت قيمته العالمية تريليون دولار، بالتزامن مع التحول العالمي التدريجي نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. في حين أصبحت اقتصادات المعرفة والابتكار تنمو بمعدلات تفوق الاقتصادات التقليدية بأضعاف، مع انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو الدول القادرة على إنتاج التكنولوجيا والمعرفة، لا استهلاكها فقط.
وفي ضوء هذه التحولات، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار اعتماد العراق على النفط، بل في احتمال دخوله المتأخر إلى اقتصاد المستقبل، في وقت تعيد فيه الدول الكبرى والمتوسطة بناء نماذجها الاقتصادية وفق معايير الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.
كما أن العراق يواجه تحدياً ديموغرافياً متصاعداً، مع دخول مئات الآلاف من الشباب سنوياً إلى سوق العمل، في وقت أصبحت فيه الوظيفة الحكومية عاجزة عن الاستيعاب كما في السابق. وهذا يعني أن استمرار النموذج الريعي الحالي لن يكون قادراً على إنتاج الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي مستقبلاً.
إن الجيل العراقي الجديد لا يحتاج فقط إلى وظائف، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج قادر على خلق الفرص والابتكار والحراك الاجتماعي. ومن هنا، فإن تأجيل حسم الهوية الاقتصادية للدولة لم يعد مجرد إشكالية فكرية، بل أصبح تحدياً استراتيجياً يتعلق بمستقبل العراق نفسه.
وتؤكد التجارب الدولية أن الدول التي نجحت اقتصادياً لم تعتمد نموذجاً جامداً، بل بنت فلسفات اقتصادية تتناسب مع خصوصيتها الوطنية. فروسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعادت بناء نموذجها الاقتصادي بصورة تجمع بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على سيادة الدولة في القطاعات الاستراتيجية. أما الصين، فقد قدمت واحدة من أهم التجارب الاقتصادية الحديثة عبر نموذج "اقتصاد السوق الاشتراكي"، الذي جمع بين التخطيط الاستراتيجي والانفتاح على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، ما جعلها تتحول خلال عقود قليلة إلى قوة اقتصادية عالمية. أما ألمانيا، فقد نجحت في بناء "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الذي حقق توازناً بين حرية السوق والاستقرار الاجتماعي، وأصبح لاحقاً أحد أكثر النماذج الاقتصادية استقراراً ونجاحاً في العالم.
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب لا يتمثل في استنساخ نموذج اقتصادي واحد، بل في امتلاك "عقيدة اقتصادية وطنية" واضحة تحدد دور الدولة والسوق وأولويات التنمية وحدود التدخل الاقتصادي. ومن هنا، فإن العراق لا يحتاج إلى استيراد نموذج اقتصادي جاهز، بقدر ما يحتاج إلى بناء "نموذج اقتصادي عراقي" خاص به، يستند إلى موارده وإمكاناته وموقعه الجيوسياسي وخصوصيته الاجتماعية، ويحقق التوازن بين دور الدولة ومتطلبات السوق، وبين السيادة الاقتصادية والانفتاح العالمي، وبين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.
إن الحديث عن "العقد الاقتصادي الجديد" لا يعني الدعوة إلى خصخصة شاملة أو انسحاب الدولة من الاقتصاد، كما لا يعني العودة إلى المركزية الاقتصادية التقليدية، بل يعني الانتقال إلى "الدولة التنموية الذكية"، أي الدولة القادرة على قيادة التنمية، وتنظيم السوق، وتحفيز الاستثمار، وبناء بيئة إنتاجية تنافسية، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي والسيادة الاقتصادية والمصالح الوطنية العليا.
ولا يمكن لأي مشروع اقتصادي جديد أن ينجح من دون مراجعة شاملة للبنية التشريعية الاقتصادية، وإعادة مواءمتها مع متطلبات الاقتصاد الحديث، والتحول الرقمي، واقتصادات المستقبل، وإنهاء حالة التناقض بين التشريعات القديمة والتوجهات الاقتصادية الجديدة.
