11/04/2025
زهران ممداني: منعطف في تاريخ نيويورك والحراك السياسي!!
في الساعات الحاسمة قبيل توجه الناخبين العرب والمسلمين إلى صناديق الاقتراع لاختيار عمدةٍ جديدٍ لمدينة نيويورك، لا يمكن تناول اسم زهران ممداني من زاويةٍ انتخابية بحتة. إنها لحظة تاريخية تتلاحم فيها ضرورة التحوّل الاجتماعي مع أمواجٍ من الصراع المؤسسي، وتفرض علينا قدراً من الوعي واليقظة، يتجاوز مجرد الفعل الانتخابي إلى فهم أعمق لما تمثّله هذه اللحظة من تحوّل سياسي وثقافي في المدينة التي لا تنام.
ومع أن حظوظ ممداني بالفوز كبيرة بإذن الله، فإن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تدفعنا إلى التراخي. فكل صوتٍ عربي أو مسلم أو حرّ في هذه المدينة العريقة هو لبنة في بناء تجربةٍ قد تغيّر الكثير في علاقة الجاليات المهمشة -وعلى رأسها طبعًا جاليتنا- بالسياسة الأمريكية.
إن الخروج للتصويت ليس مجرّد دعمٍ لمرشح، بل إعلان موقفٍ مناهضٍ للتهميش ومؤيدٍ لقيم العدالة الاجتماعية.
كما ينبغي علينا أيضًا الإنتباه لعدة نقاط هامة وهي:
أولاً — حتى قبل إعلان النتائج النهائية بدا ممداني قد حصد انتصارًا معنويًا مهمًا؛ فالحراك الذي أطلقه أحدث صدى لدى قطاعات واسعة من الشباب الذين يطالبون بإعادة توزيع السلطة والموارد في مدينةٍ يزداد فيها فجوة السكن والمعيشة. والحجر الذي ألقاه في مياه السياسة الأمريكية الراكدة أحدث تموجاتٍ تجاوزت سطح المشهد الانتخابي لتصل إلى عمقه. ف
قد حرّك ركوداً طويلاً، وأيقظ أملاً دفيناً لدى شريحة واسعة من الشباب الأمريكي، ولا سيما أولئك الذين شعروا طويلاً أن النظام السياسي مغلق في وجههم، تتحكم فيه قوى المال ومراكز النفوذ وغيرها.
ثانيًا — ممداني، نائب في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك عن مقاطعة أستوريا في كوينز، بنى سمعته على قاعدة عملٍ تقدمي تمثل جزءًا من حركة الاشتراكية الديمقراطية المحلية (DSA) واهتمامه بقضايا السكن والعدالة الاجتماعية. وانتصاراته السابقة في الانتخابات المحلية منحت حملته مصداقية تنظيمية وشبكات تطوّع واسعة يمكن البناء عليها لاحقًا والتعاون معها في قضايا تهمنا.
ثالثًا — الخطاب السياسي المناهض لقوى المال والنفوذ يضع ممداني في مواجهةٍ مباشرةٍ مع آلياتٍ مؤسسية قادرة على تحريك التمويل الإعلامي واللوبيات الراسخة. تجارب سابقة على الساحة الأمريكية أظهرت قدرة جماعات ضغط كبيرة -كالإيباك- على تعبئة موارد انتخابية وتحالفات ضد مرشحين يخالفون مواقفها.
وفي حال فوزه، وهو أمر متوقع بإذن الله، فإن المعركة لن تنتهي عند أبواب المدينة. فالرجل الذي يجاهر بدعمه للمستضعفين، ويدافع عن حقوق ذوي الدخل المحدود، ويقف ضد سياسات التمييز والعنصرية التي يمثلها تيار ترامب، ويعلن بوضوح تأييده لقضية فلسطين ورغبته في اعتقال نتنياهو، لن يكون طريقه مفروشاً بالورود.
بل ستُفتح في وجهه أبواب الجحيم من قبل خصومه ومن قبل أولئك الذين يخشون التغيير الذي يمثله.
هنا يبرز واجبنا كجاليات وكقوى حرة في الوقوف إلى جانبه، لا دفاعاً عن شخصه، بل عن القيم والمبادئ التي يجسدها.
رابعًا — التجربة السياسية داخل الحزب الديمقراطي نفسه تُظهر أن الإحجام المؤسسي أو التحيّز لصالح تياراتٍ تقليدية ليس أمرًا افتراضيًا فقط.
دروسٌ من ساحة السياسات الأمريكية الحديثة تُذّكرنا كيف تحوّلت قواعد الانتخابات الداخلية لصالح مرشحين مقبولين/مضمونين لدى المؤسسة الحزبية، فيما واجهت مبادرات تقدمية تريد إصلاحًا حقيقيًا مقاومةً داخلية وخارجية.
وما جرى سابقاً مع بيرني ساندرز، حين تخلّى عنه الحزب لصالح هيلاري كلينتون رغم شعبيته العارمة بين الشباب، يقدم درساً بليغاً.
