دولة بـرقـة العربية - the state of cyrenaica

دولة بـرقـة العربية - the state of cyrenaica

Share

مُدوَّنةٌ سيَاسيَّةٌ، تأريخيَّةٌ، إعلاميَّةٌ، وَطنيَّةٌ، حُرَّةٌ مُستقلَّةٌ .

16/09/2024

ذِكرى استشهاد سيدي عُمر بن المُختار بن مُحمَّد بن فرحات بن ابريدان المِنفي المُرابط الهِلاليِّ الْبَرْقَاوِيِّ .
------------------------------

في أوَائل شهرِ جُمادى اءلاخِرة سنة 1349 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق لشهر أكتُوبر سنة 1930 نصرانيَّة، اشتبكتْ قُوَّاتُ المُستعمر الإيطاليِّ مع قوَّات المُجاهدين الْبَرْقَاوِيِّين في معركةٍ كبيرةٍ في نوَاحي الجبل الأخضر الأشمِّ، عثرَ جنُود المُستعمر عقِب انتهِاء المعركةِ على نظَّارات شيْخ المُجاهدين عُمر بن المُختار، كما عثرُوا على جوَاده المعرُوف مُجندلاً في ميْدان المعركةِ، فثبتَ لهُم أنَّ عُمر بن المُختار الَّذي أرهقهُم وقضَّ مضاجعهُم لسنوَاتٍ طوَالٍ لا زالَ على قيْد الحيَاةِ بعدما فشِلوا لـ 20 سنةٍ في رصدِ تحرُّكاته .

أصدرَ المسؤُول العسكريُّ الإيطاليُّ في بَرْقَة المارِشال رودولفو غراتسياني منشُوراً ضمَّنهُ هذا الحادث، حاوَل فيه أن يقضي على " أُسطُورة المُختار الَّذي لم يُقهر أبداً " ، وقال مُتوَعِّداً :
( لقد أخذنا اليوْمَ نظَّارات المُختار، وغداً سنأتي برأسِه . )

ولكنَّ هذا الغدِ استمرَّ لقُرابة السَّنة، ففي صبيحةِ يوْم الجُمعة، الـ 29 مِن شهر ربيعٍ اءلاخِر سنة 1350 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق للـ 11 مِن شهر سبتمبر سنة 1931 نصرانيَّة، توَجَّه شيْخُ المُجاهدين عُمر بن المُختار بصُحبة عددٍ صغيرٍ مِن رفاقه لا يتجاوَزُ الـ 40 فارساً إلى الزَّاوِيةِ البيْضاءِ، فرصدتهُم وِحدةَ استطلاعٍ إيطاليَّةٍ، وقامت الوِحدةُ بإبلاغ حاميَة قريَة اسلنطة، والَّتي أبرقتْ بدوْرها إلى قيَادةِ الجبل عبر اللَّا سلكيِّ بالبلاغ، فحرَّكت قيَادةُ المُستعمر فصائل مِن المُرتزقةِ لمُطاردةِ عُمر بن المُختار ورجاله .

قامتْ قوَّاتُ المُستعمر بعمليَّة تطوِيقٍ لوَادي بُو طاقة، وإثرَ اشتباكٍ في أحدِ الوِديَان قُرب عيْن اللَّفو؛ جُرِح حصانُ عُمر بن المُختار، فسقطَ على الأرض، وتعرَّف عليْه في الحال أحدُ الجنُود المُرتزقة .

يقُولُ المُجاهد التَّوَاتيُّ بن عبدِ الجليل المنفي - رحمهُ الله - :
( كُنتُ شاهداً على اللَّحظةِ الَّتي أُسِر فيها سيدي عُمر بن المُختار مِن قِبل قوَّات المُستعمر الإيطاليِّ، كُنَّا غرب بلدةِ اسلنطة، هاجمنا الأعداءُ الخيَّالة، وقُتِل حصانُ سيدي عُمر، فقدَّم له ابن أخيه المُجاهد حمد بن مُحمَّد المُختار حصانهُ، وعندما همَّ برُكوبه قُتِل أيضاً، وهجمَ عليْه الأعداءُ، ورءَاهُ أحدُ المُجنَّدين المُرتزقة العرب، فذُهِل واختلطَ عليْه الأمرُ، وعزَّ عليْه أن يُقبضَ على سيدي عُمر، فقال :
” سيدي عُمر !!! سيدي عُمر !!! “
فعرفَه الأعداءُ وقبضُوا عليْه، وردَّ سيدي عُمر على المُرتزق بقوْله :
” عطك الشَّر، ويبليك بالزَّر . “ )

نُقِل شيْخ المُجاهدين عُمر بن المُختار بعد أسرِه إلى مبنى بلديَّة سُوسة، قبل أن يُنقل على ظهرِ طرَّادٍ بحريٍّ إلى سجن مدينة بنغازي مُكبَّلاً بالسَّلاسل، ولمْ يستطِع المُستعمرون نقلهُ برّاً خوْفاً مِن أن يترصَّدهُم المُجاهدون ويتعرَّضون لهُم في مُحاوَلةٍ لتخليص قائدهم .

