تيار المستقبل future movement

تيار المستقبل future movement

Share

الصفحة الرسمية لتيار المستقبل.

03/04/2026

بين عقلنة الثورة وإدارة الصراع في النظام العالمي الجديد

في أعقاب الزلازل السياسية التي ضربت الشرق الأوسط عقب حراك الشارع العربي، انتقل ثقل الفعل السياسي من متاريس الشوارع إلى أروقة المؤسسات. هذا الانتقال صُمم كاستحقاق تاريخي وسوسيولوجي فرضته الحاجة إلى تحويل الغضب العفوي إلى مشروع سياسي. هنا، تبرز مؤسسات كـ"معهد الدوحة للدراسات العليا" كمشروع إقليمي طموح لـتيار"القوة الناعمة"، تهدف إلى صياغة عقل سياسي وأكاديمي قادر على فهم وتعقيد مسارات الانتقال من الاستبداد إلى بناء الدولة الحديثة.

لفهم هذه البنية، لا بد من التوقف عند الإطار الفكري الذي هندسه د. عزمي بشارة. لقد أدرك بشارة، بمساره الممتد من الاشتباك المباشر كـ"مثقف عضوي" مع بنية الاستعمار الاستيطاني، إلى موقعه كمنظر ومؤسس أكاديمي، منطلقاً من فكرة أن الحماس الثوري المفتقر إلى رافعة معرفية ومؤسساتية رصينة ينتهي حتماً إما إلى حروب أهلية طاحنة أو إلى إعادة إنتاج الديكتاتورية. من هنا، التقاء مشروعه لبناء "مؤسسة عقلانية عربية" تنتج المعرفة في العلوم الاجتماعية والسياسية مع المشروع القطري الإعلامي والدبلوماسي.

إلا أن المفارقة التراجيدية تكمن في أمرين؛ الأول أن الدولة المؤسسة هي تمثل اكبر قاعدة أمريكية ووكيل لوجستي ومالي للنظام العالمي في الشرق الأوسط، والثاني حول طبيعة "المؤسسة" ذاتها؛ فالمؤسسات بطبيعتها تميل إلى الضبط وتفضيل النظام على الانقطاع الجذري. فالمهندس الفكري، في سعيه المحموم لبناء معارضة "عقلانية" ومؤهلة لقيادة دول ما بعد الصراع، يساهم (بقصد أو بغير قصد) في إنتاج نخبة تكنوقراطية وظيفية. نخبة تتقن لغة النقد ما بعد الكولونيالي ومفردات العدالة الانتقالية، لكنها تجد نفسها معزولة هيكلياً عن نبض الشارع الراديكالي، ومضطرة للانخراط في قواعد اللعبة الإقليمية والدولية التي لا ترحم، وهنا مربط فرس السياسة القطرية.

أيضاً هنا يتقاطع هذا المسار المؤسسي، وبشكل موضوعي، مع التحولات العميقة في عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية. فبعد الإخفاقات الكارثية للتدخل العسكري المباشر في العراق، والنتائج الفوضوية للربيع العربي، تخلت وزارة الخارجية الأمريكية عن أوهام "الهندسة الديمقراطية القسرية"، وانتقلت إلى استراتيجية "إدارة الصراع" و"الاستقرار".

لم تعد واشنطن تسعى لسحق كل حراك ثوري بالضرورة، ولكنها ستتعامل بحدية مع التيارات الراديكالية يمينًا ويساراً. هي تبحث عن فاعلين "يمكن التنبؤ بسلوكهم"؛ قوى براغماتية عقلانية يمكن الجلوس معها على طاولات التفاوض. وفي هذا السياق، تؤدي العواصم الإقليمية التي تستضيف هذه النخب (سواء في الدوحة أو إسطنبول أو جنيف) وظيفة حيوية للنظام الدولي، إنها تعمل كـ"فلاتر سياسية". تقوم بامتصاص الحركات المتمردة والراديكالية، وتعيد تدويرها وصياغتها سياسياً لتصبح قوى قابلة للدمج في النظام العالمي. واشنطن لا تحتاج إلى اختراق معهد الدوحة أو توجيهه؛ فالنظام العالمي ببساطة يتلقف المخرجات البراغماتية لهذه المؤسسات والمكاتب السياسية، لأنها النخب الوحيدة التي تتحدث لغة الدبلوماسية الغربية، وتفهم شروط البنك الدولي، وتقبل بـ"الممكن السياسي" بدلاً من "المستحيل الثوري".

على الأرض، تتبدى القسوة البنيوية لهذا المشهد. فبينما يتم فرز النخب وتأهيلها في بيئات آمنة، يُترك الجسد الاجتماعي الحقيقي ليواجه آلة الفرز المميت. في شوارع الخرطوم، وفي أزقة غزة المحاصرة، وعلى أنقاض المدن السورية، تدفع الجماهير البسيطة والقوى الجذرية التي ترفض المساومة ثمن التغيير من دمها ووجودها المادي، تحت وطأة آلات الحرب والإبادة التي تديرها الأنظمة والميليشيات بإيعاز أو صمت دولي.

النخب السياسية التي تتصدر المشهد ليست بالضرورة مجموعة من "الخونة" أو "العملاء" هم أيضًا ضحايا "اغتراب هيكلي". لقد تم تزويدهم بأدوات تحليل سياسي رفيعة، لكنهم وُضعوا في موقف لا يملكون فيه ترف تغيير قواعد اللعبة العالمية. يُعاد إنزالهم لاحقاً إلى بلدانهم المدمرة، كـ"مديري أزمات" وشركاء في عمليات تقاسم سلطة هشة، يُشرف عليها المجتمع الدولي لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.

صحيح لا يمكن لأي مشروع تحرري حقيقي أن ينجح دون إنتاج معرفي رصين وبناء مؤسساتي صلب؛ فالعداء للمؤسسة والمعرفة هو انتحار سياسي. لكن المعضلة الحقيقية تنشأ عندما تعمل هذه المؤسسات والنخب تحت سقف جيوسياسي لا يسمح بتجاوز خطوط النظام الرأسمالي العالمي وتوازنات القوى. لذا الأزمة ليست في وجود مؤامرة خفية لتدمير الوعي أو إعادة تشكيله، بل في الوهم القائل بإمكانية تفكيك منزل السيد باستخدام أدوات السيد نفسه، والتفاوض على التحرر باللغة التي صممها النظام العالمي لإدارة التبعية.

