المنظمة الفدرالية الدولية

المنظمة الفدرالية الدولية

Share

المنظمة الفدرالية الدولية:منظمة مجتمع مدني غيرحكومية ?

أهداف المنظمة
1- تنمية وعي الرأي العام بأهمية المشاركة المجتمعية في تطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني وبناء المستقبل المشرق لليمن الجديد .
2ـ المساهمة للقيام بالتوعية لمفهوم واهمية وطبيعة التحول نحو النظام الفيدرالي وانشاء الاقاليم واهمية المشاركة في انجاح هذه التجربة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة .
3ـ العمل على تطوير الدور الاعلامي في دولة اليمن الاتحادية القائم على مبادئ الحكم الرشيد والشفاف

13/09/2017

جنوب أفريقيا :
تُطلق تسمية جنوب أفريقيا على تلك الدّولة الواقعة في أقصى جنوب القارة الأفريقية، والمُطلّة على مياه المحيطين: الهادئ من جهتها الشرقية، والأطلسي من جهتها الغربيّة، كما تحدّ دولة جنوب أفريقيا أربع دولٍ أفريقية هي: موزامبيق من جهتها الشمالية الشرقية، وزيمبابوي، وبوتسوانا من جهتها الشمالية، وناميبيا من جهتها الشمالية الغربية.
* معلومات عن دولة جنوب أفريقيا
تُقدَّر مساحة دولة جنوب أفريقيا بما يزيد على مليون ومئتي ألف كيلومترٍ مُربّع تقريباً، كما تُعتبر مدينة كيب تاون عاصمة البلاد التشريعيّة. تُحكَم البلاد من خلال نظام حكم جمهوري دستوري نصف رئاسي فدرالي، أمّا السلطة التشريعيّة فهي من اختصاص البرلمان هناك. أخيراً، يُعتبر الراند الجنوب أفريقي العملة الرسميّة للبلاد. *سكان جنوب أفريقيا :
يُقدَّر عدد سكّان البلاد بقرابة خمسة وخمسين مليون نسمة تقريباً بناءً على أرقام الأمم المتحدة لعام ألفين وستة عشر ميلادية؛ حيث قُسّم هؤلاء السكّان بشكل عنصري إلى: بيض، وغير بيض، مع وجود نسبة من الآسيويين، والملونين؛ بحيث يُشكِّل غير البيض النسبة الأكبر من سكان البلاد، أمّا فيما يتعلق بالبيض، فهم أولئك الذين تعود أصولهم إلى مناطق القارة الأوروبية، ولعلَّ أبرز هذه الأصول: الأصول الهولندية، والفرنسية، والبريطانية، والألمانية؛ حيث هاجر هؤلاء السكان إلى جنوب أفريقيا بعد احتلال البلاد. فيما يتعلّق باللغات المنتشرة في جنوب أفريقيا، فتعتبر اللغتان: الأفريقانية، والإنجليزية اللغتين الرسميتين في البلاد، مع وجود العديد من اللغات الأخرى بين السكان، نذكر منها: الزولوية، والنديبلي الجنوبية، والسوازية، والتسوانية، والسوتنية الجنوبية، والتسونجية، والأفريقيانية، والعديد من اللغات الأخرى.
* مزايا وخصائص دولة جنوب أفريقيا :
1-بما أنّ دولة جنوب أفريقيا تقع في القسم الجنوبي من الكرة الأرضية، فإن الفصول فيها تعاكس فصول الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، كما أنّ أشعة الشمس تُشعُّ عليها لأوقات طويلة جداً.
2 -تشتَهر جنوب أفريقيا بشواطئها الساحرة، والتي تعتبر من أبرز مقوّمات السياحة في البلاد، كما يمكن في بعض المناطق المطلة على مياه المحيط الهندي مجالسة السكان المحليين، مما يُقدِّم للزائر تجربة فريدة، وجميلة.
3-يمتاز سكان البلاد بثقافتهم المختلطة كنتيجة لتعدد الأعراق فيها، ومن هنا فإنّ الأمة الجنوب أفريقية تُلقّب عادةً بأمّة قوس قزح.
4- تَحتوي على حديقة مميّزة تُدعى حديقة كروجر الوطنية، والتي تُعتبر من أفضل حدائق العالم؛ حيث يُمكن فيها مشاهدة المخلوقات البرية بشكل لا نظير له؛ نظراً لاحتوائها على أعداد هائلة من الحيوانات من كافة الأنواع والأصناف.
5- تمتاز دولة جنوب أفريقيا بكونها دولة حديثة؛ حيث تُعتبر من أكثر دول القارة الأفريقية تطوراً، وقد صارت بعض مدنها مدناً عالميّةً بفضل التطور الذي وصلت إليه.

06/09/2017

(الديمقراطية التوافقية) في دولة جنوب إفريقيا ما بين النجاح والإخفاق:

تثير (الديمقراطية التوافقية) نقاشاً واسعاً في البلدان ذات التركيبة الاجتماعية التعددية، ويشتد هذا النقاش مع تفاقم الانقسامات المجتمعية، الدينية والمذهبية، الفئوية والاجتماعية، التي تخترق هذه المجتمعات التعددية، وبرغم التجربة التي تتمتع بها بعض الدول في مجال تطبيق (الديمقراطية التوافقية) فإنّ هناك دولاً كثيرة تحاول تطبيق هذه الديمقراطية اعتقاداً منها أنها تحلّ المشكلات المتعلقة بالمشاركة الواسعة لمختلف الإثنيات المكوّنة للمجتمع.

(الديمقراطية التوافقية) نموذج حديث نسبياً، يُطرح كشكل من أشكال ممارسة السلطة في الدول المتعددة الإثنيات في تركيبتها المجتمعية أو المتنوعة اجتماعياً، والتي تعاني ضعفاً وتواتراً في الأزمات السياسية، لذلك فعملية إشراك جميع المكوّنات الاجتماعية، الأغلبية والأقلية، في صنع القرار السياسي يُعد - حسب مؤيدي هذا الشكل من الديمقراطية - ضماناً لعدم انزلاق هذه المجتمعات نحو المواجهات والحروب الأهلية.

وتُعد (الديمقراطية التوافقية) من أكثر المفهومات والمصطلحات تداولاً في عالم اليوم، وأضحت محلّ اهتمام مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والثقافية والفكرية وقادة القوى السياسية بها، وذلك على الرغم من الفقر النسبي، خصوصاً في العالم الثالث، في عدد البحوث والدراسات التي تناولت هذه الديمقراطية بالدراسة والتحليل، لذا فإنّ البحث في (الديمقراطية التوافقية) يستوجب تحديد الأطر والمفهومات الأساسية التي تستند عليها هذه الديمقراطية من جهة، بغية معرفة مدى انسجامها مع واقع المجتمع غير الغربي، وبخاصة الإفريقي، بدراسة هذه التجربة على (دولة جنوب إفريقيا).

لقد عرفت القارة الإفريقية مطلع التسعينيات في القرن الماضي موجة من التحولات السياسية نحو الأخذ بالقواعد الديمقراطية، حيث شملت معظم دول القارة، كجزء من السياق العامّ المعروف باسم (موجة التحوّل الديمقراطي) التي عرفتها الدول النامية، من بينها دول إفريقية، فهذا التحوّل يعبّر عن أهم حدث في نهاية القرن العشرين في القارة.

اتجهت العديد من الدول الإفريقية إلى الأخذ بالديمقراطية الليبرالية، والتخلّي عن النظم القائمة على الأحادية الحزبية التي سادت خلال الستينيات، حتى انتهاء الحرب الباردة في ثمانينيات القرن الماضي، فدوافع ذلك التحوّل الذي اصطُلح على تسميته (التحوّل الديمقراطي) وأساليبه ونتائجه قد تباينت من مجتمع إلى آخر، الأمر الذي أثار جدلاً قاريّاً حول قضية التحوّل الديمقراطي في القارة وما تثيره من إشكاليات.

اتخذ التحوّل السياسي في العديد من الدول الإفريقية صورة انتقال السلطة من أنظمة سلطوية (مدنية أو عسكرية) غير منتخبة؛ إلى أنظمة - مبدئياً - منتخبة على نحو ما تشهده عدة دول، وهي الصورة المتداولة للتمييز بينها وبين غيرها من صور التحوّل السياسي غير الديمقراطي، سواء تمثّلت في انتقال سلطة من حكومات مدنية غير منتخبة إلى حكومات مدنية غير منتخبة أخرى، أو انتقال السلطة من حكومات عسكرية إلى أخرى عسكرية عن طريق الانقلابات، أي حالة التحوّل من الأعلى، والتي تكون عادة تعديلات شكلية تضمن استمرار نفس النظام في السلطة.

سندرس (دولة جنوب إفريقيا) من حيث طبيعة تحوّلها، والتي تفردت بملمح خاص يميزها عن الحالات المتداولة، وهو سياسة (الفصل العنصري) التي طُبقّت في المجتمع، وآثارها السياسية السلبية التي خلفتها على الأكثرية السوداء، وتراث الممارسة الديمقراطية للجماعة البيضاء فيما بينها في جنوب إفريقيا على النمط الليبرالي الغربي، والممارسة شبه الديمقراطية المحكومة لجماعة الملونين والهنود بمقتضى دستور 1983م، فالممارسة الديمقراطية لم تكن غائبة كلية عن مجتمع جنوب إفريقيا، ولكنها كانت مقصورة على فئة بعينها على حساب فئات أخرى كالسود، الأمر الذي جعل تجربة جنوب إفريقيا تميل إلى قضية الانتقال من نظام عنصري (إثنوقراطي) إلى نوع خاص من الديمقراطية (1).

ومن هنا كانت الإشكالية: إلى أي مدى تحقّق (الديمقراطية التوافقية) الاستقرار السياسي في ظلّ مجتمع متعدّد الأعراق والإثنيات؟



أولاً: مفهوم (الديمقراطية التوافقية) ومقوماتها:

تعرف (الديمقراطية التوافقية) تبعاً للخصائص المميزة لها، وهي كثيرة، يحصرها (آرنت ليبهارت) في أربع خصائص رئيسة، وهي: (الائتلاف الموسّع)، وهو العنصر المهمّ، فهو الحكم من خلال ائتلاف واسع من الزعماء السياسيين من جميع القطاعات المهمة في المجتمع التعددي، (الفيتو المتبادل) أو حكم الأغلبية المتراضية، والتي تُستعمل كحماية إضافية لمصالح الأقلية الحيوية، العنصر الثالث هو (النسبية) كمعيار أساسي للتمثيل السياسي في الانتخابات والتعيينات في جميع مجالات الخدمة المدنية وتخصيص الأموال العامّة، أما الخاصية الأخيرة فهي (الاستقلال الفئوي) لكلّ قطاعٍ في إدارة شؤونه الداخلية الخاصة.

