14/02/2026
أبعاد عضوية الصومال في مجلس السلم والأمن الأفريقي (2026-2028)
من أجندة النقاش إلى صناعة القرار : جولة جيوسياسية في استعادة السيادة
بقلم /أفراح محمد شيخ
كاتبة وإعلامية، مديرة سابقة لجريدة الوطن بوزارة الإعلام والثقافة والسياحة. تهتم بقضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية
يخطو الصومال اليوم خطوة تاريخية تتجاوز في أبعادها مجرد الحصول على مقعد دوري في منظومة إقليمية؛ إذ ان نيل مقديشو عضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2026-2028 يمثل إعلانًا صريحًا عن نهاية حقبة “الوصاية الأمنية وبداية عصر الشراكة الاستراتيجية”. فبعد عقود كان فيها الملف الصومالي مادة ثابتة على أجندات النقاش الدولية والبحث عن حلول خارجية، ينتقل الصومال اليوم ليكون طرفًا فاعلًا يصوغ الحلول ويشارك في هندسة الأمن القومي للقارة السمراء.
*الانعكاسات على المشهد الداخلي (إعادة صياغة العقد الأمني)
إن الجلوس على طاولة صناعة القرار الأفريقي يضع الدولة الصومالية تحت “مجهر الالتزام” الدولي، مما يحوّل العضوية من تشريف دبلوماسي إلى رافعة حقيقية للإصلاح الوطني الشامل عبر المسارات التالية:
* حافز الإصلاح الهيكلي والمؤسسي
لم يعد قيم الحكم الرشيد” و”سيادة القانون” مجرد شعارات للاستهلاك المحلي، بل أصبحت استحقاقات دولية لا غنى عنها للحفاظ على مصداقية الصومال داخل المجلس. وهذا الوضع يدفع بالضرورة نحو تسريع وتيرة إصلاح القطاع الأمني وتطوير المنظومة القضائية لتتواءم مع المعايير القارية.
*استحقاق تأميم الأمن واستكمال السيادة
تأتي هذه العضوية في لحظة فارقة تتزامن مع انتقال المسؤوليات الأمنية من البعثات الأفريقية إلى القوات الوطنية الصومالية. ووجودنا داخل المجلس يمنحنا المنصة الأقوى لتأمين الدعم اللوجستي والسياسي اللازم لبناء جيش وطني عصري، وضمان استدامة العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية بقرار وطني ودعم قاري.
ثالثاتعزيز اللحمة الفيدرالية:
يتطلب الدبلوماسي القوي جبهة داخلية صلبة؛ لذا ستكون هذه العضوية محفزًا لتعميق التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، لضمان خروج صوت صومالي موحّد يضع المصالح القومية العليا فوق كل اعتبار.
*تصدير نموذج التعافي
يمتلك الصومال اليوم “مختبرًا واقعيًا” في مكافحة الفكر المتطرف وتحقيق الاستقرار المجتمعي. ومن خلال المجلس يمكن تحويل تجربته في “الحرب الفكرية” من تجربة محلية إلى خبرة أفريقية تُصدَّر إلى الدول التي تواجه تهديدات مشابهة، لينتقل من دور “المتلقي” إلى دور “الخبير الاستشاري”.
*الثقل الإقليمي في القرن الأفريقي (إعادة توازن القوى)
في منطقة تعجّ بالتجاذبات الجيوسياسية المعقدة كالقرن الأفريقي، تمنح العضوية في المجلس الصومال أدوات سياسية وقانونية لحماية مصالحه الحيوية:
*حماية السيادة البحرية والممرات المائية
بصفته صاحب أطول ساحل في أفريقيا، يتيح له المجلس قيادة المبادرات المتعلقة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، والتصدي بحزم لأي محاولات للمساس بسيادته البحرية تحت ذرائع واهية أو عبر اتفاقيات غير قانونية تخالف مواثيق الاتحاد الأفريقي.
*تكريس مبدأ الحلول الأفريقية
يمنح هذا الموقع الصومال القدرة على الحد من التدخلات الأجنبية السلبية، عبر تفعيل آليات فضّ النزاعات داخل البيت الأفريقي، بما يقلل من تدويل الأزمات ويحمي الأمن القومي من الأجندات العابرة للقارات.
*الندية الجيوسياسية:
إن التواجد في الغرفة التي تُصاغ فيها القرارات الأمنية ينهي محاولات فرض سياسة الأمر الواقع، ويسمح للصومال ببناء تحالفات استراتيجية تعيد توازن القوى لصالحه.
*التحديات الجوهرية والمسؤولية التاريخية
إن تحويل هذا الإنجاز الدبلوماسي إلى مكتسبات ملموسة يتطلب مواجهة جملة من التحديات التقنية والسياسية:
*صناعة “الدبلوماسي الأمني
فالعضوية ليست فخرية، بل تتطلب حضورًا يوميًا فاعلًا في اللجان الفنية، وفهمًا عميقًا لنزاعات القارة من غربها إلى جنوبها، وهو ما يستدعي تأهيل كادر دبلوماسي متخصص يجمع بين الحنكة السياسية والرؤية الأمنية.
*التوازن بين القومي والقاري:
يتمثل التحدي في الموازنة بين الدفاع عن المصالح الصومالية وأداء دور الحكم النزيه في أزمات القارة، بما يحفظ هيبة الدولة ومصداقيتها كعضو فاعل ومؤثر.
*الاستباقية والإنذار المبكر:
ينبغي ألا يكتفي الصومال بردّ الفعل تجاه الأزمات، بل عليه المساهمة في صياغة استراتيجيات وقائية تمنع تفاقم الصراعات، مما يعزز صورته كدولة صانعة للاستقرار.
وفي ختام هذه المقالة، فإن انتخاب الصومال لعضوية مجلس السلم والأمن الأفريقي ليس مجرد نجاح لوزارة الخارجية، بل هو “شهادة تعافٍ” للدولة الصومالية برمتها. لقد انتقل رسميًا من مرحلة “الدولة تحت الملاحظة” إلى الدولة الصانعة للأمن الجماعي”.
وخلاصة القول إن القيمة المضافة لهذه العضوية ستظل مرهونة بقدرة صانع القرار الصومالي على الربط الذكي بين الاستقرار في الداخل و”التأثير في الخارج”. فبقدر ما ينجح الصومال في تصفير مشكلاته الداخلية وتوطيد مؤسساته، سيتعاظم صوته وتتسع دائرة تأثيره في رسم مستقبل القارة السمراء من مقعد القيادة