ومع ولادة حكومة جديدة برئاسة الأستاذ علي الزيدي، القادم من بيئة الأعمال والاقتصاد، تبدو الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لفتح هذا الملف المؤجل برؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه العراق خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في إدارة الثروة، بل في بناء اقتصاد وطني سيادي منتج ومستدام قادر على تحقيق التنمية، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز الاستقرار الوطني.
ولعل الخطوة الأولى في هذا المسار تبدأ بالاعتراف بأن العراق لا يحتاج اليوم إلى إصلاحات اقتصادية جزئية فحسب، بل إلى "عقد اقتصادي جديد" يعيد صياغة الهوية الاقتصادية للدولة بصورة واضحة ومستقرة، ويحدد أولويات التنمية الوطنية، ويرسم حدود العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاقتصاد أداة لبناء الدولة وتعزيز نفوذها واستقرارها، لا عبئاً دائماً على مستقبلها.
وربما لم يعد السؤال اليوم: هل يحتاج العراق إلى إصلاح اقتصادي؟ بل: هل يستطيع العراق الدخول إلى عالم ما بعد النفط وعصر الذكاء الاصطناعي من دون حسم هويته الاقتصادية أولاً؟ فالدول التي تتأخر في حسم عقيدتها الاقتصادية، تتأخر غالباً في حسم مكانتها داخل النظام الدولي نفسه.
https://almadapaper.net/436817/
24/05/2026
تشرفت اليوم بزيارة جامعة النهرين /كلية العلوم السياسية ولقاء عميدها الأستاذ الدكتور اسامه مرتضى السعيدي، وذلك على هامش مشاركتي عضواً في لجنة مناقشة رسالة ماجستير في الكلية.
وشهد اللقاء بحث آفاق التعاون العلمي والعمل المشترك بين كلية العلوم السياسية والمعهد العالي لإعداد وتأهيل القادة، بما يسهم في دعم الأنشطة العلمية وتطوير القدرات الأكاديمية والمهنية وتعزيز التواصل المؤسسي بين الجانبين.
لقاء
التقى عميد كلية العلوم السياسية بجامعة النهرين الاستاذ الدكتور اسامة مرتضى باقر السعيدي، بالاستاذ الدكتور عبد الكريم كاظم عجيل، عميد المعهد العالي لإعداد وتأهيل القادة التابع للامانة العامة لمجلس الوزراء، وذلك لبحث آفاق التعاون والعمل المشترك بين الكلية والمعهد.
ويأتي اللقاء عقب مشاركة الضيف كأحد أعضاء لجنة المناقشة في كليتنا.
وبحث الطرفان تعزيز الجهود العلمية المشتركة بين الجانبين اذ غالبا ما يرعى المعهد الانشطة العلمية والندوات والزيارات التي يقوم بها اساتذة وطلبة الكلية للاطلاع على احد الصروح المهمة في اعداد وتأهيل الكفاءات ودعم القدرات المهنية والعلمية لكافة مؤسسات الدولة.
______________________
الموقع الالكتروني الرسمي ✅ع
https://pol.nahrainuniv.edu.iq/
صفحة الفيس بوك الرسمية ✅
https://www.facebook.com/profile.php?id=100066559028232&mibextid=LQQJ4d
صفحة الإنستغرام الرسمية ✅
https://instagram.com/polic_y94?igshid=NTc4MTIwNjQ2YQ==
صفحة التيليجرام الرسمية ✅
https://t.me/politicSciencesalNahrainUniv
صفحة التويتر الرسمية ✅
https://twitter.com/pscnahrain/status/1590247036062150656?s=48&t=KUy6P-wINwdtbC9ufAx2kQ
رابط مجلة الكلية الالكتروني ✅
https://pissue.iq/index.php/pissue
رقم التواصل مع الكلية ✅
07744448841
❍•┈┈┈••✦✿✦••┈┈┈•❍
23/05/2026
من خلال دبلوماسية التنمية يمكن للعراق تبني، استراتيجية جيواقتصادية تعيد توظيف موقع العراق وموارده لبناء شبكة مصالح إقليمية، مستبدلةً عقلية إدارة الأزمات بفرص إنتاجية تحقق تنمية داخلية مستدامة.