1 - الائتلاف الموسّع:

على النقيض من اتجاه نموذج (وستمنستر) في تركيز السلطة التنفيذية في الحزب الواحد الحاصل على الأغلبية، واستحواذه على أغلبية الوزارات، فإنّ (الديمقراطية التوافقية) - من خلال مبدأ التوافق - تفتح المجال لمعظم الأحزاب للمشاركة في إدارة الحكم ضمن تحالف موسّع على مستوى البرلمان والحكومة(2)، فالسمة الأساسية في هذا النوع من الديمقراطية هي أنّ الزعماء السياسيين لكلّ قطاعات المجتمع التعددي تتعاون في ائتلاف واسع في حكم البلاد.

ويمكن توضيح وظيفة الائتلاف الواسع عبر وضعه ضمن سياق مبدأين متنافسين، هما: الحكم بالإجماع، وحكم الأكثرية في النظرية الديمقراطية المعيارية، فمن جهةٍ يكون الاتفاق الواسع بين جميع المواطنين أكثر ديمقراطية من حكم الأكثرية، ويعتبر من جهةٍ ثانيةٍ البديل الوحيد لحكم الأكثرية وحكم الأقلية، أو على الأقل فيتو الأقلية، فمعظم الدساتير الديمقراطية تحاول أن تحلّ هذا المأزق بالنصّ على حكم الأكثرية للمعاملات العادية عندما يرى أصحاب القرارات أنّ البتّ فيها ليس صعباً، وأكثرية استثنائية بالنسبة إلى القرارات الحيوية جداً؛ كاعتماد الدساتير أو تعديلها.

2 - الفيتو المتبادل:

إنّ المشاركة في الائتلاف الواسع يؤمّن ضمانة سياسية لقطاعات الأقلية، فالقرارات ينبغي أن تُتخذ في الائتلافات الواسعة على قاعدة الإجماع أو الاكثرية، وعندما تُتخذ هذه القرارات عبر أكثرية الأصوات؛ فإنّ تمثيل الأقلية في الائتلاف يمنحها فرصة لتقديم اقتراحاتها بأقصى ما يمكن من قوة لشركائها في الائتلاف، لكنها قد تُهزم مع ذلك أمام أصوات الأكثرية، وعندما تؤثر قرارات كهذه في المصالح الحيوية لقطاع الأقلية؛ فإنّ هذه الهزيمة تعتبر غير مقبولة، وتعرّض التعاون بين النّخب القطاعية للخطر، ولذلك فلا بد من إضافة (فيتو الأقلية) إلى مبدأ الائتلاف الواسع، ولا يمكن لغير هذا الفيتو أن يمنح كلّ قطاع ضمانة كاملة للحماية السياسية.

(فيتو الأقلية) هو مرادف لفكرة (الأكثرية المتراضية) عند (جون س كلوهن) John c. colhoun التي اعتبرتها أنها حماية لمصالح الأقلية وهدفها الأساسي، فهي تمنح كلّ قطاع القدرة على حماية نفسه، وتضع حقوق كلّ قطاع وسلامته في أولويات الحكم، أي تحت وصايته الخاصة(3).

3 - التمثيل الانتخابي النسبي:

النسبية من الخصائص الأساسية لـ (الديمقراطية التوافقية)، فالتمثيل النسبي هو خاصية النظام التعددي، يقوم بترجمة الانقسام الاجتماعي إلى تعدد وتمايز في النظام الحزبي، كما هو موجود في الأنظمة التعددية التي تميل إلى تمثيل الأحزاب الكبيرة بتمثيل أكبر والأحزاب الصغيرة بتمثيل أقلّ، والهدف الأساسي من (التمثيل النسبي) هو تقسيم المقاعد البرلمانية بين الأحزاب بما يتناسب مع الأصوات التي حصلوا عليها(4)، وتقتضي النسبية في التمثيل انعكاساً لأحجام هذه الجماعات على شتى مستويات الدولة، بمؤسساتها وأنشطتها، فتصميم النسبية عادة يقوم على مبدأ واضح، وهو العلاقة التناسبية بين عدد الأصوات وترجمتها إلى مقاعد(5).

يُعرّف (الحكم التوافقي) بناءً على قواعده التي يقوم عليها، فالائتلاف الواسع هو القاعدة الأساسية فيه، والتي يبقى التوافق عليها ضرورة للحكم، يُكمّل الائتلاف الموسّع بأدوات تساعد في مأسسة القواعد المتفق(6) عليها، فإنّ (الديمقراطية التوافقية)Democratie Consensuelle, Consociational Democracy كما تبلور مفهومها منذ عقود عن طريق (ليبهارت) نموذج بديل لـ (الديمقراطية التنافسية) Democratie competitive أو (الديمقراطية التمثيلية) القائمة على حكم الأغلبية، والتي عرفت تاريخياً من قبل جلّ النظم السياسية في سياق تكوّن دول ومجتمعات موسومة بقدر كبير من التلاحم البشري والانصهار الإثني والاستقرار السياسي، ومعززة لثقافة سياسية ديمقراطية تكرّس قواعد التنافس والتداول والتمثيل، و (الديمقراطية التوافقية) خلافاً لذلك ولدت ونبعت في شروط يطبعها الانقسام المجتمعي، والتباينات الإثنية والعرقية والجهوية، وضعف الوحدة الوطنية، وصعوبة الاستقرار السياسي، وتواتر موجات العنف الاجتماعي.

4 - الاستقلال الفئوي الذاتي:

يُعد الاستقلال القطاعي الذاتي من أهم خصائص (الديمقراطية التوافقية)، حيث تحكم الأقلية نفسها في المنطقة التي تعني هذه الأقلية حصرياً، فهي لازمة لمبدأ الائتلاف الواسع، فكلّ الشؤون التي تعني الجميع ينبغي للقرارات أن تُتخذ فيها من قِبل كلّ القطاعات معاً وبدرجات متساوية تقريباً من النفوذ، أمّا في باقي الشؤون فيمكن للقرارات ولتنفيذها أن يوكل لقطاعات مختلفة لها صلة بهذا الشأن.

إن تفويض سلطات صناعة الحكم وتنفيذه إلى القطاعات الفئوية، مقروناً بالتوزيع النسبي للأموال الحكومية على كلّ قطاع، يشكّل حافزاً قوياً لمختلف المنظمات القطاعية، فمن أوجه تعريف (المجتمع التعددي) أنّ المنظمات التمثيلية للمجتمع تتبع الانقسامات القطاعية، معنى هذا أنّ الاستقلال القطاعي الفئوي يزيد من الطبيعة التعددية لمجتمع تعددي أصلاً، فمن طبيعة (الديمقراطية التوافقية) - في بدايتها على الأقلّ - أن تجعل المجتمعات التعددية أكثر تعددية، وهي لا تستهدف إزالة الانقسامات القطاعية أو إضعافها، بل الاعتراف بها صراحة وتحويل قطاعاتها إلى عناصر بناءّة للديمقراطية المستقرة(7).

وهناك شكل خاص من أشكال الاستقلال الفئوي أو القطاعي، وهو (الفيدرالية)، وهي عملية سياسية للحكم من خلال سيادة مشتركة عامّة، مع حكم ذاتي للأقاليم من خلال حكومات محلية، فهي تقوم على طريقة خاصة في تقسيم الحكم وتنظيمه من خلال الحفاظ على الوحدة من جهة، والتنوع من جهة أخرى(8).



ثانياً: (الديمقراطية التوافقية) في جنوب إفريقيا:

يُعد مجتمع جنوب إفريقيا من المجتمعات المعقدة من حيث التركيبة، حيث ينقسم المجتمع إلى عدة خطوط تفصل بين المكوّنات الاجتماعية، فالتمايز على أُسس: العرق أو الإثنية أو الطبقات أو الدين؛ هي أهم خطوط الانفصال.

وفي السياق المجتمعي لجنوب إفريقيا هناك اختلاف في المفهوم بين العرق والإثنية، حيث تقسّم المجموعات العرقية إلى أربعة أصناف سكانية بحسب تصنيف نظام (الأبارتهيد Apartheid‏):

1 – (السود) ويُطلق عليهم الأفارقة: وهم السكان الأصليون والقبائل المنتمية تاريخياً إلى هذه المنطقة.

2 – الآسيويون: الذين ينحدرون من شعوب جنوب آسيا، وهم غالباً هنود وباكستانيون.

3 - البيض Whites ذوو الأصول الأوروبية: ويصنفون بحسب اللون على أنهم أوروبيون.

4 - الملونون Coloureds: وهم مختلطو النسب، نتجوا من تزاوج بعض الإفريقيين والأوروبيين الأوائل، وتزاوج بعض الآسيويين والأوروبيين.

كما أنّ هذا التمايز العرقي قد يحتوي على خطوط تمايز أخرى، كالاختلافات الثقافية واللغوية الموجودة عند كلّ فصيل، كما حاول السياسيون فيما بعد (الأبارتهيد) تغيير بعض من الواقع التركيبي للمجتمع، خصوصاً على مستوى الطبقات الاجتماعية(9).

فأهم تصنيف إثني يتكوّن من:

- الإنجليز English.

- والكسوزا Xhosa.

- والأفريكانية Africanns.

- والزولو Zulu.

وهي كلها مجموعات إثنية Ethnic متمايزة بعضها عن بعض(10).

مرّت جنوب إفريقيا بمراحل عديدة في أثناء عملية التحوّل، انطلاقاً من التفاوض، ثمّ تشكيل الدستور الانتقالي، والذي يُعد (وثيقة سلام) حسب العديد من السياسيين في جنوب إفريقيا، باعتباره ينهي فترة نزاع طويلة، ويؤسّس لمرحلة انتقالية بقواعد حكم متفق عليها قبل صياغة دستور نهائي من مخرجات دستور 1993م، هي مرحلة انتخابات 1994م البرلمانية، والتي أفرزت نتائجها فوز (حزب المؤتمر الإفريقي) بأغلبية الأصوات، ومن ثمّ تشكّلت (حكومة وحدة وطنية) تحت رئاسة الحزب، وهي إحدى نتائج التوافقات التي أسس لها في جنوب إفريقيا، أي الحكم التشاركي القائم على مشاركة جميع الكتل السياسية في إدارة الحكم عن طريق بناء تحالفات موسّعة.