كُلِّف الجُنديُّ الإيطاليُّ ليڤي دال أجليو بحراسةِ عُمر بن المُختار في اللَّيلة الوحيدةِ الَّتي باتها في محبسِه ببلدة سُوسة عقِب أسرِه قُرب بلدةِ اسلنطة، وهي ليْلةُ السَّبت، الـ 30 مِن شهر ربيعٍ اءلاخِر سنة 1350 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق للـ 12 مِن شهر سبتمبر سنة 1931 نصرانيَّة، حيْث نُقِل صبيحة يوْم الأحد إلى سجن مدينةِ بنغازي .

يقولُ الجُنديُّ الإيطاليُّ ليڤي عن تلك اللَّيْلة :
( لقد رأيْتُه، كان شيْخاً مُتوَسِّط الطُّول، عنيداً، عيْناهُ تُشِعَّان ببريق الدَّهاءِ والحيلةِ، ويبدُو منظرُه كطائرٍ جريحٍ بسببِ التَّقوُّس الَّذي يبدُو في ظهرِه، بالإضافةِ إلى عُمق التَّقاطيع الَّتي تمتدُّ مِن أعلى جبهتِه لتستمرَّ فوْق حاجِبيْه، ثمَّ تنحدرُ إلى أسفل حيْث تتقاطعُ عند فمِه، ثمَّ تتوَارى عند ذقنِه تحت لحيَته البيْضاء القصيرة، أمَّا لوْنُ بشرتِه فإنَّه يميلُ إلى اللَّون الأسمر .

عقِب حديثٍ دار بيْننا، بادرني عُمر بن المُختار بهدوءٍ :
” أنت معروفٌ بيْن الأهالي بارتدائِك لباسنا، كما أنَّك تُعتبرُ أشهرَ وأسرع قنَّاصٍ في إطلاقِ النَّار، أنا أعرِفُ ذلك .. فالحربُ هيَ الَّتي جعلتْ منَّا أعداءً، ورجالي يعرفونك جيِّداً، حيْث يُلقِّبونك بـ "الشَّيْطان" . “

ثمَّ توَقَّف عُمر بن المُختار عن الكلام وحَدجني بنظرةٍ وهو يقُول :
” أنت مُتزوِّجٌ مِن فتاةٍ عربيَّةٍ مُسلمةٍ، ولكن المُسلمة لا يجُوز لها أن تتزوَّج مِن نصرانيٍّ . “

فقاطعتهُ قائلاً :
” إنَّ الفتاةَ العربيَّة قد تزوَّجتْ مِن رجُلٍ طيِّبٍ وأمينٍ . “

ثمَّ بسطتُ له يدِي مُصافحاً، وسألتهُ :
” كيف استطعتَ أنت ورفاقك البقاءَ على قيْدِ الحياةِ طوِيلاً دُون حمايَةٍ وتموِينٍ؟ “

أجابني وهو يَهزُّ رأسهُ قائلاً :
” نحنُ مثل طيُور السَّماءِ الَّتي تجدُ ما تأكُلهُ في المكان الَّذي يُخيَّل إليك أنَّه يخلُو مِن الطَّعام . “

وقبل طلُوعِ الشَّمسِ، وعندما سمِع عُمر بن المُختار صوْت المُؤذِّن مِن مسجد بلدةَ سُوسة وهو يُنادي المُسلمين لأداءِ صلاةِ الفجرِ، قامَ مِن نوْمه وتوَضَّأ، وأدَّى صلاة المُسلمين، وفي الحقيقةِ وجدتُ نفسي مُعجباً بفلسفةِ عُمر بن المُختار في الحيَاة، فهو يشعرُ في وِجدانه بأنَّه مُحاربٌ وإن كان قد هُزِم، لكنَّه مع ذلك لمْ يفقدِ الهدُوء وعِزَّة النَّفسِ، والوَقار الَّتي كانت تتميَّز بها شخصيَّتهُ .

