22/09/2026
تاسردونت ن إسمضال: أسطورة بغلة المقابر من حكايات الأمازيغ القديمة إلى ذاكرة تكرسيفت.
كتعتبر تاسردونت ن إسمضال (Taserdunt n Ismdal)، اللي معروفة فالدارجة المغربية باسم بغلة المقابر، وحدة من الحكايات الغامضة اللي مرتبطة بالمقابر والليل فالموروث الشعبي الأمازيغي المغربي. هاد الأسطورة معروفة بصيغ مختلفة فبزّاف من المناطق والقبائل، شي مرات كتبان على شكل بغلة، وشي مرات أخرى على شكل فرسة. وهادي علاش كنلقاو، مع اسم تاسردونت ن إسمضال، اسم آخر هو تاكمارت ن إسمضال (Tagmart n Ismdal)، يعني فرسة المقابر. والفكرة الأساسية فهاد المعتقدات هي أنه كاين كائن أنثوي غامض كيبان فالمقابر من بعد ما كيهبط الظلام، وكيجول بينها وبين المناطق اللي حداها، وكيخوف الناس اللي كيتأخرو برا القرية ولا كيقربو للمقابر فالليل.
وهاد الحكاية ما كانتش غير قصة كيعاودوها الناس فالعصر الحديث، بل حتى أنها لفتات انتباه عدد من الباحثين اللي قراو المعتقدات الشعبية المغربية والأمازيغية فنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن بين أهم هاد الباحثين كاين الفنلندي إدوارد ويسترمارك (Edward Westermarck)، اللي عاش فالمغرب سنين طويلة واهتم بتوثيق العادات والمعتقدات الشعبية، وجمع روايات مباشرة من مناطق وقبائل مغربية مختلفة. وفالكتاب ديالو المعروف Ritual and Belief in Morocco، اللي تنشر عام 1926، هضر ويسترمارك على بغلة المقابر، وقال أن قبائل آيت تمسيمان كانو كيسميوها tasadunt imdran، يعني «بغلة المقبرة»، بينما الشلوح "فإگليوا" كانو كيسميوها taserdunt n ismdal، وكان الاعتقاد هو أنها كتبان فالقبور القديمة فالليل، وأن الشخص اللي كيقرب منها وكيركب فوق ظهرها تقدر تهزو للمقبرة، ومن تما كتبدا تحفر التراب بحوافرها بحال إلا باغية تحفر ليه قبر. وسجل ويسترمارك حكاية ديال واحد الراجل كان عندو أرض كيزرع فيها قريبة من مقبرة، ولاحظ أن شي حيوان كان كيجي فالليل تاياكل ليه المحصول. قرر يراقبو، حتى شاف بغلة كبيرة وسمينة، شدها وركب عليها، ولكنها جرات بيه فالاتجاه ديال المقبرة وبدات كتحفر الأرض بحوافرها. هرب منها وطلع لشجرة، وبقى مخبي حتى جا وقت صلاة الصبح.
وأشار ويسترمارك لرواية أخرى فجهة "أگلو" فسوس، ما كانتش الشخصية بغلة، ولكن فرسة كيسميوها Tagmart Ismdal. وكان الناس كيعتاقدو أن صوتها كيتسمع فالليل فالمقبرة، ومعاه صوت ديال سلسلة حديدية. وكيقول ويسترمارك إن هاد المعتقدات كانت منتاشرة بأشكال مختلفة، وكانت كتعتبر قديمة، غير أن الإيمان بها بدا كيتراجع. وحتى هو رجع فالتوثيق ديالو لأعمال باحثين سبقوه، من بينهم إميل لاوست (Émile Laoust)، اللي سجل فكتابو Étude sur le dialecte berbère des Ntifa، اللي خرج عام 1918، وصفاً لـ«بغلة المقابر» taserdunt n-isemdal، اللي كانت، حسب المعتقد الشعبي، كتجول فنص الليل، وكان نهيقها كيخوف المسافر اللي تأخر فالطريق. كما رجع لأعمال Hans Stumme حول حكايات الشلوح "فتازروالت"، اللي تنشرات فنهاية القرن التاسع عشر.
ولكن إلى جانب هاد الرواية القديمة اللي كتقدم بغلة المقابر ككائن غامض مرتبط بالمقابر، كاينة رواية شعبية أخرى كتعطيها أصل بشري. وهاد الرواية كتقول إن بغلة المقابر كانت فالأصل مرأة فقدات راجلها. وحسب هاد الرواية، كانت المرأة أرملة، وكان خاصها تدوز فترة الحداد والعدة وتحترم الأعراف المرتبطة بوضعية الأرملة فالمجتمع التقليدي. ولكن، حسب الحكاية، مالتازماتش باللي كان منتاظر منها، وخرجات على القواعد المعروفة، حتى ولات من بعد مرتبطة بالمقبرة وبالليل. ومن هنا كتبدا الحكاية كتفسر أصل هاد الكائن: المرأة اللي فقدات راجلها وماحترماتش الحداد والعدة تحولات لبغلة المقابر، وولات كتبان فالليل وكتدور حدا القبور، وكتستهدف خصوصاً الرجال اللي كيتأخرو برا ديورهم. وهاد الرواية عندها صيغ مختلفة؛ فشي روايات كتكون المرأة دخلات فعلاقة مع راجل آخر من بعد موت راجلها، وفشي روايات أخرى كيكون التركيز على خروجها وعدم إحترامها لقواعد الحداد، ومن بعد كتتحول لكائن هجين بين الإنسان والحيوان. والباحثة المغربية ياسمين الفرتاحي (Yassamine Fertahi) درست هاد النوع من الأساطير فإطار البحث ديالها على الميثولوجيا الأمازيغية المغربية، واعتبرت أسطورة Tagmart n isemdal مثال واضح على موتيف التحول أو المسخ (métamorphose) فالمخيلة الأمازيغية. فالتحول هنا ماشي غير عنصر ديال الرعب، بل عندو وظيفة أخلاقية واجتماعية مرتبطة بالحفاظ على النظام والقواعد اللي كيفرضها المجتمع.