وشكّلت هذه الانتخابات البرلمانية الجمعية التأسيسية، والتي بدورها قامت بصياغة الدستور النهائي عام 1996م، والذي أسس لنظام حكم بمؤسسات جديدة متفق عليها، قضائية وسياسية، يقوم على (تقاسم السلطة) عن طريق مشاركة كلّ الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات، تبعاً لنسبة المقاعد التي حصل عليها كلّ حزب، وهو ما يمثّل نظام (التمثيل النسبي) في النظام الانتخابي، بالإضافة إلى تقاسم السلطة بين المركز، وهي سلطة الحكومة المركزية المنبثقة عن الانتخابات البرلمانية، وبين (الحكومة المحلية) المنبثقة عن الانتخابات التشريعية المحلية، وتختص هذه الحكومة بتسيير الشأن المحلي، وتنفيذ سياسات محلية لا تتعارض مع التشريعات المركزية.

الحكم المحلي:

المجلس الوطني للمحافظات هو المجلس الذي يقوم بتمثيل المحافظات لضمان أن تؤخذ في الاعتبار المصالح الإقليمية في مجال الحكومة الوطنية، حيث يمثّل الأقاليم للتأكد من مراعاة مصالحها في الفرع الوطني للحكومة، ويفعل المجلس ذلك بشكل رئيس عن طريق المشاركة في العملية التشريعية، وتوفير منبر وطني لإجراء مناقشات عامّة حول الأمور التي تؤثر في الأقاليم(11)، فهو مؤسسة تربط بين جميع مجالات الحكومة، فالحكومة المحلية قد ترسل وفداً للمجلس الوطني للمحافظات NCOP، وتفعل كلّ ما من شأنه جلب المصالح الإقليمية وتنبيه الحكومة الوطنية.

يتألف هذا المجلس من وفد واحد يضم عشرة مندوبين من كلّ إقليم، بحيث يضمّ هؤلاء العشرة:

- أربعة مندوبين خصوصيين، وهم: رئيس وزراء الإقليم، وفي حالة عدم وجوده يحلّ مكانه أي عضو من الهيئة التشريعية يعينه رئيس وزراء الإقليم، بشكل عام أو لمسألة خاصة، وثلاثة مندوبين خصوصيين آخرون.

- وستة مندوبين دائمين.

عهدته خمس سنوات، صوت واحد لكلّ إقليم، وينظر المجلس في التعديلات وتعديلها واقتراحها(12).

يحاول هذا المجلس ضمان التعاون والشراكة في التسيير، بحيث يمنع المحافظات من التصرف في عزلة، وأن تكون في استعداد لتلبية حاجات سكان المحافظة ومصالحهم، وفي المقابل ضمان أن تراعي التشريعات والسياسة الوطنية احتياجات المحافظات.

وفي هذا الجانب؛ تحتل قضية عدم الفصل بين السلطات(13) وضعاً خاصاً لدى السياسيين في محافظات جنوب إفريقيا، باعتبار التمثيل المزدوج في الحكومة المحلية والمجلس الوطني للمحافظات، فمهندسو الدستور في جنوب إفريقيا أرادوا من خلال ذلك إشراك الجهاز التنفيذي للمحافظة في عملية التشريع التي تخصّ محافظاتهم من خلال اقتراح مشاريعهم وتجسيدها مباشرة، فمسؤولية المجلس NCOP هو رصد العلاقات بين الدوائر الحكومية، فضلاً عن دوره في عملية التشريع، وكذلك عملية التنسيق بين المحافظات، وبخاصة المتجاورة منها، فله دور لاستكمال - وليس تكرار - دور الجمعية الوطنية.

وقد وجّهت انتقادات عديدة لهذا المجلس، منها أنّ دوره هامشي وتنسيقي، وأن تقييمه منذ إنشائه لم يبلغ الجدوى والنتائج التي بلغتها الجمعية الوطنية، ويرى المؤيدون لوجود المجلس أنه يمثّل ثنائية السلطة التشريعية لتحقيق التوازن في التمثيل؛ باعتبار أنّ آلية التمثيل في هذا المجلس تختلف عن الجمعية الوطنية، وأنه أحد الآليات التي تربط الحكومة المحلية المعبّرة عن التسيير الذاتي مع السلطة المركزية.

النظام الانتخابي النسبي:

لقد عكف العديد من الباحثين في علم السياسة على محاولة تصميم مؤسسات خاصة بالمجتمعات متعددة الإثنيات، من خلال التركيز في العديد من المتغيرات، أهمها النظم الانتخابية التي تضمن مخرجات تعمل على احتواء التعدد والصراع الناتج عنه، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الانتقال الديمقراطي لم يتحقق في كثير من البلدان الإفريقية بسبب أنّ الانتخابات قد حدثت في إطار غير مناسب.

ويرتكز جزء كبير من أدبيات رسم مؤسسات خاصة بالمجتمعات متعددة الإثنيات على الهندسة الانتخابية، كعامل لتحقيق التمثيل من جهة، والاستقرار من جهة أخرى، وتؤدي الأسئلة المتعلقة بالتنوع دوراً بارزاً في مدى تحقيق هذه الأهداف.

إنّ الانتخابات الديمقراطية هي ترجمة لسياسات تعددية حزبية، وطريقة أسرع للتعبئة الجماهيرية، وكانت محوراً للمصالح المعبّر عنها في صيغ الهويات الإثنية، وهنا تبرز قدرة النظام الانتخابي على احتواء الصراعات الإثنية أو اللغوية وتبديدها، فبناء نظام انتخابي ملائم لواقع الانقسامات الموجودة في المجتمع سوف يكون عاملاً حاسماً في بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على البقاء.

ومن وجهة نظر النظرية الديمقراطية؛ فإنّ للنظام الانتخابي مبدأين يسعى لتحقيقهما، هما: (التمثيل الفعّال، والاستقرار الذي يُعد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات الانتقالية)، فلا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر، فالتمثيل لا يكون فعّالاً ومتوازناً بين كلّ المكونات الاجتماعية إن لم تكن هناك مؤسسات راسخة بالقدر الذي يمكّنها من احتواء الانقسامات والانشقاقات، ولا يمكن تحقيق الاستقرار إلا إذا أحسّت معظم الفئات الاجتماعية بتمثيل عادل لمصالحها، وهذه العلاقة الارتباطية لها تأثير كبير في مشروعية النظام الانتخابي(14)، وفي الذين تمّ انتخابهم وفق هذا النظام.

وفي هذا الإطار تبرز إشكالية تحقيق الهدفين في العملية نفسها، وهو التمثيل المناسب والاستقرار الكافي، فالأنظمة التوافقية، والتي تعتبر النظام الانتخابي مبنياً على أساس التمثيل النسبي على كلّ المستويات المؤسساتية، تتناسب كثيراً مع حقّ التمثيل ما دام أنها تترك للناخب حرية الاختيار.

لكن (جيوفاني سارتورني) Giovani Sartori يرى أنّ نظام التمثيل - من الناحية العملية - يؤدي إلى الجمود التشريعي في الأنظمة الرئاسية، كما أنّ الحكومات الائتلافية تبقى غير مستقرة في الأنظمة البرلمانية(15)، لكن يبقى هذا النظام الانتخابي أهم المرتكزات الأساسية في (الديمقراطية التوافقية)، رئاسية كانت أو برلمانية.

وهناك مَن ينتقد هذا النظام لكونه يكرّس الانقسام ويعززه؛ لأنّ الناخبين حتى إن لم يصوّتوا على أساس إثني لا يشكّلون عراقيل أمام المرشحين الذين يعتمدون في حملاتهم الانتخابية على الورقة الإثنية، وتشكيل ائتلاف لأحزاب كبيرة لا يترك أي هامش للأحزاب الصغيرة التي تمثّل الأقليات في ممارسة نشاطها بكلّ فعالية.

إنّ هذا النظام أكثر الأنظمة في توليد التأييد للنظام السياسي ضمن الأقليات الإثنية، حيث إنّ النظام النسبي - بخلاف الأنظمة الانتخابية - يفرز مخرجات تناسبية جداً، ويسهّل دخول الأحزاب الصغيرة للبرلمان، ويضمن انتخاب أحزاب الأقليات الإثنية(16).

نظام تقاسم السلطة:

تُعد مسألة تقاسم السلطةPower Sharing مظهراً آخر في التحوّل الديمقراطي لجنوب إفريقيا، حيث أثارت مسألة اقتسام السلطة العديد من الأسئلة الخاصة بفاعلية السلطة المقسمة والديمقراطية المطبقة، فالمؤيدون الذين يناصرون هذه الفكرة وضعوا استراتيجية لتوظيف هذا العنصر في الديمقراطية المستقبلية لجنوب إفريقيا، فالمفاوضات التي خاضتها الجمعية التأسيسية حول موضوع التقاسم تمّت بالرجوع إلى ثلاث نقاط، وهي: (التسوية، وتبنّي حلول وسط في تقاسم السلطة، والتوافق والتحكم في كيفية التقاسم)، فالسلطة التي تتصف بالوحدة يمكن اقتسامها أفقياً، والتي يتم التفاوض حولها، سواء في أثناء المفاوضات أو تلك المنصوص عليها في أحكام الدستور الانتقالي، كما أنّ فكرة التقاسم في الجمعية التأسيسية عرفت تطوراً ونقاشاً سياسياً داخل (حكومة الوحدة الوطنية).

ففكرة التقاسم يجب أن تكون ديناميكية عامّة تشمل التعامل بين القوى داخل الحكومة نفسها بين أصحاب الأغلبية والأقلية من جهة، وبين الحكومات المحلية من جهة أخرى، فهي عملية نظامية تحتاج إلى شروط؛ من بينها: الاستقرار، والتوافق في الأهداف على جميع المستويات الحكومية، المحلية منها والوطنية(17).

تمّ تأكيد تجسيد الفكرة حرصاً من الحكومة الجديدة على استبعاد فكرة الإقصاء المتداولة في الحكومات السابقة، وإصلاح الأوضاع المترتبة على سياسة الفصل العنصري عبر مجموعة من الاستراتيجيات، وهي:

- تحسين ظروف الحياة السياسية للسود.

- التقليل من تدخّل الدولة في الاقتصاد

- تداول السلطة في جميع المستويات، وبخاصة المحلية، لتوسيع المشاركة.

- هيكلة الصراع السياسي داخل المؤسسات السياسية، ودفعه باتجاه التنافس السياسي الديمقراطي السلمي.