لنجب إذن على التساؤل الجوهري، هل ينتج هذا المعهد وأمثاله معرفة حقيقية أم جيلاً ونخبة موجهة؟ الإجابة واضحة وضوح الدم المسفوك؛ هذه المؤسسات لا تنتج "معرفة تحررية" بتاتاً. لان المعرفة التحررية بطبيعتها تصادمية، خطرة، وتدعو لتفكيك المركز لصالح الهامش، وبالكاد لأ يجرؤ أحد انتقاد سياسات أو توجهات المعهد أو الدولة الداعمة!. ما تنتجه هذه المراكز هو "خطاب انضباطي". إنها خطوط تجميع لإنتاج "نخبة وظيفية"؛ أجيال من المثقفين التكنوقراط والسياسيين المدجنين، الذين يتقنون لغة النقد ما بعد الكولونيالي والتحليل الفلسفي الماركسي، لكنهم يستخدمون هذا العتاد المعرفي، لتبرير خضوع بلدانهم لسياسات السوق الحرة، وتقسيمات البنك الدولي، وتدخلات المخابرات الإقليمية.

والنماذج كثيرة بداية من تحولات أبناء القوى الارثية خطابيًا وارتباطاتهم بالدوائر المتنفذة بالمعهد، توجهات السلطة في أفغانستان والعراق وسوريا، هذه التيارات لن تصلها القرارات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات.

في النهاية هذه الأنظمة تدفع في إطار ضمان المستقبل، تنفق اليوم لضمان تمرير سياسياتها غداً.

17/03/2026

الــدولـة مــابعـد الــكـولـونيـالـية في الــسـودان

لطالما توهمنا أن خروج المستعمر سيؤذن بميلاد دولة وطنية ترعى العقد الاجتماعي وتؤسس لرفاهية المواطن، لكن ما ورثناه مجرد آلة قمعية أُعيد تدويرها لخدمة نخب الاستقلال وما تلاها من نخب عسكرية وعقائدية. فالأزمة الجذرية للدولة ما بعد الكولونيالية في نسختنا، بالضرورة عند النظر إلى عديد البلدان الأخرى لا تكمن في تعقيد التركيبة الديموغرافية، أو في مسألة غياب الموارد أو وجود مشكلات سياسية وأمنية، وبالتالي فإن الإشكالية تكمن في العطب البنيوي لـ"العقل السياسي" الذي يدير هذه الدولة. فإذا كانت البداهة الأولى لأي عقل سياسي، كما يؤكد الفيلسوف أنريكي دوسيل، تتمثل في واجبه الأساسي تجاه إنتاج وإعادة إنتاج وتطوير حياة الإنسان داخل المجتمع ، فإن العقل السياسي لدينا قد تأسس تاريخياً على استهلاك هذه الحياة وإبادتها. إن النظام السياسي يفقد شرعيته وأهليته في اللحظة التي يفشل فيها في التعاطي مع الحياة الإنسانية ويفقد القدرة على الحفاظ عليها. وما نشهده اليوم = الذروة المأساوية لهذا الفشل، حيث تحولت الدولة من مؤسسة ضامنة للبقاء إلى مسلخ مفتوح، يديره تحالف من أمراء الحرب، والبيروقراطيين الانتهازيون، وسماسرة الدين.

وعند التوغل في تشريح جسد هذه الدولة ما بعد الكولونيالية، يقتضي منا أولاً البرهنة على أن هذا الكيان لم يكن يوماً "دولة" بالمعنى الوظيفي العقلاني، لأنه "صنم سياسي" جرى تقديسه لخدمة نخبة استبدادية. فهي لم تولد لترعى الحياة، بل لتنظم عمليات النهب الممنهج وتدير الفائض البشري عبر استثمارهم في صراعاتها.

باخد الإعتبار للـ"العقلية السياسية" التي تدير دفة الحكم في بورتسودان اليوم تمثل التجلي الأقصى لـ"الفتشية السياسية"، رغم ضحالة الواقع المعيشي عقب هذه الأزمة التاريخية، انفصلت المؤسسة عن هدفها الخدمي لتصبح غاية في ذاتها، و تحول "القائد السياسي/ العسكري" من خادم للمجتمع إلى إله يُعبد، يطالب بالدم والولاء المطلق مقابل الحماية الموهومة.

هذا الانفصام البنيوي يفسر لنا طبيعة الصراع المشتعل الآن داخل "دائرة التحالف النخبوي الواحد" هو نفس الامتداد الذي أنتج الحرب بين اذرع المؤسسة العسكرية؛ لأن الأساس هو صدام "الإرادات المتورمة" داخل "الشبكية الاستحواذية". فمن جهة، نجد الشق المدني المتمثل في "الحركة الإسلامية"، التي مارست لعقود عملية "تأليه" للدولة عبر دمج الأيديولوجيا بجهاز القمع، وهي تحاول الآن استعادة "المركز" المفقود عبر استثمار الحرب كأداة للتطهير السياسي وإعادة إنتاج شرعيتها المتآكلة. ومن جهة أخرى، نجد الشق العسكري، تلك النخبة من الجنرالات الذين تشكلوا في حاضنة الأيديولوجيا ذاتها لكنهم استقلوا بـ"إقطاعياتهم المالية" وشركاتهم العابرة للوزارات، والذين يدركون أن بقاءهم مرهون بالحفاظ على "جهاز الدولة" كغطاء قانوني لنهب الموارد، بعيداً عن أي وصاية مدنية حتى وإن كانت من حليف الأمس. إن هذا الصراع البيني بين "سدنة المعبد" و"حراسه" هو الذي يعطل أي أفق للحل، لأن كلاً منهما يرى في الآخر تهديداً وجودياً لامتيازاته داخل "الشبكة"، بينما تظل الدولة بالنسبة لهما مجرد "غنيمة" يتنازعان على حصص تقسيمها.

