10/07/2026
«أنا مش قادرة أسامحهم… والأصعب إني بقيت أحيانًا مش قادرة أتعرف على نفسي.»
وصلتني رسالة من امرأة تقول:
أنا اتظلمت من ناس كانوا يعرفون جيدًا أنني جئت إليهم وأنا أحمل جرحًا قديمًا.
حكيت لهم عن أول مرة تعرضت فيها للغدر، وعن تجربة قاسية هدمت شيئًا كبيرًا بداخلي.
حكيت لهم كيف شعرت وقتها وكأن حيطان البيت سقطت فوق جسدي، وكيف مرّ الزمن لكن جسدي وقلبي ما زالا يتذكران الألم.
كانوا يعرفون نقاط ضعفي.
يعرفون الأشياء التي أخاف منها.
ويعرفون كم دفعت من عمري حتى أستطيع الوقوف مرة أخرى.
ومع ذلك… أعادوا لي الوجع بصورة أشد.
كنت أبكي بينما هم يضحكون.
كنت أنهار نفسيًا، وأفقد النوم، وأعيش أيامًا لا أعرف كيف مرّت، بينما استمرت حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث.
والأصعب أنني حتى عندما أردت أن أتكلم عما فعلوه بي، أصبح المطلوب مني أن أصمت:
«خلاص… الموضوع انتهى. ابعدي ومتزيديش الأمور.»
لكن كيف ينتهي شيء ما زال يعيش بداخلي؟
كيف يكون الشخص بعيدًا عني، بينما أثره ما زال يسكن أعصابي وذاكرتي؟
حتى شعري لم يسلم من تلك المرحلة.
تخليت عن شعري للمرة الثانية.
المرة الأولى عندما حلقته، بكيت كثيرًا.
كان شعري طويلًا وجميلًا، وشعرت وقتها أنني أفقد جزءًا عزيزًا مني.
أما المرة الثانية… فكان الشعور مختلفًا تمامًا.
لم أبكِ على شعري.
كنت أشعر وكأنني أتخلى عن نسخة قديمة مني.
المرأة الهادئة التي كانت تخاف أن تجرح أحدًا، والتي كانت تتحمل كثيرًا، وتفكر ألف مرة قبل أن ترد.
خرجت مني شخصية أخرى.
غاضبة.
حادة.
سليطة اللسان أحيانًا.
لا تهاب أحدًا، ولا تريد أن تظهر ضعفها أمام أي مخلوق.
كأن بداخلي نارًا تريد أن تحرق كل من يقترب منها.
وأحيانًا أنظر إلى نفسي وأقول:
متى أصبحت هكذا؟
أنا لم أكن هذه المرأة.
لكن عندما يُجرح الإنسان مرة بعد مرة، قد يبدأ عقله في بناء جدار حوله.
الغضب يصبح درعًا.
والحدة تصبح محاولة لمنع أي شخص من الاقتراب من الجرح مرة أخرى.
وقد تتحول فكرة:
«أنا لن أسمح لأحد أن يؤذيني مرة ثانية»
دون أن نشعر إلى:
«سأهاجم قبل أن يهاجمني أحد.»
وأنا أعرف أن وجعي لا يعطيني الحق في إيذاء الآخرين.
لكنني أيضًا أعرف أن هذه النسخة الغاضبة مني لم تظهر من فراغ.
هي خرجت في الوقت الذي شعرت فيه أن النسخة الطيبة والهادئة لم تستطع حمايتي.
وأعترف…
أحيانًا أدعو أن يذيقهم الله نفس الشعور الذي جعلوني أعيشه.
ليس لأنني أريد أن أصبح إنسانة شريرة، ولكن لأن جزءًا بداخلي ما زال يصرخ:
«أريدهم فقط أن يفهموا ماذا فعلوا بي.»
ثم أتعب من هذا الغضب نفسه.
لأن الغضب الذي ظننته سيحميني، بدأ يأكلني أنا.
وهنا أدركت شيئًا مؤلمًا:
من ظلمني أخذ مني جزءًا من الماضي… لكن إن بقيت أسيرة للغضب، فسأعطيه المستقبل أيضًا.
أنا لست مستعدة أن أقول إنني سامحت.
ولست مضطرة أن أجبر نفسي على الغفران قبل أن أتعافى.
ربما أول خطوة ليست أن أسامحهم.
ربما أول خطوة أن أتعلم كيف أنقذ نفسي من الأثر الذي تركوه بداخلي.
أن أفصل بين القوة والقسوة.
بين وضع الحدود وتحويل قلبي إلى ساحة حرب.
بين الدفاع عن نفسي وبين أن أصبح نسخة ممن آذوني.
أنا لا أريدهم الآن.
لا أريد اعتذارهم.
ولا تبريرهم.
ولا عودتهم.
أنا فقط أريد أن أرجع أنا.
أريد أن أستعيد هدوئي.
أريد أن أنام دون أن أعيد الحكاية مئة مرة في رأسي.
أريد أن أنظر في المرآة وأعرف المرأة التي أمامي.
وأريد يومًا ما أن أقول:
«نعم، ظلمتموني… وكسرتُم شيئًا بداخلي، لكنكم لم تستطيعوا أن تحولوني إلى شخص لا أحبه.»
فالسؤال ليس دائمًا:
كيف أسامح من ظلمني؟
أحيانًا السؤال الأهم هو:
كيف أتعافى من الظلم دون أن يتحول وجعي إلى شخصية أعيش بها بقية عمري؟
— قَالَتْ لِي امْرَأَةٌ | Qālat Lī Imra’ah
صوتها… حكايتها | Her Voice. Her Story.