تجسدت فكرة تقاسم السلطة بشكل أعمق في الدستور الانتقالي على مستوى السلطة التنفيذية، فظهرت تحت مفهوم (حكومة الوحدة الوطنية) Gouvernement d’ Unité Natinal (GNU) في الباب السادس لتنظيم السلطة التنفيذية الوطنية، فبعض خصائص تقاسم السلطة (التسوية – التوافق) يمكن تمييزها دون الحكم المسبق على عمل الوزارة، فالنصّ الكامل، ونتيجة التسوية، ينصّ على أنّ تقاسم السلطة التنفيذية من القضايا الأساسية في التحوّل نحو الديمقراطية(18).

وعلى مستوى الرئاسة؛ رئيس جنوب إفريقيا هو رئيس الحكومة ورئيس الدولة، ويُنتخب من طرف الجمعية الوطنية بالأغلبية المطلقة لأعضاء الجمعية في أول جلسة تعقدها، بمساعدة نائبَيْن، يتمثّل دورهما في القيام بمراقبة أعمال الرئيس (Executive Deputy President)، يُعيّن هذان النائبان من الحزبين اللذين حصلا على أكثر من ثمانين مقعداً في الجمعية الوطنية (20% من عدد مقاعد الجمعية الوطنية)، وهذا يُعد اقتساماً للسلطة على مستوى الرئاسة؛ لأنّ المشرّع اشترط أن يكون النائبَان من الحزبَيْن المواليين للحزب الفائز والحائزَيْن على أكثر من 80 مقعداً في الجمعية.

وعلى مستوى الحكومة؛ نجد أنّ أهمّ الخصائص المكوّنة لاقتسام السلطة، وهي (التسوية – المراقبة – التوافق)، تتجسد من خلال توزيع الحقائب الوزارية، ففي حالة وجود خلافات بين الرئيس المنتمي لـ (ANC) صاحب الأغلبية وبين أحد الوزراء المنتمي إلى حزب آخر، أو رئيس لحزب أقلية، وجب على الرئيس دراسة الثقل السياسي وأثر أي إجراء قبل اتخاذه، مثل استبعاد هذا الوزير، فاقتسام السلطة تبعاً لدستور 1993م يجسّد مبدأ التسوية والمراقبة في اتخاذ القرارات، والتوافق كمبدأ عام في كلّ الحالات بين الرئيس وكلّ الموظفين، والبحث عن التوافق يجب أن يكون ضرورة عند الأغلبية المؤهلة، وذلك لتجنّب شلل العمل التنفيذي، فالدستور لم يطلب من الأغلبية التي فازت أن تتخلى عن حقّها كقوة أولى، وإنما العمل كأغلبية مؤهلة وفعّالة للعمل التشاركي مع الأحزاب المشاركة في الحكم، والتي تعمل بمبدأي التسوية والتوافق بوصفهما إطاراً للعمل الحكومي(19).

ثالثاً: مشكلات (الديمقراطية التوافقية):

يرى التوافقيون أنّ (الديمقراطية التوافقية) تُعد أحد النماذج المقترحة لمعالجة مسألة المشاركة في المجتمعات التعددية أو المتعددة، فهي - خلافاً للديمقراطية التمثيلية القائمة على حكم الأكثرية - لا تستند إلى عناصر التنافس في البرامج والاستراتيجيات، والاحتكام إلى منطق الأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة، والاعتماد المتواتر على أسلوب الاقتراع أو الانتخاب، بل تعتمد أساساً على مواصفات بناء التحالفات الكبيرة التي تضمن للمكوّنات الأساسية فرص التمثيل والمشاركة في صنع القرار من أعلى هرمه إلى أسفله؛ من دون الخضوع لسلطة الأغلبية، إذ تحتفظ الأقلية بحقّ النقض أو الاعتراض، ما يجعل قدرتها على مواجهة الأغلبية وتجنّب هيمنتها متاحة وممكنة على صعيد الممارسة، وهو ما لا تتيحه (الديمقراطية التمثيلية) على الرغم من اعترافها بشرعية المعارضة، وضمان حقوقها الدستورية في النشاط والعمل من أجل التحول إلى أغلبية بدورها.

ويُعد بناء التحالفات الكبرى من المبادئ المهمة في (الديمقراطية التوافقية)، حيث كان هذا المبدأ مطبقاً في بداية التحوّل عبر تشكيل (حكومة الوحدة الوطنية)، فهو أكبر ائتلاف حكومي تشكّل في جنوب إفريقيا لممارسة الحكم، فهذا التحالف كان المسؤول عن تسيير الفترة الانتقالية عبر تسيير تشاركي واسع من خلال مشاركة كلّ الأحزاب والكتل السياسية.

لكن بعد صياغة الدستور النهائي وبدء العمل به، ونتيجة لحصول (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي) على أغلبية الأصوات، والفوز بمعظم الحقائب الوزارية لعدم حصول معظم الأحزاب الصغيرة على 20% التي تؤهلهم للحصول على حقائب وزارية، تعرّض الحزب للنقد من طرف الأحزاب الأخرى التي اتهمته بالتفرد بالحكم، برغم انتهاجهم لقواعد التمثيل النسبي في الجمعية العامة والجهاز التنفيذي، في حين يرى الحزب الحاكم أنها نتائج ديمقراطية، حيث تمّت وفق قواعد متفق عليها ومنصوص عليها دستورياً، باعتبار أنّ نتائج الانتخابات أفرزت هذه التشكيلة النيابية والحكومية، لأنه يملك أغلبية الأصوات باعتباره ممثلاً لأغلبية السكان وهم السود.

تُعد الآليات المشكّلة من حكومة موسّعة معبّر عنها بحكومة الوحدة الوطنية، والتحالفات الموسّعة التي تضمن التشاركية في صنع القرار، والحكم المحلي، أهم الخصائص المعبّرة عن الحكم التوافقي، لكن على مستوى تطبيق هذه الآليات في جنوب إفريقيا ظهرت الكثير من الاختلالات، فحكومة الوحدة الوطنية - مثلاً - بقيت الوجه الوحيد للائتلاف الموسّع على الرغم من أنّ معظم الأحزاب شاركت فيه، فحزب المؤتمر له أغلبية تجعله يطبق برامجه دون اللجوء إلى بقية أعضاء الحكومة من غير (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي)، ولم يستطع أي حزب منافس تقاسم الوعاء الانتخابي المشكّل من السود، والذي يسيطر عليه (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي).

نظام (التمثيل النسبي) أحد المبادئ المهمة في إدارة هذا النوع من الديمقراطية، وقد اتخذته دولة جنوب إفريقيا لتناسبه مع التركيبة الاجتماعية للسكان، ولأنه يؤمّن التمثيل لمعظم الإثنيات حتى الأقليات الصغيرة.

وكانت المعارضة تسعى لتبنّيه في الدستور لضمان مشاركتها في الحكم، وكان (حزب المؤتمر الوطني) يريد من خلاله إعطاء شرعية للنظام السياسي الجديد داخلياً، وإسكات المعارضة داخلياً وخارجياً لكسب التأييد، باعتبار أنه يضمن المرتبة الأولى في النتائج الانتخابية لظروف التعبئة الانتخابية للأفراد المبنية على العامل الإثني، وهو يعتبر نفسه الممثل الوحيد للإثنية السوداء بناءً على شرعية تاريخية اكتسبها بعمله المدافع عن السود لاسترجاع حقوقهم ضد التفرقة العنصرية.

أحد المبادئ الأساسية في (الديمقراطية التوافقية) التي تمّ إدراجها في الهندسة الدستورية هي (الحكومة المحلية)، حيث كانت المعارضة تضغط بشدة على تطبيق هذا المبدأ لضمان ممارسة الأنشطة السياسية والاقتصادية والثقافية دون الرجوع إلى المركز الذي قد يستأثر به (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي)، وهو ما ترفضه المعارضة، وبخاصة حزبا (إنكاثا الحرة) و (الحزب الوطني).

وتُعد (الحكومة المحلية) الضامن لممارسة الحكم تبعاً لخصوصية كلّ إقليم، والذي يحتوي على إثنيات معينة، وهو بذلك يضمن الاستقلالية النسبية في التسيير الإداري والأنشطة الاقتصادية والحرية الثقافية، على ألا تتقاطع مع سياسات الحكومة المركزية وبرامجها، لكن بعد مدة من الحكم بهذه الآلية انتقدت؛ على اعتبار أن مبدأ (الحكومة المحلية) يجب أن تصاحبه قوة اقتصادية محلية تضمن له الموارد المالية لتطبيق برامجه وتسير شؤونه المحلية لتحقيق الاستقلالية التي استُحدثت من أجلها هذه الآلية، وهو ما لم يتوفر منذ تطبيقه بعد دستور 1996م، حيث إنّ بعض المقاطعات أصبحت تابعة كلياً للاعتمادات التي ترصدها حكومة المركز، مما جعل الاستقلالية أمراً صعب التطبيق في التسيير، وجعلها تابعة مباشرة للمركز، وهو ما يثير التساؤل حول جدوى وجود حكومة محلية قائمة بذاتها قانونياً، فالمبادئ العامة للديمقراطية التوافقية منصوص عليها دستورياً، كنظام التمثيل النسبي والحكومات المحلية، لكن يبقى تطبيقها معرّض للنقد بحجة أنّ الجدوى التي استُحدثت من أجلها هذا المبادئ لم تحقّق النتائج المراد الوصول إليها، وهي التشاركية في الحكم بين المركز والحكومات المحلية، والمشاركة في صنع القرار بقدر التمثيل الذي تشكّله كلّ إثنية.

خلاصة:

إنّ اتخاذ (حكومة الوحدة الوطنية) لمبادئ (الحكم التوافقي)، بعد عملية التحول الديمقراطية واتفاق جميع الإثنيات المكوّنة للمجتمع على ذلك ضمن دستور 1996م، لم يجعلها تحظى بمستويات عالية في الممارسة الديمقراطية، ولم يجعلها في منأى عن النقد، يرجع ذلك إلى أنّ اتخاذ الإطار القانوني والدستوري للمبادئ التوافقية لم يكتمل في شقّه الخاص بالممارسة والتطبيق، فقد شهدت العملية السياسية العديد من الانحرافات والإخفاق، حيث أُفرغت المبادئ التوافقية المؤطّرة دستورياً من محتواها، فغلق (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي) للممارسة السياسية عبر احتكاره للحكم وإقصاء المنافسين من داخل حزبه ومن خارجه، وإدارته للعملية السياسية بعقلية حكم الأغلبية وتحت قواعد التوافقية، جعل مبدأ (الائتلاف الموسّع) مجرداً وغير واقعيٍّ في إدارة الحكم، بالإضافة إلى مبدأ التمثيل النسبي الذي أصبح تمثيلاً دون مشاركة فعلية في الإدراة، حيث احتكر النصاب القانوني في تمرير المشاريع والقوانين، وهو ما جعل من الأحزاب الأخرى في البرلمان والحكومة مجرد تابع لا يمكنه الوقوف بندّية ضد ممارسات (حزب المؤتمر الوطني الإفريقي).