وعندما ننتقل إلى الطرف الآخر من المعادلة، أي "الــ...ــدعم الــ..ـسـ..ـريع"، نجده كـ "المرآة المشوهة" لهذه النخبة العسكرية؛ فهو المولود الشرعي لسياسات الدولة في الاستعانة بـ"الوكلاء" لقمع الهوامش، لكنه الآن يطمح لالتهام "المركز" ذاته. لذلك فإن الصراع بين الجيش والدعم ليس صراعاً بين مؤسسة وطنية وميليشيا بقدر ما هو تصادم بين أجهزة "الشبكية الاستحواذية" التي فقدت توازنها. وكلا الطرفين، في سعيهما للسلطة، يمارسان أبشع أنواع "النفي المادي" للحياة.

وفي قمة هذا الهرم المقلوب، نجد "وزير المالية" كأنصع مثال على تهافت العقل السياسي واستلابه. فبينما يواجه المواطن خطر الفناء البيولوجي بسبب تداعيات الحرب والفقر الناتج عن سياسات الجباية واقتصاد الحرب، يهرب الوزير من "المسؤولية المادية" (التي هي صلب السياسة عند دوسيل) ليلجأ إلى "الوعظ الغيبي". من خلال دعوته للمواطنين بالتمسك بالدين، هو قمة تخدير الوعي النقدي للضحايا. فهي محاولة لـ"روحنة" البؤس الاقتصادي وشرعنة النهب باسم العناية الإلهية، وهي قمة "اللا أخلاقية السياسية"؛ لأنها تفصل بين الإيمان وبين الواجب المادي للدولة في توفير الخبز والأمان. إن هذا الخطاب يمثل "الغطاء الأيديولوجي" لشركات الكارتل الأمني التي تحتكر موارد البلاد وتترك المواطن يصارع الموت بصدر عارٍ.

إن البرهنة على فساد هذا العقل السياسي تكمن في "أنات الضحايا"؛ فالمواطن أصبح "التابع" الذي أُخرج قسراً من دائرة الفعل السياسي. في ظل أن "السياسة النقدية" التي نحتاجها هي تلك التي تعلن بوضوح أن أي نظام لا يضع "حياة الفقير" كأولوية قصوى هو نظام غير شرعي، حتى وإن تستر بآلاف النصوص الدينية أو الشعارات الوطنية. التحرر يبدأ من لحظة "كشف القناع" عن قداسة هذه المؤسسات وتعرية حقيقتها كشركات أمنية قابضة تتصارع على جثة وطن، والانتقال نحو بناء كتلة تاريخية من الضحايا والمهمشين تعيد تعريف "السيادة" كحق في الحياة والكرامة، لا كحق في القتل من أجل إدامة السلطة وحماية الامتياز واستمرار النهب.

الإدراك النظري لفساد "الشبكية الاستحواذية" غير كافٍ وحده؛ فتحرير المواطن المقهور لا يتم بمجرد الرفض الأخلاقي. ولأن العقلانية السياسية بصفتها "عقلانية تحرر" يجب أن تسعى بشكل استراتيجي لتنظيم وتحقيق صيرورة فعالة للتغيير. هذا يتطلب الممارسة السياسية التي تتعامل مع الواقع بجوهره وتناقضاته. ويجب على القوى الطليعية الحية أن تنتقل من خانة رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي؛ عبر تشجيع ومساندة أو الإنخراط في الحركات الاجتماعية الجديدة التي تتخذ موقفاً إيجابياً من خلال اهتمامها باقتراح بدائل للأطروحات السياسية والقانونية والاقتصادية السائدة. التغيير الممكن يتطلب هدماً وتفكيكاً للبنى القائمة المفرزة للأزمة، وبناءً فعلياً لنظام سياسي واقتصادي جديد.

المواطن/ إبراهيم اسحق محمد

16/03/2026

هل يمكن للتابع أن يفكر ..!

منذ وقت بعيد توصلنا إلى حقيقة مفادها أنه لطالما لم نلجأ إلى إيجاد حل جذري بكل تواضع لمشكلتنا، ينبغي أن نكون مستعدين للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو جزء من الإعتبارات التي أدت إلى أن ناخذ مسافة من كل الأطراف التي ساهمت في الحرب التي يخسر فيها الأبرياء من شعبنا فقط.

وعلى ضوء أزمة هذه الحرب يجب أن نطرح السؤال؛ كيف يجب أن نفكر الآن؟ وما هو المعيار الحقيقي لأي مشروع ندعي أنه يعبر عن "التحرر الوطني"؟ إن التفكير في هذه اللحظة المفصلية لا يمكن أن يرتهن للانحيازات العاطفية أو الاصطفاف خلف سرديات التضليل التي تروج لها أطراف الصراع. التفكير الثوري اليوم يتطلب قطيعة معرفية شاملة مع كل أدوات التحليل التقليدية، والانتقال نحو تشريح البنية العميقة للاستغلال. المشروع الوطني بالضرورة هو ليس ذلك الذي يبحث عن تسويات تعيد إنتاج الأزمة؛ مالم يبدأ بتفكيك التركيبة السلطوية والاقتصادية التي أنتجت كل الحروب و الانقلابات السياسية عبر تاريخنا الحديث، ويؤسس لوعي جماعي يدرك أن الصراع الحالي هو لاحتكار وإعادة لتوزيع الموارد والثروة، و ترتيب لدوائر السلطة السياسية من خلال إدخال فئات إجتماعية جديده.

إن تفكيك جذور الأزمة الراهنة يتطلب قراءة تاريخية فاحصة تتجاوز السطح المأزوم للأحداث لتغوص عميقاً في طبيعة تكوين "الدولة الوطنية" منذ خروج المستعمر. لقد ورثت الكتل النخبوية، بشقيها الطائفي والبيروقراطي، جهاز دولة مصمم خصيصاً لاستنزاف الموارد وخدمة المصالح الفوقية. وعوضاً عن إعادة هيكلة هذا الجهاز ليعبر عن الإرادة الشعبية، مضت هذه المجموعات في ترسيخ آليات الاستغلال لضمان استمرار احتكارها لمقاليد الثروة والسلطة.