طِوَال اللَّيْلة تلك، كان عُمر بن المُختار يتحلَّى بشخصيَّة البطل المُسلم المُؤمن بالقضاءِ والقدرِ، كان يُصلِّي لله مُنذ انبلاجَ الصُّبح إلى غرُوبِ الشَّمس مع نهايةِ كلِّ يوْمٍ، كان رجُلاً يُصلِّي للهِ بدلاً مِن أن يتمشَّى أوْ ينام، رجُلاً يُصلِّي للهِ مِن أجل أُسرتِه وماشيَته ثمَّ الطَّريق الَّذي سوْف يسلِكُه، رجُلاً يُصلِّي للهِ مِن أجلِ حمايَة حيَاة المُسلمين جميعاً، ومِن أجلِ مُوَاصلةِ الكِفاح العادِل المُقدَّس الَّذي أمرَ به اللهُ - سُبحانه - . )

وفي مساءِ الإثنيْن، الـ 2 مِن شهر جُمادى الأُولى سنة 1350 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق للـ 14 مِن شهر سبتمبر سنة 1931 نصرانيَّة، قام السِّكرُتير العام لحُكومة المُستعمر في بَرْقَة الكمندتور رينسي بزِيَارةٍ إلى السَّيِّد الشَّارف باشا الغِريَاني بصُحبة التُّرجمان فرناري، وطلب مِنه الذَّهاب إلى السِّجن لمُقابلةِ عُمر بن المُختار حسبَ طلبهِ .

وحينما وَصل الشَّارفُ باشا إلى السِّجن وجلس في مكتب السَّجَّان انتظاراً لقدُومِ عُمر بن المُختار، دخل المُختار مُكبَّلاً بالسَّلاسل، فأمرَ الشَّارف باشا التُّرجمان فرناري الَّذي كان يجلسُ مُقابلهُ أن يترُك مقعدهُ للشَّيخ عُمر بن المُختار، فجلسَ المُختار، وخيَّم السُّكوت الرَّهيبُ على الجميع .

يقُول السَّيِّد الشَّارف باشا الغرياني - رحمهُ الله - :
( كُنتُ أنتظِرُ أن يقُول عُمر شيْئاً، ولكنَّه لمْ يتفوَّه بكلمةٍ وَاحدةٍ، وأردتُ أن أبتدِئ الكلام، فقُلتُ مثلاً شعبيّاً مُخاطباً به عُمر :
” الحاصلة سقيمة، والصَّقر ما يتخبَّل . “

وما كادَ يسمعُ هذه العبارةُ حتَّى رفعَ رأسهُ وقال :
” الحمدُ للهِ الَّذي لا يُحمدُ سِوَاه . “

ثمَّ سكتَ هنيهةً، ثمَّ أردفَ قائلاً :
” ربِّ هبْ لي مِن لدُنك رحمةً، وهيِّئ لي مِن أمرِي رَشداً “

ثمَّ نظرَ إليَّ وقال :
” قُل لي .. ماذا تُريد؟ “

هُنا فقط أيْقنتُ أنَّه لمْ يطلُب مُقابلتي، وفهِمتُ أنَّ رينسي الكلب هُو الَّذي دفعني إلى هذا الموْقف المُحزن، وعُدتُ إلى منزِلي وأنا أشعُرُ بشيءٍ ثقيلٍ في نفسي ما شعُرتُ بمِثله طيلةَ حيَاتي . )

وعندما عرفَ النَّاسُ بمُقابلةِ الشَّارف مع عُمر بن المُختار في السِّجن سألُوه عن الثِّياب الَّتي يرتديها شيْخ المُجاهدين، أهيَ ثيَابُ السِّجن؟ أم ثيابُه الَّتي وقعَ بها في الأسرِ؟
وكان جوَابُ الشَّارف باشا بيْتان مِن الشِّعر مُستشهِداً بهِما ما رأى، فقال - رحمهُ الله - :
- عليْـه ثيَـابٌ لوْ تُقـاسُ جميعُها
بفِلسٍ لكان الفِلـسُ منهُـنَّ أكثرَا
- وفيهِنَّ نفسٌ لوْ تُقاسُ ببعضِها
نفُوسُ الوَرى كانتْ أجلَّ وأكبَرا

وقد صادفَ وَقتذاك أن كان المارِشال رودولفو غراتسياني في العاصمةِ الإيطاليَّة رُوما، ولمْ يُصدِّق حينما سمِع الخبرَ أنَّ عُمر بن المُختار قد وقع أسيراً تحت أيديهِم بادئ الأمر .