واتخاذ (الحكم المحلي) دون تطوير الأنشطة الاقتصادية والتنمية المحلية جعل منه مبدأً غير قابل للفعالية، باعتبار أنّ الاستقلالية الاقتصادية والمالية شرط أساسي للحكم المحلي المستقلّ والفعّال.

عملت تجربة الحكم في جنوب إفريقيا بمبادئ (الديمقراطية التوافقية) على وضع أطر مؤسسية وقانونية تحتوي جميع الأطياف المكوّنة للمجتمع، لكن على مستوى الممارسة السياسية وتطبيق هذه المبادئ ظهرت الكثير من الانحرافات، بدليل النقد الموجّه إليها من طرف الأحزاب المعارضة، حتى من داخل الحزب ذي الأغلبية، وهو ما يجعل الاستفادة من هذه التجربة في إفريقيا يحمل شقّين بالنسبة إلى الدول الإفريقية التي توجد بها التركيبة الاجتماعية المشابهة للمجتمع الجنوب إفريقي، والقائمة على التعدد والتنوع والاختلاف، مثل دولتي بورندي ورواندا، فالإطار المؤسساتي القانوني بُني على إجماعٍ من طرف جميع المكونات الاجتماعية، وهو ما يجعل منها تجربة يُعتد بها ضمن مراحل الهندسة الدستورية لما بعد التحول، لكن - على مستوى الممارسة - لا بد من إيجاد وسائل قانونية وآليات تدعم الممارسة الفعّالة لهذه القواعد؛ لتجنّب الإخفاقات التي أعاقت الممارسة الديمقراطية في دولة جنوب إفريقيا.