فمتى شعر قادة الحزب بأن تجربة ممداني قد تلهم آخرين وتكسر احتكار النخبة السياسية، فلن يترددوا في الانقضاض عليه، حتى قبل أن تتسع قاعدته الجماهيرية أكثر.
ويجب ألا نغفل حقيقة أعمق: أن الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه ممداني ليس طاهراً من الفساد، بل هو – في جوهره – شريك الحزب الجمهوري في إدامة نظام سياسي فاسذ تغلغلت فيه مصالح المال والنفوذ حتى الجذور.
خامسًا — فوز ممداني بمنصب العمدة -عندما يتحقق بإذن الله- سيمثل خطوة رمزية كبرى نحو إضعاف احتكار النخبة، لكنه لن يكون سوى بداية الطريق. مواجهة مقاومة مؤسساتية ستنضم إليها شبكات الضغط، الأطراف الاقتصادية، وربما تحالفات حزبية متأرجحة، فضلاً عن تقاريرٍ صحفيةٍ قد تسعى إلى تأطيره بقوالب تشهيرية وهو ما يحدث بالفعل منذ شهور عبر ملايين الدولارات التي تم صرفها في أغلب وسائل الإعلام لا لشيء إلا لشيطنته.
لذلك، لا بد من التحضير لمرحلة ما بعد الفوز: تصعيد الدعم الشعبي، بناء هياكل ضغط مدني تحمي السياسات المقترحة، وإقناع قطاعات عملية مثل النقابات والباطن الإداري للمدينة بوجاهة البرامج الإصلاحية.
سادسًا — التغاضي مرحليًا عن النقاط والأفكار الإشكالية التي لا نتفق معه فيها كمجتمع مسلم وعربي محافظ، ومنها قضايا الهوية ودعم المتحولين جنسيًا والتي يدعمها وحزبه بقوة، هذا التغاضي لا يعني التنازل لكنه ترتيب لأولويات الواقع الحالي.
سابعًا — تحويل الوعود الجذرية (مثل حافلات مجانية، تجميد إيجاراتٍ موسّع، متاجر مملوكة للمدينة) إلى واقع عملي يتطلّب قدرة مالية وتنظيمية، وتنسيقًا مع الولاية ومنظمات العمال والكونغرس المحلي. معضلة التمويل، القيود القانونية على اختصاصات المدن في دولة فيدرالية مثل الولايات المتحدة، والتسويات مع أصحاب المصالح الاقتصادية تعني أن طموحاتٍ نموذجية ستحتاج إلى آليات تنفيذية متدرجة، تجريبية ومصمّمة لبلوغ أهدافها الواقعية. يجب أن يُرافق الفوز خطة تنفيذ مرحلية ومؤشرات قياس واضحة نساعده فيها كمجتمع حر يعي مصلحته. 
ثامنًا — نجاح تجربةٍ تقدميةٍ وجماهيرية في مدينةٍ كتلك سيقدّم نموذجًا قابلاً للتكرار في مدنٍ أخرى. لهذا السبب يتحمّس الداعمون ويخشَى الخصوم: لأن كسر الاحتكار السياسي في مركز ثقل إعلامي واقتصادي مثل نيويورك يبعث إشاراتٍ إلى قواعد مماثلة في سائر الولايات.
وهذا ما يفسّر شراسة الصراع حوله، وما يجعل من قضيته اختبارًا لمعنى تغيّر توازنات القوة السياسية في أمريكا الحديثة. 
وبالنهاية، أعيد اقتباس خاتمة المقال الذي كتبته عند إعلان فوز ممداني في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي:
"فمن حقنا أن نعارضه في قضايا الهوية، لكن لا ننكر أن وجوده وفوزه المتوقع أمام تيار الصهيونية في مدينة نيويورك (معقلها التاريخي) سيتيح للمسلمين وللعرب صوتًا -كثيراً ما بحثنا عنه- في دوائر القرار.
وهو ما يمكننا العمل عليه، عبر التأكيد على أن دعمه لا يعني تبنّي كل أفكاره، بل اختيار تكتيكي في ساحة معقّدة.
حيث يمكننا دعمه بوعي، والضغط عليه حين نختلف، بدلاً من الغياب أو الحياد الذي لا يخدم مصالحنا لا اليوم ولا غداً.
وهذا رأي شخصي، قد يحتمل الخطأ أو الصواب، أحببت أن أشاركه معكم كي تكون كل الأوراق "التي قد يتحرج البعض من ذكرها" مطروحة على الطاولة.
زهران مامداني يمثل لحظة فارقة في السياسة الأمريكية: نجم صاعد، تقدمي شرس، يحمل قضايا تستحق الاحترام، وأخرى تستحق الرفض قبل النقاش.
وبينما يحتفل البعض بانتصاره، يجدر بنا كمسلمين وكعرب -لا أن نرفضه رفضًا مطلقًا، ولا أن نقبله قبولا أعمى- بل أن نمارس دورنا كمجتمع واعٍ، ينتخب، يفاوض، يضغط، ويحاسب… حتى يكون لنا مكانٌ لا يُختزل في اسم، ولا يُباع في صفقة."
مصطفى الحسيني

09/17/2023
08/16/2023
08/13/2023
08/12/2023