تطورت هذه السيطرة لتنتج منظومة معقدة يمكننا صكها نقدياً بمصطلح "الشبكية الاستحواذية المتدرجة". وهي بنية هيكلية تفسر واقعنا بشكل أكثر وضوحاً، حيث تعمل على توزيع مراكز القوة والنفوذ من أدنى السلم الاجتماعي صعوداً إلى قمته في متوالية تعتمد على تبادل المنافع والولاء، وربط القيادات المحلية والزعامات الأهلية وأمراء الحرب بشبكة مصالح عضوية مع قمة الهرم الحاكم. هذه الشبكة حولت البلاد إلى إقطاعيات متناثرة تضخ الموارد الخام والجبايات نحو الأعلى {ومن الولايات إلى المركز}، وتوزع فتات الامتيازات والحماية نحو الأسفل [ يرافقه توزيع كمي مقابل النوع والقيمة في المناطق الغريبة من المركز الحاكم ] ، خالقة شرائح متراكبة من المنتفعين الذين يدافعون عن النظام القائم بشراسة لحماية مكتسباتهم الخاصة.

ولكي تكتمل صورة هذه "الشبكية الاستحواذية"، لا بد من نزع القداسة عن المؤسسات وتعرية الفئات النخبوية التي تتترس خلف شعارات متعددة. وهنا، لا بد من إغلاق الثغرة العاطفية التي تحاول تصوير القيادة العسكرية الحالية كامتداد لمؤسسة جيش وطني. الحقيقة العارية هي أن الطبقة النخبوية العسكرية، وتحديداً طبقة الجنرالات، هي معزولة وظيفياً ومصلحياً عن باقي جسد المؤسسة (من صغار الضباط والجنود الذين يُساقون كوقود للحرب). هذه النخبة لا تختلف في بنيتها وتركيبتها عن المليشيات الموازية؛ فكلاهما يمثل ذراعاً ضمن الشبكية الاستحواذية. لقد تحولت النخبة العسكرية إلى "كارتل اقتصادي" يدير إمبراطورية مالية ضخمة عبر مؤسسات وشركات كـ"منظومة الصناعات الدفاعية" وغيرها، محتكرة بذلك أكثر من 80% من الموارد الحيوية خارج وزارة المالية. هم يسيطرون على قطاعات اللحوم، الغابات ، الاتصالات، التعدين، الأراضي الزراعية، والنقل، تماماً كما تسيطر الــ...ــدعم السـ....ـريع عبر شركاتها كـ"الجنيد" على مناجم الذهب والمعابر الحدودية، والان يضاف إليها قطاعات جديدة. هذا التقاسم الوظيفي لموارد الدولة، يتم فيه توزيع الغنائم بنسب متفق عليها سلفاً ضمن دوائر ضيقة، مما يحيل الدولة إلى مجرد غطاء قانوني لشركات أمنية قابضة. فكيف يكون الحال عند الاختلاف أو محاولة طرف الاستحواذ على كل القطاعات وتغيير قواعد اللعب!؟ بالتأكيد واقعنا يُجيب.

هذا التماهي الاقتصادي اللوبيهاتي-العسكري يفسر بوضوح ارتباطات القوى المتصارعة الآن. فالحرب الراهنة صراع على مقاليد "الشبكية الاستحواذية" بعد أن تضاربت تقاطعاتها مع قوى الهيمنة الإقليمية والدولية. النخبة العسكرية ترتهن لمحاور إقليمية بزعامة المملكة السعودية تبحث عن موطئ قدم في البحر الأحمر وضمان اكبر قدر من الأراضي الزراعية والفرص الاستثمارية وخلفيات أيديولوجية تعيد إنتاج النظام القديم، بينما يرتهن الذراع الأيسر لهذه النخبة العسكرية ( المولود من رحم الجيش) لمحور نقيض بإشراف الإمارات المتحدة، لضمان سلسلة الإمداد اللوجستي وتدفق السلاح والتغطية السياسية مقابل نهب الذهب والموارد. كلا الطرفين يعملان كوكلاء حرب بالوكالة (كمبرادورات)، ينفذون أجندات خارجية لتصفية حسابات جيوسياسية على حساب دماء الكادحين.

وتتجلى ملهاة هذا العبث في محاولة إعادة إنتاج السلطة عبر التركيبة المشوهة الحالية، سواء في حكومة الأمر الواقع في "بورتسودان" أو الإدارات الموازية في "نيالا". في بورتسودان، تعيد النخبة البيروقراطية والأمنية القديمة تجميع صفوفها، مستخدمة جهاز الدولة المتبقي لفرض جبايات باهظة واحتكار استيراد السلع الاستراتيجية، متدثرة بثوب السيادة. في المقابل، تحاول السلطة الموازية في نيالا وبقية مناطق سيطرتها فرض هياكل "إدارة مدنية" شكلية، تعتمد على استقطاب الإدارات الأهلية وتدوير النخب المحلية الانتهازية، لشرعنة اقتصاديات النهب و"الفهلوة السياسية". كلتا السلطتين، في بورتسودان ونيالا، ليستا سوى وجهين لعملة الشبكية الاستحواذية ذاتها؛ لا تملكان أي مشروع وطني، ولكن تديران أزمة بقاء وتكرسان لتقسيم البلاد إلى كانتونات نفوذ اقتصادي وعسكري.

في هذا السياق التاريخي المشوه، برز دور " الباش كتبة "والمنظرين الذين يتطوعون لتبرير هذه التركيبة المعيبة عبر صياغة سرديات أيديولوجية لتضفي شرعية على هذه المنهجية تحت دعاوى الحفاظ على هيبة الدولة والوحدة الوطنية! رغم التناقض الفج. المتمثل في الاستثمار على التناقض الاجتماعي لعسكرة الدولة في سبيل مواجهة التحديات التي تطلب إرادة وطنية تواجه المعطيات بحقيقتها الماثلة وقطع الطريق أمام الاستقطاب الإقليمي الحاد الذي لا يراعي لمصالح دولنا.

الحقيقة الموضوعية التي يتجاهلها هؤلاء هي أن الأمن يمثل مسؤولية الدولة الأساسية، وبإمكانها توفيره واحتكار ممارسة العنف المشروع لو خاطبت الإشكالات المجتمعية من جذورها العميقة ولبّت المطالب السياسية والاقتصادية للقاعدة العريضة استناداً إلى عقد اجتماعي منصف. وغياب السلم الاجتماعي ليس نتيجة لعجز إداري طارئ أو صدفة تاريخية عابرة، وإنما هو نتاج تخطيط متعمد من النخبة السياسية التي تدرك تماماً أن استقرار المجتمع وتماسكه سيقود حتماً إلى مساءلتها وتفكيك إمبراطورياتها المالية. حيث تستفيد هذه النخب بشراهة من هندسة التناقض الاجتماعي وتغذية الصراعات الأهلية، لأن تقاطع المصالح الاقتصادية القائمة على اقتصاديات الحرب والنهب الممنهج يستدعي إدامة حالة السيولة الأمنية والتشظي العرقي والمناطقي.