05/09/2017

الفيدرالية في النظام السياسي الصومالي مبرراتها وملامحها:
أولاً- مفهوم الفيدرالية
هناك آراء مختلفة حول أصل الفيدرالية ومعناها، ويعتقد أن أصل الكلمة لاتيني، وهي مشتقة من كلمة (Foedus) وتعني المعاهدة أو الاتفاق. ويرى البعض الآخر بأنها مشتقة من كلمة ( Fides or Trust) التي هي نوع من الاتفاق المبني على الثقة المتبادلة بين الأطراف، بينما يراها آخرون أن أصل الكلمة (Foedus ) يوناني ومعناها عصبة أو اتفاق بين طرفين أو أكثر أو ميثاق(1).
والفيدرالية نظام سياسي يقوم على بناء علاقات تكامل محل علاقات تبعية بين عدة دول يربطها اتحاد مركزي، على أن يكون هذا الاتحاد مبنيا على أساس الاعتراف بوجود حكومة مركزية لكل الدول الاتحادية، وحكومة ذاتية للولايات أو المقاطعات التي تنقسم إليها الدولة، ويكون توزيع السلطات بين الحكومات الإقليمية والحكومة المركزية(2).
والدولة الفيدرالية تقوم أصلاً للتوفيق بين تيارين متضادين، أولها هو التيار الاتحادي الناشئ من عوامل تدعو إلى الوحدة ، وأما الثاني فهو التيار الانفصالي الناشئ من عوامل تستمد من رغبة الشعوب والجماعات في التمتع بأكبر قسط من الاستقلال(3).
وأهم الملامح العامة للأنظمة الفيدرالية هي : أن هناك نظامان حكوميتان على الأقل لكل منهما استقلاليته الذاتية، يديران شئون المواطنين مباشرة، وتوزيع دستوري للسلطتين التشريعية والتنفيذية، وتقسيم موارد الدخل بين نظم الحكومة، ودستور أعلى لا يمكن تعديله من جانب واحد، وحكم مرجح أومرجع، وغالبا ما يكون محكمة اتحادية أو فيدرالية(4).
وقد ازدادت عدد الدول الفيدرالية في العالم حتى أصبحت 28 دولة فيدرالية، وتضم 40 % من سكان العالم(5) وهي دول متعددة القوميات تحتاج الجماعات القومية فيها إلى المزيد من الاعتراف بها والمزيد من الحكم الذاتي لها(6)، ومن أكبر الدول الفيدرالية في العالم: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والبرازيل وألمانيا والهند ، وتصنف ثلاث دول أفريقية على أنها أنظمة فيدرالية واضحة وهي: نيجيرها وجنوب أفريقيا وإثيوبيا(7)، كما أن هناك دول أخرى ما زالت في طور التحول نحو النظام الفيدرالي.
ثانيا- تطور نظام الحكم في الصومال
عاش الشعب الصومالي تاريخياً قبائل رعوية في دويلات منفصلة، كل قبيلة أودويلة مستقلة بمجالها الجغرافي ومراعيها وأبار المياه الخاصة بها، ولم يعرف الصومال حكما مركزيا تنضوي جميع القبائل تحت لوائه. وكانت السلطات الاستعمارية المختلفة أول سلطة مركزية تخضع الصوماليين لحكم مركزى، على الرغم من محدودية التأثيرات الإجتماعية التى خلفتها تلك السلطات، نظراً لطبيعة الصوماليين الرعوية القائمة على الإنتقال والترحال الدائم مع الماشية بحثاً عن الكلأ والمراعى والمياه.
بدأت ملامح الدولة الصومالية تظهر بفرض الوصاية الإيطالية على محمية الصومال الإيطالي في الجنوب لمدة عشر سنوات (1950-1960) تمهيداً للاستقلال، حيث تم تقسيم المحمية إدارياً الى ست محافظات، كما انتخب إدارة صومالية تعمل تحت إشراف سلطات الوصاية.
وكان ميلاد الدولة الصومالية الحديثة باستقلال محمية الصومال البريطاني في الشمال فى السادس والعشرين من يونيو، واتحادهما في نفس اليوم، واستقلال الصومال الإيطالي في الجنوب بعده بخمسة أيام فى الأول من يوليو 1960، واتحادهما معاً في نفس اليوم. وجاءت وحدة الإقليمين بعد مفاوضات جرت بين ممثلين للمحميتين أعلن على أثرها عن وحدة مركزية اندماجية عاصمتها مقديشو، ونظام سياسي قائم على التعددية ، وقسمت الجمهورية إلى ثماني محافظات (ست في الجنوب واثنان فى الشمال).
ومن الملاحظ أن الطرفين لم يدخلا مفاوضات مستفيضة ومفصلة حول الوحدة والدولة الوليدة، وربما يعود ذلك إلى أنه لم يكن شكل الدولة الوليدة والمشكلات التى يمكن أن تواجهها واضحة في أذهان القيادات الصومالية التى كانت في تلك الفترة تسعى أن تكون الدولة الجديدة نواة لدولة الصومال الكبير ، كما كان حلم الصوماليين جميعاً فى تلك الفترة.
لم يستمر عرس الوحدة وتأسيس الجمهورية طويلاً حتى برزت إلى السطح خلال السنوات الأولى التالية للوحدة – عدة مشكلات، من بينها فقدان هرجيسا – عاصمة الإقليم الشمالى – ثقلها السياسى والإدارى، وضعف الاتصال بين مركز الدولة والأطراف بسب غياب البنية التحتية للبلاد، والتباين بين سقف التوقعات لدى المواطنين قبل الاستقلال وحقائق الواقع تحت كنف الدولة، والصعوبات الناجمة عن تباين نمط الاستعمارين (البريطاني والايطالى) فى الاقليمين المتحدين، مما أدى الى تذمر بعض الشماليين من الوحدة منذ وقت مبكر من عمر الدولة الصومالية. ورغم ذلك لم ينفجر الوضع السياسي، حيث ساهمت أجواء الحرية والتعددية والتداول السلمى للسلطة والأمل في التغيير من خلال الانتخابات -التى كانت تجرى في المستويات المختلفة للدولة فى تلك المرحلة (1960- 1969) – وتعامل الدولة المرن مع المواطنين من خلال آليات الحوار والمشاركة – فى تخفيف حدة التوتر وخيبة الأمل التى أحسها المواطنون تجاه دولتهم الوليدة .
دخل الصومال مرحلة سياسة حسَّاسة بعد تولى الجيش الصومالي مقاليد الحكم في البلاد في اكتوبر1969م، وقام العسكر على الفور بالغاء الدستور والمؤسسات المنتخبة، واعتقلوا القادة السياسيين، واغلقوا الصحافة، وقاموا بتأميم الشركات والممتلكات الخاصة، وقسمت البلاد من الناحية الإدارية إلى ثمانية عشر محافظة. وأضافت تلك الخطوة التى اتخذها العسكر طبيعة المركزية الإدارية للدولة الصومالية بقبضة عسكرية شديدة، لم يألف بها الشعب الصومالى فى مرحلتي ماقبل الدولة وبعد الاستقلال.
ونتيجة للظلم والاستبداد الذى مارسه النظام العسكري، والتى تصطدم مع طبيعة الشعب الصومالى الميَّالة نحو الحرية والاستقلالية، إضافة إلى التأثيرات السياسية والاقتصادية للحرب الصومالية الإثيوبية فى عامى 77/1978 على البلاد، ونشأة الجبهات المسلحة المدعومة من إثيوبيا ضد الحكومة المركزية(8) ، ورد فعل النظام العسكرى القاسى تجاه الجبهات والقبائل المتعاطفة معها – أدت كل هذه العوامل إلى تقلص سلطة الدولة المركزية تدريجيًا من الأطراف وانحصارها فى العاصمة والمناطق المحيطة بها، ونجحت الجبهات فى نهاية المطاف فى إسقاط النظام الحاكم فى يناير 199م.
وكان الاقتتال الداخلى الذى نشب بين الجبهات المتصارعة على حكم البلاد بعد عام 1991م إيذاناً بانهيار الدولة الصومالية بعد ثلاثة عقود من عمرها ، وفتح المجال واسعاً أمام دوَّامة العنف الداخلى والمزيد من التدخلات الخارجية الاقليمية والدولية ، مما جعل الشعب الصومالى الذى كان نموذجاً فريداً فى القارة الأفريقية من حيث التجانس والوحدة هو نفسه مرة أخرى نموذجاً للفرقة والشقاق والاقتتال.
وكان قرار الإقليم الشمالى- أحد ركني الاتحاد الذى تشكلت منه الدولة الصومالية – انفصاله فى مايو 1991م وإعلانه جمهورية أرض الصومال من جانب واحد حدثاً فارقاً في تاريخ الدولة الصومالية، وما عدا بعض السياسيين الذين يشاركون فى العمل السياسى الوحدي، فان إدارة أرض الصومال لم تشارك فى المؤتمرات الصومالية للمصالحة منذ انهيار الدولة الصومالية حتى الآن، حيث أصبحت الخريطة السياسية الصومالية تضم كيانين سياسيين منفصلين على أرض الواقع ، شمال معلن للانفصال ومستقر وجنوب تسوده الفوضى والاقتتال.
انحصر المشهد السياسى الصومالى فى فترة التسعينات من القرن الماضى فقط فى التحركات السياسية والدبلوماسية التى تقوم بها دول الجوار بين الحين والأخرى لكسر الجمود في مسار المصالحة الوطنية، وكانت تلك المؤتمرات تنتهى بعقد مؤتمر فى إحدى عواصم دول الجوار، وكانت فى العادة تنتهى بخلافات بين قادة الفصائل فى المراحل الأولية للحوار حول القضايا الإطارية للمفاوضات، وتفشل قبل أن تصل إلى مرحلة التطرق إلى القضايا الجوهرية مثل صياغة ميثاق انتقالى أو الاتفاق على شكل النظام السياسي الملائم للصومال(9).
ومثل تأسيس إقليم بونت لاند (منطقة حكم ذاتى ) فى أغسطس 1998م بداية مرحلة جديدة رسمت مساراً مختلفاً لبناء السلام من القاعدة بدلاً من القمة. وجاء إعلان تشكيل إدارة بونت لاند على خلفية فشل مؤتمر القاهرة 1998م، وكان انسحاب عبدالله يوسف رئيس جبهة الخلاص الوطني أنذاك (التى كانت تسيطر على إقليم الشمالى الشرقى) من المؤتمر بعد اتهامه الحكومة المصرية بانحيازها لمنافسه حسين عيديد وخيبة أمله من قادة فصائل مقديشو، والغموض الذى اكتنف عموما مستقبل المصالحة وإعادة الدولة الصومالية – مبررات كافية لتفكير يوسف والأعيان من عشيرته فى تأسيس منطقة حكم ذاتى تقدم الخدمات الضرورية للمواطنين في غياب الدولة المركزية التى طال انتظارها.
وإذا كان تأسيس إقليم بونت لاند قد مثَّل بداية مرحلة جديدة لجهود بناء السلام والدولة من القاعدة فإن مؤتمر عرتا في جيبوتي عام 2000م مثَّل مساراً مختلفاً للمصالحة الصومالية وبناء الدولة المركزية، فقد أعلن رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلَّى المؤتمر على منهجية مختلفة، قائمة على دعوة زعماء العشائر والأعيان وقادة المجتمع المدني والسياسيين والمثقفين، باعتبارهم الممثلين الحقيقيين للشعب الصومالي بدلاً من قادة الفصائل المسلحة الذين فشلوا في التوصل إلى اتفاق فيما بينهم خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، ونجح المؤتمر لأول مرة منذ عام 1991م في التوصل إلى اتفاقية لتقاسم السلطة على أساس عشائري، عبر ميثاق انتقالي، على أساسه تم تعيين أعضاء البرلمان، الذي انتخب بدوره رئيس الجمهورية عبد القاسم صلاد حسن في اغسطس 2000م.
اعتمد ميثاق عرتا في جيبوتي التقسيم الإداري للصومال المكون من ثمانية عشر محافظة إدارية للدولة، وهو التقسيم الذي أنشأه نظام سياد برى ( 1969-1991م) ، ولم يتضمن نظام الفيدرالية، رغم اتفاق الجميع في حينها على ضرورة توسيع السلطات الممنوحة للمحافظات والأقاليم الإدارية. وقاطع كل من إدارة بونت لاند وقادة الفصائل في مقديشو المؤتمر، كما لم يعترفوا بمخرجاته على الإطلاق.
قاد فشل حكومة عبد القاسم صلاد إثر معارضة قادة فصائل مقديشو وبعض دول الجوار لها – إلى مؤتمر جديد في امبجاتي 2001م، الذي أفرز حكومة عبد الله يوسف، ونص الميثاق الانتقالي -الذي صادقه المؤتمر – الفيدرالية نظاما للحكم في الصومال، بينما تُرِك التفاصيل للمراحل اللاحقة .
ومنذ ذلك الوقت أصبحت الفيدرالية نصاً دستوريا وواقعاً على الأرض، ولم تعد بونت لاند الكيان الإقليمي الوحيد في البلاد، بل باتت هناك كيانات أخرى. وتجري جهود الحكومة الفيدرالية حاليا بالتعاون مع المكتب السياسي للأمم المتحدة في الصومال للانتهاء من استكمال إنشاء الحكومات الإقليمية في جميع ربوع الصومال قبل انتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في أغسطس 2016م.