وفالرواية اللي كتعاود "فتگْْرسيفت" والنواحي والقرى اللي دايرين بها، كتقول الحكاية أن واحد المرأة مات راجلها، ومن بعد الوفات ديالو دخلات ففترة الحداد، ولكن مع مرور الوقت بدات كتخرج من دارها من بعد أذان المغرب، فالوقت اللي كانو الناس كيعتابروه بداية دخول الليل، واللي خاص فيه الناس يرجعو لديورهم وتفرغ الطرقان والمناطق اللي حدا المقابر. ومع استمرارها فالخروج فداك الوقت، كتقول الحكاية إنها فواحد الليلة خرجات وما رجعاتش لدارها. ومن داك النهار بداو الناس كيقولو إنها ما بقاتش مرا كيف كانت، ولكن تحولات لـ«تاسردونت ن إسمضال»، ومن داك الوقت ولى المعتقد الشعبي فتكرسيفت والنواحي كيقول إن هاد البغلة كتبان فالليل حدا المقابر، وقد تبان فالأول بحال شي بغلة عادية، ولكنها ماشي عادية؛ راه كائن مرتبط بعالم الموتى، وكتخرج خصوصاً للناس اللي كيخرجو متأخرين ولا كيقربو للمقبرة من بعد ما كيهبط الظلام. وكانو الشيوخ وكبار السن كيحذرو ولادهم من القرب للمقابر فالليل، وكيربطو ظهورها بالخوف من المجهول وبحرمة المكان. وكتحكي الرواية حتى أن اللي تصادف مع بغلة القبور فطريقو ما خاصوش يهرب منها ولا يقرب ليها، ولكن يكفيه، حسب المعتقد الشعبي، يغرز مسمار ولا قطعة ديال الحديد فالأرض قدامها، حتى تختفي البغلة وما يبقى ليها حتى أثر. وهاد التفصيل الأخير داخل فالمعتقدات الشعبية المرتبطة بالحديد، فين كيبان الحديد فعدد من الحكايات والمعتقدات على أنه مادة قادرة ترد الكائنات الغيبية ولا تبعدها. وهكذا ولات قصة بغلة القبور فتكرسيفت والنواحي جزء من الذاكرة الشفوية المحلية، كتحكى خصوصاً للتحذير من الخروج فالليل والقرب من المقابر، وكتنتاقل من جيل لجيل مع اختلاف بسيط فالرواية من شخص لآخر.
وإلى قارنا هاد الرواية مع داكشي اللي سجلو الباحثون، غادي نلقاو أن الحكاية ما كانتش مرتبطة غير بتكرسيفت، بل إن فكرة بغلة ولا فرسة المقابر كانت معروفة فمناطق أمازيغية مختلفة فالمغرب. فالاسم نفسو كيبان فبلايص بعيدة على بعضها، كما أن تفاصيل الحكاية كتبدل من منطقة لمنطقة: فشي رواية كتبان البغلة بحال جنية ساكنة فالمقبرة، وفشي رواية أخرى كتكون مرا تحولات ليها، وفثالثة كتكون فرسة، بينما فبعض الروايات كتخدع الراجل اللي كيقرب منها وكتديه للمقبرة. وهاد الاختلاف عادي فالحكايات الشفوية، حيث الأسطورة ما كتنتاقلش كنص ثابت، ولكن كتعاود تتشكل مع كل جيل وكل منطقة.
ومن الناحية الرمزية، كتبان تاسردونت ن إسمضال أكثر من غير وحش كيخوف الناس فالليل؛ فهي كتجمع بين بزاف ديال العناصر الأساسية فالمخيلة الشعبية: المرأة والأرملة، الموت، المقبرة، الليل، الخوف من المجهول، والحدود الاجتماعية. وتحول الأرملة لحيوان هجين يمكن نفهموه، فالقراءة الأنثروبولوجية، على أنه عقوبة رمزية على تجاوز الحدود اللي رسمها المجتمع للمرأة الأرملة، بينما السكن ديالها فالمقابر وارتباط ظهورها بالليل كيحطها فواحد المنطقة الفاصلة بين عالم الأحياء وعالم الموتى. وهادي علاش عتبرات الفرتاحي أن التحول فهاد النوع ديال الأساطير عندو وظيفة أخلاقية، حيث كيستعمل العالم الخارق باش يرسخ قواعد المجتمع ويحافظ على النظام الرمزي ديالو.
ومع ذلك، فإن وجود تاسردونت ن إسمضال ككائن خارق ما يمكنش يتثبت من الناحية العلمية، وما كايناش أدلة تاريخية مستقلة كتثبت أن شي مرا تحولات فعلاً لبغلة ولا أن شي كائن بهاد الشكل كان عايش فالمقابر. اللي يمكن يتثبت هو أن المعتقد نفسو قديم وموثق، وأن باحثين بحال ويسترمارك و لاوست وستومه سجلو وجود هاد الشخصية فمناطق مختلفة من المغرب قبل أكثر من قرن. أما تفاصيل الأرملة اللي تحولات لبغلة، فهي غير طبقة من الطبقات الشعبية اللي تطورات حول هاد المعتقد، وخذات مع مرور الوقت وظيفة تفسيرية وأخلاقية، وولات الحكاية من خلالها مرتبطة أكثر بحياة الناس وقواعد المجتمع.
Tagursift Nostalgie Ⓡ︎
#اسطورة #بحث #الريش