الحرب الراهنة تمثل الذروة المأساوية لتصادم طوابق "الشبكية الاستحواذية المتدرجة" بعد أن استنفدت هذه المنظومة قدرتها على التمدد والاحتواء، وبدأت أطرافها المسلحة تتصارع بعنف على إيجاد قواعد جديدة وتمثيل يضمن بقائها لأطول فترة ممكنة وفي سبيل ذلك مستعدة للتضحية بالمصالح الوطنية العليا. ولذلك فإن، صناعة التابعين وتزييف وعي الجماهير تمثل الأداة الأقوى في يد هذه التحالفات السلطوية لدفع البسطاء نحو المحارق دفاعاً عن شعارات فارغة من أي مضمون حقيقي، وتترافق هذه الصناعة مع ضخ إعلامي يهدف إلى تدجين العقول من خلال الوعي المعلب وتطبيع القهر.

لذا تفكيك هذا الاستلاب الفكري يفرض علينا، الإنخراط في بناء وعي نقدي حاد يرفض التماهي مع أطروحات النخب المدعية للوطنية، والتشكيك في كل السرديات المطروحة، وينزع الغطاء الأخلاقي عن سدنة النظام القديم والجديد، ويكشف بدقة كيف يتم استثمار دماء المستضعفين كوقود رخيص لتشغيل آلة الاستنزاف الرأسمالي الطفيلي. التحرر الجذري ينطلق بالضرورة من إدراك طبيعة هذه الشبكة المعقدة التي تربط بين أصغر منتفع في القرى النائية وأكبر جنرال أو سياسي في العاصمة.

بالعودة إلى تساؤلنا أعلاه، تاريخياً، عملت بنية "الشبكية الاستحواذية" على مصادرة الإرادة وتدجين العقول من خلال السلطة المعرفية، مُحولة المواطن من فاعل إجتماعي سياسي إلى "تابع" مسلوب الإرادة؛ يُستنفر بالعاطفة ويُساق بالغرائز الأولية للاصطفاف خلف احتياجات النخب الحاكمة. لقد صُمم هذا النظام ليجعل تفكير "التابع" في واقعه وحقيقته ضرباً من المستحيل، بإغراقه في يوميات البقاء وإيهامه بأن مصيره مرتبط عضوياً ببقاء السلطة.

لكن، وبالاستنباط من السياق التاريخي لحركة الشعوب، فإنه بالإمكان للتابع أن يفكر، وأن يتمرد على تبعيته متى ما امتلك الوعي النقدي وصلة الحل الجذري. عملية "التفكير" هنا بحد ذاتها هي فعل مقاومة يبدأ بلحظة الإدراك؛ إدراك التابع بأن بندقيته وصوته ومعاناته لا تصنع مجداً لوطن، وإنما تُستثمر كأرصدة وامتيازات في حسابات المنتفعين وشركات الكارتل الأمني. متى ما تم كسر احتكار النخبة للحقيقة، وتفكيك سردياتها المقدسة، يسقط "الوعي المعلب"، ويتحول التابع المقهور إلى طليعي مبادر. لذا التابع يفكر حين يرفض أن يكون مجرد أداة في معادلة الاستقطاب الثنائي، ويدرك أن خلاصه الفردي والجماعي لا يكمن في اختيار أحد أطراف الشبكية الاستحواذية، بل في هدم البنية بأكملها، ورفض تحسين شروط عبوديته داخلها.

وبناءا على ما سبق، ما يجب أن نفكر فيه ونعمل من أجله الآن، هو الانخراط الدؤوب في تأسيس مشروع وطني متكامل عبر تنظيم طليعي منضبط، يمتلك الرؤية والإرادة، ولا يساوم على جوهر القضية. مشروع يفكك هذه البنية السلطوية والاقتصادية من أساسها المادي والمعرفي، ويبني ديمقراطية قاعدية تنهي احتكار أدوات الإنتاج والسيادة، وتؤسس لدولة المواطنة والعدالة الراديكالية بعيداً عن كل أشكال الوصاية، التزييف، والارتهان للخارج. الانحياز لهذا المسار لابد أن يكون كواجب المرحلة التاريخي الذي لا يقبل الحياد. لأن جوهر المعركة هنا في كيفية فض الدائرة الجهنمية.

المواطن/ إبراهيم اسحق محمد
مسؤول المكتب السياسي ـ تيار المستقبل

04/03/2026

مآلات الصدام الكوني في الشرق الأوسط والسودان

الكلمة في أزمنة التردي تشكل فعل مقاومة.. .

تتخلق اللحظة الراهنة في الشرق الأوسط من رحم اشتباك كوني، لا يقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، وإنما يمتد ليعيد صياغة النظام المالي العالمي ويعيد النظر إلى الوجود السياسي لدول الهامش، وفي مقدمتها السودان الذي ظل لعقود مختبراً لسياسات التبعية والإلحاق. إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اليوم، تمثل الذروة التراجيدية لمشروع "الأنا المركزية" الغربية في محاولتها لإخضاع "الآخر" الجنوبي الرافض للامتثال، وهي ممارسة تتجاوز البعد العسكري لتضرب عمق "إيتيقا" الوجود القومي وسيادة الدول. هنا، يتجلى مفهوم "الأنا القاتل" الذي صاغه الفيلسوف إنريكي دوسيل، حيث تغدو إبادة إرادة الشعوب شرطاً ضرورياً لاستمرار رفاهية المركز الإمبريالي؛ ويقول «إنّ "الفاتح" هو أول إنسان حديث فاعل، عملي، يفرض "فردانيته" العنيفة على أشخاص آخرين، على الآخر»، وهي فردانية لا تتأسس على الحوار بل على نفي الندية وإقصاء السيادة. ومن ثمّ يضيف، «بعد الاعتراف بالأراضي جغرافيًا، كان يُنتقل إلى السيطرة على الأجساد، على الأشخاص: كان من الضروري "إخضاعهم"»، بما يكشف أن الخرائط ليست بريئة، وأن إعادة ترتيب المجال المالي والسياسي العالمي ليست سوى الطور المعاصر لذلك الانتقال من رسم الحدود إلى كسر الإرادات. هكذا يغدو الصراع الحالي استمراراً بنيوياً لمنطق «الأنا أفتح» الذي لا يكتفي بتطويق الجغرافيا، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والقرار الوطني في الأطراف، بحيث تُختزل سيادة الجنوب إلى هامش وظيفي يخدم استقرار المركز، ويُعاد إنتاج التبعية بوصفها قدراً تاريخياً لا فكاك منه..