دراسة ينشرها المركز، لـ د. عبد الكريم كاظم عجيل. للقراءة والاطلاع، على الرابط: 👇
https://www.bayancenter.org/2026/05/15788/
22/05/2026
بين إرث الأزمات ومتطلبات بناء الدولة.. أولويات المنهاج الوزاري
مجلة الشبكة العراقية تنشر مقالنا
بين إرث الأزمات ومتطلبات بناء الدولة.. أولويات المنهاج الوزاري » مجلة الشبكة العراقية
أ. د. عبد الكريم كاظم عجيل في لحظة سياسية دقيقة، يجد العراق نفسه أمام تكليف يختلف، في طبيعته، عن السياق التقليدي الذي حكم تشكيل الحكومات خلال العقدين الماضيين. فاختي....
18/05/2026
«دبلوماسية التنمية: شراكات في الخارج، تنمية في الداخل»
رؤية مقترحة للحكومة العراقية الجديدة لإعادة تعريف عقيدة السياسة الخارجية
✍️أ.د. عبد الكريم كاظم عجيل
عميد المعهد العالي لإعداد وتأهيل القادة
مع نيل الحكومة العراقية الجديدة الثقة، يبرز تساؤل جوهري: أيُّ سياسةٍ خارجية يحتاجها العراق في ظل الأزمات الداخلية المتراكمة والتوتر الإقليمي المتصاعد؟
يبدو هذا السؤال سياسياً في ظاهره، لكنه في الحقيقة سؤال يرتبط بمستقبل الدولة العراقية نفسها؛ لأن العالم يتحول بسرعة من عصر الجيوبوليتيك التقليدي إلى عصر الجيواقتصاد، حيث أصبحت الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا أدوات قوة لا تقل تأثيراً عن الجيوش والتحالفات العسكرية.
وفي خضم هذا التحول العالمي، يقف العراق أمام لحظة استراتيجية نادرة؛ فهو يمتلك كل المقومات التي تؤهله للتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية: موقعاً جغرافياً يربط الخليج بتركيا وأوروبا وآسيا، وواحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وسوقاً كبيرة، وعمقاً عربياً وإقليمياً مهماً، وثروة بشرية شابة قادرة على قيادة التحول الرقمي والإنتاجي. لكن المشكلة التاريخية للعراق لم تكن في نقص الإمكانات، بل في غياب الرؤية التي تُحوّل هذه الإمكانات إلى مشروع دولة متكامل.
ولعل التعبير الأكثر دقة عن هذه الحالة ما قاله رئيس مجلس الوزراء الزيدي في أول جلسة لمجلس الوزراء عندما وصف الواقع الاقتصادي العراقي بقوله:
«لدينا اقتصادان؛ اقتصاد تقليدي يرفض أن يموت، واقتصاد حديث يرفض أن يولد».
في الحقيقة، لم تكن هذه العبارة توصيفاً اقتصادياً فقط، بل توصيفاً لمرحلة انتقال تاريخية يعيشها العراق بين نموذجين للدولة: دولة ريعية تشكلت حول النفط والإنفاق والاستهلاك والوظيفة العامة، ودولة جديدة لم تولد بعد، يُفترض أن تقوم على الإنتاج والاستثمار والمعرفة والاندماج الذكي في الاقتصاد العالمي.
وهنا تحديداً يبرز مفهوم «دبلوماسية التنمية» بوصفه الإطار الأكثر ملاءمة للسياسة الخارجية العراقية في المرحلة المقبلة؛ أي ربط السياسة الخارجية بالمصالح الاقتصادية الوطنية العليا، وتحويل الدبلوماسية من أداة لإدارة الأزمات والتوازنات إلى أداة لإنتاج التنمية وبناء القوة الوطنية.
فالعراق لا يحتاج اليوم إلى سياسة خارجية تُدار بمنطق ردود الأفعال، بل إلى سياسة خارجية يُقاس نجاحها بمقدار ما تحققه من استثمارات، وتكنولوجيا، وفرص عمل، وممرات تجارية، وشبكات طاقة، وأسواق، وشراكات تنموية طويلة الأمد.