كان غراتسياني وَقتها كئيباً حزيناً مُنهار الأعصاب، يتجهَّز للسَّفر إلى العاصمة الفرنسيَّة باريس للاستجمام والرَّاحة هرباً مِن السَّاحة بعد فشلِه في القضاءِ على حركةِ المُجاهدين في بَرْقَة، مُتذرِّعاً بحضُور معرض المُعسكرات في باريس، فقد كانت الأقلامُ اللَّاذعةُ في إيطاليا بدأتْ تنالُ منه، والانتقاداتُ المُرَّة تأتيه مِن رِفاقه مُشكِّكةً في مقدِرته على إدارةِ الحرب في بَرْقَة .

وإذ بقدَر اللهِ - تعالى - يلعبُ دوْره، ويتلقَّى غراتسياني برقيَّةً مُستعجلةً مِن مكتب المُستعمر في مدينة بنغازي، مفادُها أنَّ عُمر بن المُختار وراءَ القُضبان، فأُصيب غراتسياني بحالةٍ هِستيريَّةٍ كاد أن لا يُصدِّق الخبر، فتارةً يجلسُ على كُرسيِّ مكتبه، وتارةً يقفُ جامداً في مكانِه، وتارةً أُخرى يخرُج مُتمشِّياً على قدميْه مُحدِّثاً نفسهُ بصوْتٍ عالٍ كالمجنُون ويقُول :
( صحيحٌ قبضُوا على المُختار؟ )
ثمَّ يُجيبُ نفسَه :
( لا، لا، لا أعتقدُ ذلك . )

لمْ يسترِح بالُ غراتسياني ذلك اليوْم، فقرَّر إلغاءَ إجازته، واستقلَّ طائرةً خاصَّةً هبطتْ به في نفس اليوْم في مدينة طرابُلس، ثمَّ إلى مدينةِ بنغازي، وطلب إحضارَ عُمر بن المُختار إلى مكتبه في صبيحةِ اليوْم الثَّاني .

وصل غراتسياني إلى مدينة بنغازي يوْم الإثنيْن، الـ 2 مِن شهر جُمادى الأُولى سنة 1350 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق للـ 14 مِن شهر سبتمبر سنة 1931 نصرانيَّة، وأعلن عن ضرُورة انعقادِ المحكمةِ الخاصَّة بشيْخ المُجاهدين عُمر بن المُختار في صبيحةِ اليوْم التَّالي .

وفي صباح يوْم الثُّلاثاء، الـ 3 مِن شهر جُمادى الأُولى سنة 1350 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق للـ 15 مِن شهر سبتمبر سنة 1931 نصرانيَّة، وقبل المُحاكمة؛ رغِب غراتسياني في الحديث مع عُمر بن المُختار .

يقُول غراتسياني :
( عندما حضرَ أمامَ مكتبي تهيَّأ لي أن أرى فيه شخصيَّة ءالافِ المُرابطين الَّذين الْتقيْتُ بهم أثناءَ قيَامي بالحرُوب الصَّحراوِيَّة، يداهُ مُكبَّلتان بالسَّلاسل، رغم الكسُور والجُروح الَّتي أُصيب بها أثناءَ المعركةِ، وكان وَجههُ مضغوطاً، لأنَّه كان مُغطِّياً رأسهُ بالجرد، ويجُرُّ نفسَه بصُعوبةٍ، نظراً لتعبه أثناء السَّفر بالبحر، وبالإجمالِ .. يُخيَّلُ لي أنَّ الَّذي يقفُ أمامي رجلٌ ليْس كالرِّجالِ، له منظرُهُ وهيْبتُهُ، رغم أنَّه يشعُرُ بمرارةِ الأَسْرِ .
هاهُو واقفٌ أمامَ مكتبي نسألُه ويُجيبُ بصوْتٍ هادئٍ ووَاضحٍ .

غراتسياني :
” لماذا حاربتَ بشدَّةٍ مُتوَاصلةٍ الحكُومةَ الفاشيَّة؟ “

المُختار :
” مِن أجلِ ديني ووَطني . “

غراتسياني :
” ما الَّذي كان في اعتِقادك الوُصول إليْه؟ “

المُختار :
” لا شيءَ إلاَّ طردَكُم، لأنَّكم تغتصِبون أرضنا، وأمَّا الحربُ فهيَ فرضٌ عليْنا، وما النَّصرُ إلاَّ مِن عندِ الله . “

غراتسياني :
” لِما لك مِن نفُوذٍ وجاهٍ؛ في كم يوْمٍ يُمكنك أن تأمُر المُتمرِّدين أن يخضعُوا لحُكمنا ويُسلِّمُوا أسلحتهُم؟ “