العقل الكولونيالي من كاراكاس إلى طهران

ينطلق المنطق الاستعماري من تصور يفيد بأن العالم مجرد "مادة" خرساء قابلة للاستحواذ، وهو ما يتأكد بوضوح في المقاربات الأمريكية المعاصرة التي تختزل الجغرافيا في آبار النفط والغاز. نجد هذا الأمر في تصريحات ترامب كثيرًا. وتأتي عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مؤخراً في يناير 2026، بتوجيه مباشر من إدارة ترامب، لتدشن حقبة بالغة الخطورة في مسار العلاقات الدولية؛ حيث تُركل الأعراف الدبلوماسية والقوانين الأممية جانباً لصالح "شريعة الغاب" المكشوفة. هذه الحادثة الصادمة تتجاوز كونها انتهاكاً لسيادة دولة لاتينية، لتشكل رسالة ترهيب دموية موجهة لكل قوى التحرر، وتوطئة ضرورية لفهم السلوك العدواني المنفلت تجاه طهران.

نجد كثيرون يتعاملون مع اشنطن أو من خلال تضامنهم مع الدول الخليجية وفقاً للـ"المنطق الصوري" المفضوح أخلاقياً؛ إذ تدين التحركات الدفاعية المشروعة للجمهورية الإيرانية وتصفها بالعدوان، بينما تتجاهل تماماً ترسانة القواعد العسكرية التي تعتمد عليها واشنطن في صراعها مع طهران أكثر من تحقيق هدف وجودها في هذه الجغرافيا، لتجعل أراضي الخليج إلى منصات انطلاق صاروخية. وهو نهج "استشراقي" يستخدم كأداة أيديولوجية للهيمنة، حيث يُرسم الشرق ككيان قاصر يحتاج دوماً إلى "التهذيب" عبر القوة الغاشمة. علاوة على ذلك، فإن إغتيال المرشد الإيراني يعد تعدياً سافراً على "السيادة الثقافية والروحية"، وهي المسألة التي اعتبرها المفكر أميلكار كابرال خط الدفاع الأول والأخير للشعوب، لكون تفكيك الهوية الوطنية يمهد حتماً للانهيار الشامل وسقوط الدول في براثن التبعية المطلقة.

هشاشة "الدولة الوظيفية"

تعيش دول مجلس التعاون الخليجي اليوم انكشافاً استراتيجياً غير مسبوق في تاريخها الحديث. إن إعلان اختناق خطوط الملاحة المائية عبر مضيق هرمز يتجاوز كونه تكتيكاً عسكرياً بحرياً، ليغدو إعلاناً صريحاً عن نهاية حقبة "الرفاه المرتهن".

هذه الأنظمة التي هندست طفرتها الاقتصادية كملحقات هامشية للمركز الرأسمالي، تواجه حالياً احتمالات الشلل التام. إن القراءة البنيوية لواقع هذه العواصم تكشف عن عيوب جذرية وتصدعات عميقة؛ فهي كيانات ريعية بامتياز، تقايض ثرواتها الخام بوعود حماية غربية واهية. ونلاحظ حزنهم الآن نتيجة توجه لندن وباريس وواشنطن جميعها لحماية الوجود والمصالح الإسرائيلية بعيداً عن الايفاء بوعودها لهذه الدول التي لأ تخجل لأمرها. وحين توجه طهران ضرباتها نحو المصالح الأمريكية والإسرائيلية هنا، فإنها تستهدف "أوردة الإمداد" اللوجستية والمالية المغذية للآلة العسكرية العالمية.

هنا يطفو على السطح "العقل المستقيل" بتعبير المفكر محمد عابد الجابري، لدى النخب الإقليمية التي توهمت أن استضافة الأساطيل الأجنبية سيمنحها حصانة أبدية، متناسية أن الإرادة الحرة لا تُشترى بالمال، وأن الاستعمار الاقتصادي الذي مارسته ضد جيرانها سيرتد عليها وباءً حين يحتدم الصراع بين القوى الأصيلة وتتساقط أوراق التوت عن وكلائها.

نداء التحرر والمصالحة الوطنية

ينعكس هذا الصدام على المشهد السوداني بحدة بالغة التعقيد. فالسودان، الذي أُنهكت قواه جراء التدخلات السافرة والعبثية من قبل المحور الخليجي، لذا لدينا اليوم فرصة تاريخية حاسمة. لقد استُنزفت الموارد الوطنية الشاسعة وزُج بالشباب السوداني في أتون حروب بالوكالة لخدمة أجندات تلك العواصم، والتي تترنح الآن تحت وطأة الردع الإيراني المتصاعد.

تضع هذه التحولات الجيوسياسية كافة المكونات السودانية أمام حتمية المراجعة الشاملة. فالمعسكر التقليدي، والسلطات التي سارعت لتقديم أوراق اعتمادها لمحور واشنطن وتل أبيب عبر بوابة وكلاءها، تعيش حالياً حالة من الذعر الوجودي، خوفاً من انقطاع حبال الدعم والغطاء السياسي إثر تآكل النفوذ الخليجي. الأزمة الاقتصادية الخانقة في الخرطوم لا تنفصل إطلاقاً عن الجشع الإمبريالي؛ فالذهب والموانئ الاستراتيجية ظلت دوماً هدفاً للنهب المنظم. وما تحتاجه البلاد فوراً، لتجاوز هذه المحنة، يتمثل في الشروع الجاد لبلورة مصالحة وطنية شاملة تُنهي الاقتتال العبثي الداخلي وتؤسس لجبهة ترفض الاستقطابات الخارجية.