إن جوهر دبلوماسية التنمية يقوم على معادلة بسيطة لكنها عميقة:
كل انفتاح خارجي يجب أن يتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد العراقي.
ومن هنا، فإن دبلوماسية التنمية المقترحة للعراق تقوم على ثلاثية استراتيجية مترابطة.
أولى هذه الركائز هي استثمار موارد القوة الداخلية؛ فالدول لا تبني نفوذها من الخارج قبل أن تكتشف عناصر قوتها الذاتية. والعراق يمتلك عناصر استثنائية تتمثل في الموقع الجغرافي، والنفط والغاز، والطريق البري الرابط بين آسيا وأوروبا، والموارد الزراعية، والثروة البشرية، والعمق العربي والإقليمي.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الموارد لا تتحقق بوجودها فقط، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى أدوات إنتاج ونفوذ.
إن «طريق التنمية» مثلاً لا ينبغي النظر إليه كمشروع نقل فقط، بل كمشروع لإعادة تعريف الدور الجيوسياسي للعراق في الاقتصاد العالمي الجديد. فالعالم يشهد اليوم إعادة رسم لسلاسل الإمداد العالمية بعد حرب أوكرانيا وتصاعد التنافس الأميركي ـ الصيني، وأصبحت الممرات التجارية والطاقة والبنى التحتية جزءاً من معادلات النفوذ الدولي. وفي هذا السياق، يمتلك العراق فرصة استراتيجية للتحول إلى عقدة ربط اقتصادي بين الخليج وتركيا وأوروبا.
كما أن ميناء الفاو الكبير لا يمثل مشروعاً خدمياً عادياً، بل بوابة استراتيجية يمكن أن تنقل العراق من اقتصاد ريعي مغلق إلى اقتصاد عبور وتجارة وخدمات إقليمية.
إن الدول التي تفشل في تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، تتحول جغرافيتها تدريجياً إلى ساحة نفوذ للآخرين. وهذه تحديداً كانت إحدى مشكلات العراق خلال العقود الماضية؛ إذ امتلك موقعاً استثنائياً، لكنه لم يمتلك مشروعاً استراتيجياً يوظف هذا الموقع ضمن شبكة مصالح اقتصادية تحمي الدولة وتعيد إنتاج قوتها.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في بناء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص؛ فالدولة الحديثة لم تعد قادرة وحدها على قيادة التنمية، خصوصاً في الاقتصادات الريعية المعقدة. ولذلك، فإن نجاح السياسة الخارجية العراقية المقبلة يجب أن يُقاس بقدرتها على جذب الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وبناء الاقتصاد الإنتاجي.
ويمتلك العراق اليوم فرصاً استثمارية ضخمة تُقدَّر بنحو 450 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والصناعة والخدمات. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن الفرص، بل في بناء بيئة ثقة مستقرة قادرة على تحويل العراق إلى وجهة استثمارية حقيقية.
وهذا يتطلب محاربة الفساد، وتقليل البيروقراطية، وإصلاح النظام الإداري، وحماية المستثمر ، وربط الاتفاقيات الدولية بالمصالح الإنتاجية الفعلية للاقتصاد العراقي.
كما يجب أن تتحول السفارات العراقية من بعثات بروتوكولية إلى منصات اقتصادية متخصصة تعمل على جذب الشركات، والتكنولوجيا، والأسواق، والخبرات الصناعية، والاستثمارات النوعية.
أما الركيزة الثالثة، فهي بناء شراكات خارجية متعددة الأطراف تعيد تعريف علاقات العراق الدولية ومكانته في المنظمات الدولية؛ فالعراق لا يحتاج اليوم إلى سياسة محاور، بل إلى سياسة توازنات اقتصادية ذكية. والعالم يتجه تدريجياً نحو «الجيواقتصاد»، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية أكثر تأثيراً من الاصطفافات السياسية التقليدية.