المُختار :
” لا يُمكنني أن أعملَ أيَّ شيءٍ، وبدُون جدوَى، نحنُ سبقَ وأن أقسمنا أن نمُوت كلَّنا واحداً بعد اءلاخِر، ولا نستسلمُ أبداً ولا نُلقي السِّلاح . “ )

ثمَّ وصفَ غراتسياني نهايةَ اللِّقاءِ فقال :
( عندَما وَقف ليتهيَّأ للانصِرافِ، كان جبِينَه وضَّاءً كأنَّ هالةً مِن نُورٍ تُحيطُ به، فارتعشَ قلبي مِن جلالةِ الموْقفِ، أنا الَّذي خاضَ المعارِك والحُروبَ العالميَّة والصَّحراوِيَّة، ورُغم هذا فقد كانتْ شفتايَ ترتعِشانِ، ولمْ أستطِع أن أنبِسَ بحرفٍ واحدٍ .
إنَّ ذنبَه الوَحيدُ أنَّه كان يكرهُنا كثيراً . )

وبعد انتهاءِ اللِّقاء، نُقل شيْخ المُجاهدين عُمر بن المُختار إلى مقرِّ إدارةِ الحِزب الفاشستيِّ في مدينة بنغازي، وعُقِدتْ لهُ محكمةً صُوريَّةً عند السَّاعة الخامسةِ عصراً، ورغم شيْخوختِه والسَّلاسل الَّتي تُعجِز حركتَهُ؛ فقد أحاطَ به الحُرَّاسُ مِن كلِّ جهةٍ وكأنَّهم يُطوِّقون أسداً ضِرغاماً قد يفتِك بهِم .

وبعد ساعةٍ مِن المُحاكمةِ، ترجمَ لهُ مُترجٍمٌ يهُوديٌّ اسمهُ لمبروزو منطُوق الحُكم بالإعدامِ شنقاً، فقال :
” إنِ الحُكمُ إلاَّ لله، لا حُكمكُمُ المُزيَّف، إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون . “

وفي صبيحةِ يوْم الأربعاء، الـ 4 مِن شهر جُمادى الأُولى سنة 1350 للهجرة النَّبويَّة الشَّريفة، المُوَافق للـ 16 مِن شهر سبتمبر سنة 1931 نصرانيَّة، تمَّ جمعُ النَّاس بالإجبارِ في بلدةِ سلوق ليَحضرُوا لحظةَ إعدامِ شيْخ المُجاهدين وقائد الأدوَار، في مُحاوَلةٍ منهُم لإرهاب الشَّعب مِن مُقاوَمةِ الاحتلالِ الإيطاليِّ .

وقد حضرَ تنفيذ حُكمِ الإعدامِ ما يزيدُ عن 20,000 مِن الوُجهاءِ والأعيَان والشَّعب الْبَرْقَاوِيِّ، وأُحضِر المُختار مُكبَّل الأيادي، وعلى وَجهِه ابتسامةَ الرِّضا والتَّسليم بقضاءِ اللهِ وقدَره، وبدأتْ طائراتُ المُستعمر تُحلِّقُ في السَّماءِ فوْق المُعتقلين بأزيزٍ مُجلجلٍ حتَّى لا يتمكَّن المُختار مِن مُخاطبتهِم .

وفي تمامِ السَّاعةِ التَّاسعةِ، صعدَ المُختار على المِنصَّة، وسُلِّم إلى الجلَّاد، وكان وَجهُه يتهلَّلُ استبشاراً بالشَّهادة، وكلُّه ثباتٌ وهدُوءٌ، ثمَّ نظرَ إلى الجنُود مِن حوْله وقال لهُم بازدِراءٍ، وباستخفافٍ :
” هكذا أنتُم أيُّها التُّعساءُ، ليْس لديْكُم على الأقلِّ رصاصتيْن تقتلُوني بهما . “

ثمَّ أذَّن بصوْتٍ خافتٍ، ونطقَ الشَّهادتيْن، ليَرتقي شهيداً مُجاهداً مُكافحاً ضدَّ الغُزاةِ، مُدافعاً عن دينِه وأرضِه وعِرضِه .

رحِمَ اللهُ شيْخ المُجاهدين الْبَرْقَاوِيِّين، قائدَ الأدوَار السَّنوسيَّة، أسدَ الصَّحراء، وغفرَ له، وتقبَّله عندهُ مِن تلشُّهداء .

Want your business to be the top-listed Government Service in Benghazi?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Website

Address


قصر المنار/بنغازي
Benghazi