وقد تجاوز الواقع الصومالي حاليا الحديث عن مدى صلاحية الفيدرالية من عدمها، وإنما يجري الحديث حول ملامح الفيدرالية الصومالية، ومعايير تنفيذها على أرض الواقع، وعدد الأقاليم الي تتشكل منها الفيدرالية الصومالية، وهذا ما سوف تنناوله بقية محاور الورقة.
ثالثا- مبررات الفيدرالية في الصومال
ينقسم الصوماليون حيال رؤيتهم للفيدرالية -نظاماً للجمهورية الصومالية – حول معارض متخوف منها ومؤيد مستميت في الدفاع عنها، وبين هذا وذاك مؤيد أو معارض متحفظ على بعض معطيات الفيدرالية، وبغض النظر عن رأي النخب السياسية والأكاديمية الصومالية المؤيدة أو المعارضة لها لأسباب منطقية، فإن الغالبية من الشعب من المؤيدين والمعارضين لها على السواء ينطلقون من مواقف قائمة على الشك والتخوف من الطرف الآخر، واستدعاء تجارب الماضي المرير مع الدولة المركزية، والتوجس من تكرار سيناريوهات الحرب الأهلية.
وإذا انطلقنا من قاعدة (4.5) لتقاسم السلطة في الصومال(10) المقررة بالمواثيق الانتقالية لتحديد المؤيدين والمعارضين للفيدرالية، فإن ثلاثة من القبائل الأربعة الكبار (الدارود ودجل ومرفلى وغالبية قبائل الدر) على الأقل تؤيد الفيدرالية، وشرعت بعض القبائل منذ وقت مبكر في بناء مؤسسات الحكم الذاتي في المناطق التي تسكنها، وتعيش منذ فترة الفيدرالية واقعاً يصعب تغييره أو التراجع عنه. وتكثر معارضة الفيدرالية في أوساط قبيلة الهوية. أما القبائل الصغيرة فليس لديها موقف واضح من الفيدرالية، ولديها شكوك ومخاوف من عدم حصولها على حقوقها في المستويات المختلفة للحكم.
وتقوم مبررات الفيدرالية لدى العشائر المؤيدة لها من تخوفها من الدولة المركزية في مقديشو وخطورة سيطرة عشيرة أو مجموعة معينة مقاليد الحكم ومفاصل الدولة، وما يمكن أن يحدثه ذلك من أضرار بالغة على العشائر الأخرى تماما مثلما جرى في عهد الرئيس سياد برى، كما أنها تتخوف من أن يؤدي النظام المركزي إلى تركيز العاصمة واستئثارها لمعظم مخصصات التنمية، وتهميش المحافظات والأطراف.
أما عشائر الهوية فبحكم كونها تسكن في قلب الدولة الصومالية متمثلاً في العاصمة والمناطق المحيطة بها ومحافظات الوسط، فإنها تتخوف من فقدان العاصمة مركز الدولة أهميته في حالة تنفيذ الفيدرالية ومنح بعض سلطات المركز للحكومات الإقليمية. وتكمن مشكلة قبائل الهوية في أنها علقت آمالها – منذ انهيار الدولة الصومالية – في الحكومة المركزية، ولم تبذل الجهود الكافية لاستعادة الأمن والاستقرار وتنمية المناطق التي تسكنها، وإقامة حكم محلي لها، وساهمت الحروب والصراعات الشديدة التي شهدتها مناطق الهوية – أكثر من غيرها – في تخلف تلك المناطق وتأخر عملية بناء المجتمعات المحلية فيها.
وبغض النظر عن الانطباع الإيجابي أو السلبي لدى الشارع الصومالي تجاه الفيدرالية، والنسب الرافضة أو المؤيدة لها، فإن مبررات الفيدرالية الصومالية، استنادا إلى الحقائق على الأرض، والخبرة الموروثة من ثلاث عقود من الحكم المركزي، وعقدين من الحرب الأهلية، وخبرة البلدان الفيدرالية – قائمة على خمس حقائق رئيسية، هي: الانقسام الحالي للبلاد، والتعددية القبلية، وواقع الفيدرالية، والتنمية المحلية، وغياب البديل.
(أ) الانقسام الحالي للبلاد: إذا نظرنا إلى الخريطة السياسية للصومال نجد أنه غير موحد سياسيا، فهناك عدة كيانات سياسية، بعضها غير معترفة بالحكومة الفيدرالية كما هو الحال في إقليم (أرض الصومال)، وبعضها الآخر يتصرف قادتها كما لو أن هذه الأقاليم دول مستقلة ذات سيادة كما يحدث في بونت لاند، إضافة إلى المناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية. وإذا كانت هذه الحواجز السياسية على الأرض فإن الحواجز النفيسة والاجتماعية التي خلفتها الحرب الأهلية مازالت موجودة في أذهان الكثير من أفراد الشعب الصومالي وقياداته.
وعلى هذا الأساس فإن النظام الفيدرالي الذي يوفر مستويين من الحكم ربما يكون ملائما لمعالجة الانقسام وإعادة توحيد البلاد، وتمثل الفيدرالية تدابير وقائية لمنع تفكك البلاد، وإقناع الشعب الصومالي في إقليم أرض الصومال – المعلن للانفصال – باستقلال حكم منطقتهم وإدارة شؤونهم الخاصة، مع الاستفادة من مزايا الحكم الفيدرالي والمشاركة الفعَّالة في المؤسسات الفيدرالية، والحيلولة دون أن تصل الأمور في مناطق أخرى إلى مرحلة اليأس، ومن ثمَّ الاقتناع بالانفصال عن جسم الدولة الصومالية نهائيا.
(ب) واقع الفيدرالية: لقد تجاوز الواقع الذي يعيشه الصومال حاليا مرحلة الحديث عن مدى ملائمة الفيدرالية للصومال من عدمها، فهناك حكومات إقليمية في معظم المناطق الصومالية لها برلماناتها ودساتيرها وأعلامها وأناشيدها الوطنية، فحكومة بونت لاند الإقليمية احتفلت في أغسطس الماضي ذكرى تأسيسها السادسة عشر، ويرى قادتها أن وضع الإقليم القائم على أساس الفيدرالية إنما تمثل نموذجا فريداً للتوازن بين موقفين متباينين، بين مركزية مقديشو وانفصالية أرض الصومال(11). وتعيش أرض الصومال واقعا انفصاليا منذ عام 1991م، ويبدو أن الشعب الصومال في الإقليم لن يقبل العودة إلى أحضان الوحدة فيما دون الفيدرالية على الأقل.
وليس النظام الفيدرالي في الصومال واقعاً على الأرض فقط وإنما هو أيضا واقع دستوري، فمنذ أن تم إقراره في الميثاق الانتقالي الذي أقره مؤتمر امبجاتي في كينيا – قبل أكثر من عقد من الزمان حتى الآن – لا يزال مادة دستورية لم تخضع للتعديل، ولم تصل الأصوات المعارضة للفيدرالية حداً تصبح فيه واقعاً يفرض مناقشتها في مؤسسات الدولة بما فيها البرلمان الفيدرالي.
ومن الصعوبة بمكان تغيير ذلك الواقع السياسي والدستوري الذي تجذر خلال تلك المدة، وتأسيس واقع جديد مختلف عما هو عليه الآن، فترسيخ ذلك الواقع وإجرا التعديلات الضرورية له عبر الحوار في كافة المستويات، والوصول إلى حلول وسط أسهل بكثير من تغييره، واحلال نظام سياسي واداري جديد للدولة الصومالية في المرحلة الراهنة.
(جـ) النتمية المحلية: من أهم مبررات الفيدرالية في الصومال تحقيق التنمية المحلية، حيث يتوقع أن يؤدي تقريب الحكم إلى المواطنين – الذي هو أحد أهداف الفيدرالية – عبر الحكومات الإقليمية إلى زيادة إحساس المواطنين بأن إدارة شؤونهم الخاصة بأيديهم، بدلا من انتظار المركز(12). ويعتمد دور الحكومات الإقليمية في التنمية المحلية في قدرتها على تنفيذ السياسات الاقتصادية على الأرض بشكل أكثر فعالية وشفافية وتأثيرا من حكومة مركزية بعيدة في عاصمة البلاد(13). وكما تساهم الفيدرالية في تحقيق التنمية المحلية فإنها تساهم أيضا في خلق اقتصاد الوفرة الانتاجية من خلال الدمج بين الأقاليم والمدن والبلدات الصغيرة، وفي تحقيق التوازن المطلوب بين المركز والأقاليم(14).
ويدعى البعض بأن النظام الفيدرالي يكلف أكثر من النظام الوحدوي المركزي بسبب كثرة الإدرات والمؤسسات في المستويات المختلفة للحكم، وهذا غير دقيق، فقد تكون الحكومات معقدة ومتعددة المستويات والطبقات في الدول الفيدرالية، ولكن ذلك ينظبق أيضا على بعض الدول التي لديها مستويات متعددة من الحكومات المحلية والاقليمية والبلديات، والفرق الجوهري بين النظامين – في تلك الحالة – يكمن فقط في الاستقلالية الدستورية التي تتمتع بها بعض المستويات الحكومية في النظام الفيدارلي(15).
(د) التعددية القبلية: إذا كانت التعددية الإثنية واللغوية أحد مبررات الفيدرالية لدى الكثير من دول العالم فإن التعددية القبلية في الصومال تعد بمثابة التعددية الإثنية واللغوية، وتقوم القبائل بنفس وظيفة القوميات، ويعتبر اليمن أقرب النماذج إلى الصومال من حيث البناء الإجتماعي ودور القبيلة السياسي والاجتماعي في البلدين(16)، وقد تكون ليبيا غير بعيدة عن هذا الإطار.
وقد آن الأوان الذي يعترف فيه الصوماليون بالتعددية العشائرية واقعاً لا يمكن تجاهله، بل يجب العامل معه، واعترفت بعض الدول الفيدرالية الناجحة في العالم ( مثل كندا وسويسرا) بالتنوع الإثني واللغوي، وتعَّرف دولها على أنها فيدراليات إثنية ولغوية(17)، وفي الحقيقة تخلى الكثير من الدول عن فكرة استيعاب الجماعات القومية أو اللغوية أو الدينية، واقتنعت بدلاً من ذلك في نهاية المطاف بالتعايش معها(18).
ويرفض البعض النظام الفيدرالي بحجة أنه يرسخ الحدود الفاصلة بين القبائل، ويكرِّس القبلية، مما يحول دون الاندماج الوطني، ويخلق صراعات قبلية لا تنتهي، وفي المقابل يعتقد آخرون أن الفيدرالية سوف تؤدي إلى تنافس بين الأقاليم الجغرافية التي تضم قبائل متعددة، بدلا من التنافس القائم بين القبائل حاليا(19)، ومن المؤكد – استنادا إلى خبرة الدول التي تضم مواطنين من جماعات مختلفة – أن الصراعات بين الجماعات لن تنتهي، ولكن يتم إدارتها بآليات مقررة دستوريا في الدول الفيدرالية الديمقراطية بدلاً من انفجارها في أوضاع متوترة(20) .
(ه) غياب البديل : يطرح المعارضون للفيدرالية في الغالب بحجج ومبررات مختلفة، ومن تلك المبررات أن الفيدرالية من صنع دول الجوار (إثيوبيا وكينيا)، وتهدف إلى تقسيم البلاد، وأن البرلمان الذي أقره معين وغير منتخب، ومن ثمَّ يجب إجراء استفتاء عام على النظام الفيدرالي قبل أن يتم تنفيذه على أرض الواقع(21). ونجد أن بعض المعارضين للفيدرالية في الحقيقة لا يعارضون الفيدرالية ذاتها وإنما يعارضون طريقة تقسيم الأقاليم وإنشاء البعض الآخر منها ، وبعضهم يتحفظ على حدود بعض الأقاليم الحالية. وفي الحقيقة لا يطرحون بدائل عملية قابلة للتنفيذ.
إن غياب البديل العملي للنظام الفيدرالي في الوقت الحالي يعد من أهم المبررات لاعتمادها في الصومال، باعتيارها واقعاً ومنصوصاً عليها في الدستور ، وتؤيدها الأغلبية من القبائل الصومالية، وعلى هذا الأساس ينبغي أن يكون التركيز في هذه المرحلة النقاش حول شكل الفيدرالية، ومعايير تشكيل الإدارات الإقليمية ، وأن يكون النقاش حول التشريعات المنظمة للعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والحكومات الإقليمية.
رابعاً- ملامح الفيدرالية الصومالي
ليست الفيدرالية نظاما جامداً على نمط واحد يناسب كل دولة، ويتم وضعه في قوالب معينة، وإنما هي قواعد مرنة تكيِّف كل دولة اعتباراتها السياسية والاجتماعية لتتماشا معها، وعندما يتم تنفيذ الفيدرالية في بيئة معينة يكون المنتج نموذجاً مختلفاً له ملامحه الخاصة به، وعلى هذا الأساس يطلق على الولايات المتحدة الأمريكية – باعتبارها واحدة من أقدم الفيدراليات في العالم – بأنها معامل الديمقراطية ( Laboratories of Democracy)(22).