إعادة إعتبار لأطروحة شريعتي لفهم "الذات المقاومة"

لفهم السلوك الجيوسياسي للنظام الإيراني وتفكيك بنيته الذهنية في مواجهة المركز الإمبريالي، لا بد من مغادرة مربع "البراغماتية الغربية" المادية، والولوج إلى البنية الإدراكية التي صاغتها أطروحات المفكر علي شريعتي، وتحديداً مفهومه عن "التشيع العلوي الأحمر". لقد نجح شريعتي في إعادة هيكلة الوعي الجمعي الإيراني عبر تحويل الدين من طقس سلبي تعزوي إلى أيديولوجيا ثورية حركية ترفض الرضوخ لـ "المنطق الصوري" لموازين القوى. في هذا العقل، لا يُقرأ الصدام مع واشنطن وتل أبيب بوصفه مجرد صراع على النفوذ والجغرافيا، بل كحتمية تاريخية وكونية بين "المُستكبرين" (تجسيد للمركز الإمبريالي القاتل) و"المُستضعفين" (شعوب الهامش والجنوب).

من هذا المنطلق، يتبنى العقل الاستراتيجي الإيراني مفهوم "العودة إلى الذات" الذي نادى به شريعتي، والذي يعني الرفض الجذري للاندماج في العولمة الغربية أو الخضوع لـ "الأنا المركزية". إن ما يبدو للغرب "انتحاراً" أو عناداً غير عقلاني أمام العقوبات والتهديدات العسكرية، هو في عمق العقل الإيراني تجسيد لثقافة "الشهادة"؛ كفعل اختيار واعٍ وأداة استراتيجية لضخ الدم في عروق نظام دولي متكلس. هذا البناء النفسي والمعرفي يمنح طهران قدرة استثنائية على "الصبر الاستراتيجي"، حيث يُنظر إلى المقاومة على أنها فريضة وجودية لحماية "السيادة الروحية والسياسية"، مما يجعل محاولات التركيع الغربية تصطدم بجدار من الرفض العقائدي المتجذر. هذا الأمر بات مفهوماً للغرب، بأن الإيرانيون يؤمنون بشكل مطلق بالتفوق الفارسي تاريخيًا.

لذا، إن مساعي واشنطن لتقويض بنية الدولة الإيرانية تُعد مغامرة كارثية ستُكلف المنطقة بأسرها أثماناً باهظة تصل حد "الانتحار الجماعي". فالجمهورية الإيرانية كيان مؤسسي ومجتمعي متجذر عصي على الاقتلاع، واستعصاؤها على التركيع يمثل حائط صد منيع أمام اجتياح أوراسيا بأكملها. وتدرك الأقطاب الصاعدة، مثل روسيا والصين، هذه الحقيقة الجيوسياسية بعمق؛ ولذلك جاءت التأكيدات المتتالية من الكرملين وبكين حول ضرورة الوصول إلى توافق دبلوماسي كمسمار أخير في نعش الأحادية القطبية المتغطرسة.

مبدأ "سيادة الدول" الذي تتشبث به أمم الجنوب العالمي يمثل كابوساً مزعجاً للنظام الدولي الاستغلالي القديم، ولكنه يوفر طوق نجاة متين للدول المستضعفة الباحثة عن الانعتاق من أسر الوصاية. وعلى ضوء المعطيات الراهنة، مالم تعيد الولايات المتحدة الأمريكية نظرها تجاه أوراق الكرملين، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً اليوم هو دخول المنطقة في حرب استنزاف كبرى ستطيح نهائياً بأسطورة "الاستقرار النفطي" الذي طالما تغنى به المحور الغربي لاستنزاف ثرواتنا. ولكن هذا الأمر له تعقيداته أيضاً لأنه يمثل جدوى اقتصادية بالغة.

انعكاسات "الذات المقاومة" على الراهن السوداني

إن استيعاب هذا المفهوم المتمرد لا يهدف إلى استنساخ التجربة بحذافيرها في السياق السوداني، ولكن إلى استلهام جوهر "الرفض الإبستمولوجي" للتبعية. فالسودان، الذي يقف اليوم في قلب العاصفة، يحتاج بشدة إلى استدعاء مبدأ "العودة إلى الذات" لمواجهة النخب الوظيفية التي تقتات على الارتهان للخارج. إن تقاطع الصمود الإيراني مع تطلعات الشارع السوداني يكمن في إدراك أن التحرر من قبضة المركز الإمبريالي يستوجب بناء عقيدة وطنية راسخة ترى في التضحية من أجل "السيادة" بالمعنى الممتلئ ثمناً حتمياً لانتزاع الاستقلال الحقيقي، من ثم الشروع في كيفية النهوض بالبلاد من خلال الاستخدام الأمثل للموارد، وليس كمغامرة سياسية.

الأفق الأخلاقي وضرورة بناء "الكتلة التاريخية"

أمام هذا المشهد الفسيفسائي المعقد، يواجه الضمير الإنساني سؤالاً مصيرياً؛هل يُعقل بناء نظام عالمي مستقر على حساب جماجم الشعوب المقهورة؟ تجيب فلسفة التحرر بضرورة الانحياز المطلق لحق المقاومة ودحر الهيمنة الاستعمارية. يحثنا المفكر الشهيد مهدي عامل بأهمية ذلك، ويعتقد أن التحرر الوطني الفعلي يتجاوز الطرد المادي للمحتل، ليتمثل في القطع الجذري مع كل علاقات التبعية الهيكلية. وما نكابده اليوم هو المخاض العسير لهذا الانفكاك التاريخي العميق.

يتوجب علينا، رغم جراحنا الغائرة وتاريخنا النضالي، أن نعي تماماً أن خلاصنا الحقيقي ينأى كلياً عن الاصطفاف خلف "المركز القاتل" أو أدواته الإقليمية الوظيفية. يتطلب الوضع الراهن تشكيل "كتلة تاريخية" صلبة ترفض التحول إلى حطب في محارق الآخرين. هذه مسودة يمكن أن تمثل رؤية شاملة تشكل صرخة معرفية حارة غايتها استعادة الوعي بالذات السياسية المسلوبة.

لأن معركتنا اليوم من أجل استعادة الذات تتجاوز في جوهرها إعادة رسم الخرائط أو تأمين الموارد أو الدفاع عن الجمهورية؛ إنها في عمقها انحياز لمقولات الكاتبة بثينة العيسى"الفكرة التي تقولُ بأن ثمّة معنىً وراء الأشياء؛ الحياة والموت وما بينهما. الحكمة، المغزى، البصيرة الخبيئة في التفاصيل". إننا نرفض السقوط في فخ "المادة الخرساء" التي يريدها المركز الإمبريالي، ونُصر على أن للسيادة معنىً أخلاقياً يجعلنا "نشعر بوحدةٍ أقل على هذه الأرض".