ومن هنا، فإن السياسة الخارجية العراقية يجب أن تقوم على قاعدة:
«تنويع الشراكات لا تنويع الخصومات».
فالعراق يرتبط اليوم بعلاقات اقتصادية واسعة مع محيطه الإقليمي. وقد بلغ حجم التبادل التجاري العراقي مع 11 دولة رئيسية نحو 65 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2024، فيما وصل حجم التجارة مع السعودية إلى أكثر من 1.3 مليار دولار، مع تصاعد واضح في العلاقات الاقتصادية الخليجية ـ العراقية.
كما تُعد تركيا واحدة من أهم الشركاء التجاريين للعراق، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية أكثر من 12 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مع خطط لرفعها إلى 30 مليار دولار على المدى المتوسط، فيما نفذت الشركات التركية أكثر من 1100 مشروع داخل العراق بقيمة تجاوزت 36 مليار دولار.
أما إيران، فما تزال واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للعراق، حيث تجاوزت صادراتها غير النفطية إلى العراق 10 مليارات دولار، خصوصاً في مجالات الكهرباء والغاز والسلع الأساسية.
تكشف هذه الأرقام حقيقة مهمة، وهي أن العراق يتحول تدريجياً إلى مركز ترابط اقتصادي إقليمي، لكن هذا التحول ما يزال يجري من دون فلسفة استراتيجية متكاملة للدولة.
ولهذا، فإن أحد أهم أدوار دبلوماسية التنمية يتمثل في إعادة تعريف وظيفة العلاقات الدولية العراقية، بحيث تتحول من إدارة التوازنات السياسية فقط إلى إدارة المصالح الاقتصادية الكبرى.
وفي هذا السياق، تصبح مراجعة مكانة العراق في المنظمات الدولية قضية استراتيجية لا بروتوكولية؛ فالعراق بحاجة إلى تقييم عضويته وأدواره في أوبك، وجامعة الدول العربية، والمؤسسات المالية الدولية، والمنظمات الاقتصادية، وفق معيار واضح: ما الذي تضيفه هذه العضوية إلى التنمية والسيادة الاقتصادية العراقية؟
فالعراق لا يحتاج حضوراً شكلياً في المنظمات الدولية، بل يحتاج دوراً وظيفياً يخدم الأمن المائي، والطاقة، والاستثمار، والتجارة، والربط الإقليمي، وتمويل البنى التحتية.
إن جوهر «دبلوماسية التنمية» يتمثل في الانتقال من عقلية «إدارة الأزمات» إلى عقلية «إدارة الفرص». فالعراق لا يفتقر إلى الإمكانات، بل إلى مشروع استراتيجي يعيد تنظيم هذه الإمكانات ضمن رؤية دولة.
ولهذا، فإن المعادلة الأهم التي ينبغي أن تحكم السياسة الخارجية العراقية الجديدة هي: شراكات في الخارج = تنمية في الداخل
فكلما انخفضت حدة التوترات الإقليمية عبر الشراكات السياسية والاقتصادية، ارتفعت فرص الاستثمار، والتجارة، والطاقة، والنقل، والاستقرار الاقتصادي.
وكلما نجح العراق في بناء شبكة مصالح اقتصادية متبادلة مع محيطه، ازدادت قدرته على حماية سيادته واستقلال قراره الوطني.
إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى تغيير أدوات السياسة الخارجية، بل إلى إعادة تعريف فلسفتها بالكامل. فالعالم يدخل مرحلة تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على إنتاج الاقتصاد لا إنتاج الأزمات، وعلى بناء الترابط لا الانقسام، وعلى تحويل الجغرافيا إلى منصة تنمية لا ساحة صراع.
وهنا تحديداً تكمن القيمة الاستراتيجية الكبرى لدبلوماسية التنمية بوصفها الرؤية الأكثر قدرة على إعادة تعريف دور العراق ومكانته في الإقليم والعالم.
17/05/2026
الدول التي تستثمر في بناء العقل الاستراتيجي لمؤسساتها، لا تعزز استقرارها الداخلي فحسب، بل توسّع قدرتها على التأثير في محيطها وصياغة مسارات المستقبل