لقد ظللنا لعقود نعيش ونحن "نفتح التويجات، واحدًا بعد الآخر، نافذين إلى قلبِ الوردة"، مؤمنين بأن لهذا النضال جوهراً، وأن "المعنى موجودٌ سلفاً، وجوده يسبق وجودنا". وإذا كان الصراع الراهن يحاول إيصالنا إلى لحظة إنهاك نرى فيها المركز دائرةً مفرغة، ويحاول إقناعنا بأن "المعنى هو محض خديعة، وأن حدسنا خائن"، فإن الرد الحقيقي يكمن في تحويل "فعل البحث" ذاته إلى صرخة وجودية. إن وعينا بالذات المقاومة هو الذي يحمينا من ذلك الوهم الذي اخترعه المستعمر ليقول لنا إن وصولنا إلى قلب استقلالنا لن يغير شيئاً. إن "الكلمة" والموقف هما فعل المقاومة أيضاً يترافق مع ادورانا التنظيمية، فإما أن ننتزع حقنا كذوات فاعلة نصنع تاريخنا بأيدينا ونعطي للوردة قلبها، وإما أن نُحكم بالبقاء كمجرد هوامش باهتة في سردية يخطها المركز الكولونيالي بالدم والنار

المواطن/ إبراهيم اسحق محمد
مسؤول المكتب السياسي

19/02/2026

بسم الله الرحمن الرحيم

تيار المستقبل:

بيان حول: أزمة امتحانات طلاب الشهادة، ومحاولة التمهيد للانقسام.

تابعنا بقلق بالغ التطورات المرتبطة بملف امتحانات الشهادة الثانوية في السودان، في ظل اعلان حكومة الامر الواقع في الخرطوم، واعلان حكومة "تاسيس" في نيالا، عن ترتيبات واجراءات منفصلة لادارة الامتحانات في مناطق سيطرة كل منهما. ان المضي في سياسات تعليمية متوازية دون تنسيق قومي جامع ينذر بترسيخ واقع تعليمي منقسم، ويضع البلاد على عتبة تقسيم فعلي في احد اهم مؤسساتها الوطنية الجامعة. كما ان ما يجري ياتي في سياق حرب طاحنة ادت الى حرمان مئات الالاف من الطلاب من حقهم في التعليم والجلوس للامتحانات لسنوات متتالية، وسط دمار واسع للبنية التحتية، ونزوح الملايين، وانتهاكات جسيمة في مناطق متعددة، الأمر الذي يفاقم المخاطر على وحدة البلاد ومستقبل اجيالها.

اننا في حزب تيار المستقبل، نعرف هذه الحرب بوصفها حرب نظام طبقي واحد، "صراعاً على السلطة والثروة داخل البنية ذاتها"، يدفع ثمنه المواطنون وعلى رأسهم الطلاب والشباب. هذه الحرب لا تهدد الجغرافيا السياسية فحسب، بل تضرب في عمق الأواصر الاجتماعية والوجدانية بين أبناء الشعب الواحد، وتؤسس لواقع ثنائي مواز في مؤسسات الدولة بما فيها التعليم، بما يحمله ذلك من مخاطر الانقسام البنيوي طويل الامد.

ونؤكد بوضوح ان المسؤولية عن هذا التعقيد مشتركة، فسياسات الاحتكار والاجراءات الاحادية من قبل حكومة الامر الواقع في الخرطوم، كما القرارات المنفردة الصادرة عن حكومة "تأسيس" في نيالا، تسهم معا في تكريس الانقسام بدل البحث عن حلول قومية شاملة. إن تحويل التعليم الى ساحة صراع او اداة لفرض الوقائع السياسية يهدد وحدة الشهادة السودانية، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة، ويضع الطلاب رهائن للاستقطاب العسكري والسياسي.

وانطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية فاننا نخاطب القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بلغة صريحة ومسؤولة، داعين الطرفين الى مراعاة الجوانب الانسانية العاجلة وعلى رأسها حق الطلاب في التعليم الآمن والمعترف به قوميا. ان الحد الادنى المطلوب في هذه المرحلة يتمثل في:

توفير ضمانات أمنية حقيقية لحرية حركة الطلاب واسرهم بين مختلف المناطق دون ابتزاز او قيود تعسفية.

وقف أي إجراءات أحادية الجانب من شانها تكريس إزدواجية الشهادة او فرض واقع تعليمي منفصل.

القبول بمقترح لجنة المعلمين: تشكيل لجنة وطنية مستقلة من الخبراء والتربويين تتولى التنسيق والاشراف على عقد امتحانات الشهادة الثانوية بصورة قومية موحدة في جميع أنحاء البلاد.

الالتزام بعدم تسييس العملية التعليمية، والعمل على مواءمة المناهج والاجراءات الادارية بما يضمن الاعتراف المتبادل ويصون وحدة النظام التعليمي.

إن تيسير التناغم بين مؤسسات التعليم في مناطق سيطرة الجيش ومناطق سيطرة الدعم السريع ليس مجرد اجراء إداري، بل خطوة لبناء الثقة، وقد يشكل مدخلا عمليا لتعميق مسار السلام وتهيئة المناخ لوقف الحرب. فالتعليم بطبيعته مساحة جامعة يمكن ان تتحول الى جسر للحوار بدل ان تكون خط تماس جديداً للصراع.

إننا ندعو كل القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني ولجان المعلمين واولياء الامور الى توحيد الجهود من اجل حماية قومية التعليم، والدفاع عن حق الطلاب في مستقبل آمن، والعمل على منع اي ترتيبات تمهد لانقسام البلاد واقعاً ومؤسسات.

فالسودان لا يحتمل مزيدا من التشظي، ومستقبل ابنائه وبناته ليس مجالا للمساومة، بل امانة وطنية فوق كل اعتبار.

تيار المستقبل
الخميس ١٩ - فبراير - ٢٠٢٦

Want your business to be the top-listed Government Service in Khartoum?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Telephone

Website

Address


Khartoum