وانطلاقا من ذلك فإن للفيدرالية الصومالية ملامحها الخاصة بها نوجزها في ثلاث ملامح رئيسية هي : فيدرالية طوعية غير مفروضة من سلطة مركزية قوية، وهي أيضا فيدرالية تفكيك وإعادة التوحيد من جديد، وأخيرا فيدرالية يمثل الجتمع الدولي فيها- عبر المكتب السياسي للأمم المتحدة في الصومال- طرفا أساسياً في تنفيذها.
(أ) فيدرالية طوعية : تتميز الفيدرالية الصومالية بأنها فيدرالية طوعية اختيارية، وليست هناك سلطة مركزية قوية تفرض النظام الفيدرالية من القمة على الوحدات المكونة لها كما جرى في بعض الدول الفيدرالية، مع اعترافنا بأهمية وجود سلطة مركزية توازن النزعات الانفصاية وحماية الوحدة. وإذا كانت الوحدة الأولى التي تمت بين المحميتين الصوماليتين الإيطالية والبريطانية في الأول من يوليو 1960م التي أنتجت الدولة الصومالية- وحدة طوعية، جاءت تعبيراً صادقاً عن رغبة الشعب الصومالي في الوحدة والعيش معاً، فإن إعادة توحيد الصومال من جديد -عبر النظام الفيدرالي – لن يكون أيضا إلا برضى الشعب في جميع مناطق الجمهورية، ولن يأتي ذلك إلا بالتفاوض والتنازل المتبادل والوصول إلى حلول وسط.
ومن المؤكد أن الأنظمة الفيدرالية التي تنشأ بصورة طوعية لديها فرص أكبر في البقاء والاستمرار من مثيلاتها القائمة على القوة والإكراه، كما أن الأنظمة التي تأسست تنيجة مفاوضات بين مكوناتها المختلفة تحظى على الشرعية لدى المواطنين، ولديها القدرة على نشر قيم التسامح والتعايش بين مواطنيها(23)، وفشلت بعض الفيدراليات الشكلية المفروضة من القمة بالقوة وانهارت مع مرور الوقت كما جرى في أنظمة الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وتشوسلوفاكيا السابقة(24)، وبعضها الآخر المتبقي منها ما زال قائما بفضل قوة السلاح لدى الدولة المركزية في صراع مع الزمن للبقاء.
(ب ) فيدرالية التفكيك والتوحيد معاً: من ملامح الفدرالية الصومالية أنها فيدرالية تفكيك وإعادة التوحيد معاً، فالفيدراليا في العالم عادة ما تتم عبر احدي طريقتين، الأول هو: تفكيك وحدة مركزية قائمة إلى وحدات إقليمية عبر منح بعض سلطات وصلاحيات المرز للأقاليم. والثاني هو: اتحاد عدة دول مستقلة في الأساس على نظام فيدرالي موحد عن طريق تنازل تلك الدول عن بعض صلاحياتها السيادية للدولة الفيدرالية. والفيدرالية الصومالية الحالية هو تفكيك للوحدة والدولة لمركزية الصومالية التي تأسست عام 1960م، ومن ناحية أخرى تمثل اتحاداً جديداً بين مكونات الدولة الصومالية المركزية التي تفككت خلال العقدين الماضيين من الحرب الأهلية إلى أجزاء متناثرة ومتقطعة لا يجمعها حكم مركزي فعلي على أرض الواقع وإن لم تأخذ بعد شكل الدول المستقلة التي تتمتع بالصفة القانونية للاستقلال .
وعلى هذا الاساس ينبغي أن يدرك الصوماليون جميعا قيادة وشعبا أن مركزية الدولة الصومالية الشديدة بالمسحة العسكرية الدكتاتورية لم تجد نفعا، وفشلت في الحفاظ على وحدة البلاد، وبنفس الدرجة فإن حالة الانقسام والتشرم التي عاشها الصوماليون خلال مرحلة الحرب الأهلية ومحاولة فرض نظام أحادي من طرف واحد لن تعيد الدولة الصومالية ولن توحد الشعب الصومالي من جديد، لذا ينبغي أن نستفيد من تجربة المرحلتين ونستخلص منهما الدروس، وندرس تجارب الدول الفيدرالية التي تمت عن طريق التفكيك أو التوحيد لإعادة كيان الدولة الصومالية من جديد على أسس مختلفة وعلى عقد إجتماعي جديد.
(جـ ) فيدرالية برعاية دولية : تنفرد الفيدرالية الصومالية عن بعض مثيلاتها في الدول الأخرى أنها فيدرالية برعاية وإشراف دولي، وليست شأنا داخليا يخص الأطراف الصومالية وحدها، فالاعتبارات السياسية الناشئة عن ظروف الحرب الأهلية، وانهيار الدولة الصومالية والأوضاع الانسانية الناتجة عنها، وعدم قدرة الصومال القيام بسئولياته أمام مواطنيه وأمام المجتمع الدولي كدولة – أدي إلى تدخل المجتمع الدولي في شأن الصومال عسكريا وسياسياً، ووضع الصومال في حالة شبه وصاية عليه تشبه الوصاية الدولية التي وضع فيها قبيل الاستقلال في الفترة ما بين (1950-1960م ).
وتعيش الحكومات الصومالية منذ عام 2000م في أحضان المنظمات الدولية ، ويقوم كل من المكتب السياسي للأمم المتحدة في الصومال ومنظمة الإيجاد والاتحاد الأفريقي – من خلال قوات حفظ السلام الأفريقية في الصومال – بدور الراعي والمشرف للعملية السياسية برمتها، ويقوم مبعوث الأمم المتحدة للصومال بدور المرجع في حل الخلافات السياسة بين الأطراف الصومالية ، كما يوقع الاتفاقيات بين الأطراف الصومالية بصفته طرفا أصيلاً في العملية.
خامسا – التحديات أمام الفيدرالية الصومالية:
على الرغم من أنه ليس أمام الصوماليين حاليا من خيار آخر سوى السير قدما لتنفيذ النظام الفيدرالي، إلا أن الطريق نحو إعادة بناء الدولة الصومالية عبر النظام الفيدرالي وعر وشائك، وأمام الصوماليين تحديات جسام تتطلب قدراً كبيراً من الصبر والشجاعة والوضوح، وبذل المزيد من الجهود، وتعاون الجميع للتغلب عليها.
ومن أهم تلك العقبات: المهمة المزدوجة والصعبة للحكومة الفيدرالية، ونقص الموارد المالية، ومعضلة التوقيع بين الحدود القبلية وحدود الأقاليم، وعدم وضوح الفيدرالية في أذهان الصوماليين، وسياسات دول الجوار ومحاولاتها ليتماشى نظام الفيدالية في الصومال مع مصالحها القومية.
(أ) المهمة المزدوجة للحكومة الفيدارلية: يعتبر مهمة الحكومة الفيدرالية حاليا مزدوجة وصعبة للغاية، وتلقي عبئا سياسيا واقتصاديا ثقيلا عليها، حيث تأتي العملية السياسية الحالية بعد حرب أهلية طال أمدها، ودمرت فيها مؤسسات الدولة بصورة كلية.
وتكمن الصعوبة في عمل الحكومة الفيدرالية من ناحية، على إعادة بناء مؤسسات الدولة وإعداد التشريعات اللازمة لتنفيذ الفيدرالية، وإعادة بناء الجيش الصومالي وباقي مؤسسات الدولة، ومن جانب آخر، عليها أن تعمل مع الحكومات الإقليمية والمجتمعات المحلية في تأسيس الأقاليم وتشكيل الإدارات المختلفة لها، مما يمثل تحديا كبيرا أمام المؤسسات الفيدرالية الهشة.
(ب) نقص التمويل اللازم لبناء النظام الفيدرالي: ويمثل نقص الموادر المالية الكافية لدى الحكومة الفيدرالية لبناء المؤسسات في ظل غياب الدعم الدولي الحقيقي للصومال تحديا آخر تواجه عملية إعادة بناء الدولة الصومالية في مرحلة التأسيس الصعبة والدقيقة.
وبالإضافة إلى ذلك فإن تفاوت الموادر الاقتصادية بين الأقاليم، وعدم قدرة الدولة المركزية في سد الفجوة بين تلك الأقاليم بعد استكمال انشائها للوصول إلى الحد الأدنى من التنمية المحلية – سوف تزيد الأمور تعقيدا، وقد واجهت بعض الدول الفيدرالية كالهند والفلبين مشكلات من هذا القبيل(25)، كما أن اليمن الذي يسعى إلى التحول نحو الفيدرالية لديه نفس الهاجس(26).
(جـ) معضلة التوفيق بين الحدود القبلية وحدود الأقاليم: إن تقسيم الصومال حاليا إلى أقاليم حسب الدستور الصومالي قائمة على حدود المحافظات الثمانية عشر التي أنشأها نظام سياد بري (1969-1991) دون تغيير، حيث تم على أساسها إنشاء خمسة أقاليم، إضافة إلى إقليم (أرض الصومال) المعلن للانفصال من جانب واحد(27)، وهو في وضع خاص يتم التفاوض معه لاستعادة وحدة الجمهورية، وتضم الأقاليم الخمسة القائمة حاليا قبائل مختلفة، ولا تتطابق حدود تلك الأقاليم مع حدود القبائل.
وتمكن المعضلة في رغبة كل قبيلة (القبائل الكبيرة على الأقل) أن تكون لها إقليمها الخاص، كما أن بعض الأقاليم التي تتمتع بالحكم الذاتي والتي أنشئت على أساس عشائري قبل أن وضع الدستور، والتي تؤثر عليها المعايير التي يضعها الدستور لإنشاء الأقاليم كما هو حال إقليم بونت لاند،تريد أن تبقى كما هي، وتمثل مدينة جالكعيو نموذجا لتلك المعضلة فهي مقسمة حاليا بين إقليم بونت لاند وجلمدغ، والمدينة إداريا عاصمة إقليم مدغ، ولهذا السبب فإن حكومة بونت لاند تعارض إنشاء إقليم جلمدغ الذي يشمل محافظتي مدغ وجلجذود، حيث تصبح المدينة على هذا الأساس جزءا من إقليم جلمدغ، ومن المستحيل إعطاء كل قبيلة إقليما معينا، ومن المتوقع أن تثير بعض القبائل الكبيرة التي تجد نفسها إقلية في بعض الأقاليم.
وليس هذه المشكلة خاصة بالصومال، وإنما هي مشكلة قديمة واجهتها، معظم الدول الفيدرالية متعددة الإثنيات واللغات صعوبة في التوفيق بين المعضلتين، منها الهند والفلبين(28)، وتجنبت الولايات الحدودية عند رسم حدود ولاياتها لحظة التأسيس أن تتطابق مع رغبة بعض الجماعات التي كانت تسعى لتحقيق ذلك الهدف.
(د) سياسة دول الجوار تجاه الفيدرالية: يعتبر الصراع الصومالي-الإثيوبي الكيني في الماضي أكبر محدد لعلاقة الصومال مع جاريتيه الأفريقيتين إثيوبيا وكينيا، ويقوم ذلك الصراع حول منطقتي أوجادين وأنفدي، ومثل انهيار الدولة الصومالية عام 1991 للدولتين فرصة ثمينة لاستغلال الوضع وانهاء الصراع لصالحهما، بل والتحكم في مصير الصومال نفسه، والتمدد على الأراضي الصومالية، وملئ الفراغ الذي خلفته الدولة الصومالية المركزية، وذلك عبر استحواذ ملف المصالحة الصومالية، وخلق أصدقاء مقربين لهما، والمشاركة في تشكيل إدارات محلية، وأخيرا المشاركة بقواتهما في عملية حفظ السلام الأفريقية في الصومال ضمن البعثة العسكرية للاتحاد الأفريقي في جنوب الصومال.
ولدى الصوماليين نتيجة لذلك، مخاوف من استغلال الدولتين – عن طريق نفوذهما في الأقاليم وقادتها – للنظام الفيدرالي الحالي، حيث يتخوف أن تؤدي منح اسقلال دستوري لبعض الأقاليم ضمن الإطار الفيدرالي إلى زيادة ارتباط بعض الأقاليم بمركزي أديس أبابا ونيروبي أكثر من ارتباطها بمقديشو مركز الدولة الصومالية(29)، مما يتطلب وقتا طويلا وحنكة سياسية لاستعادة قوة الدولة الصومالية، والسيطرة الفعلية على حدودها وممارسة سيادتها الوطنية على أراضيها.
(ه) غموض مفهموم الفيدرالية لدى الرأي العام الصومالي: من أكبر التحديات التي تواجه الدولة الصومالية حاليا الصورة الذهنية المسبقة الخاطئة عن الفيدرالية لدى المواطنين المؤيدين والمعارضين على السواء، ومن ثم تأييد مطلق لها دون إدارك التحديات التي تواجه النظام الفيدرالي، أو رفض مطلق دون طرح بدائل مناسبة لها.
وتحدد أسباب ذلك إلى التصورات الخاطئة لدى بعض المؤيدين الذين يعتقدون أن الفيدرالية سوف تمنحهم حق استقلال الثروات الطبيعية، وأن الأقاليم سيكون من حقها توقيع العقود مع الشركات الأجنبية، والحصول على العوائد المالية، وأنهم من يقرر النسب المقررة للحكومة الفيدرالية من تلك الثروات(30).
كما يعتقد الطرف الآخر أن الفيدرالية ما هي إلا مؤامرة قبلية أو إقليمية لتقسيم الصومال والقضاء على السلطة المركزية في مقديشو دون وضع الاعتبار للمطالب المشروعة لدى الكثير من المجموعات الصومالية التي تعبر عن رغبتها للفيدرالية نظاما للحكم في البلاد. وتزداد انتشار الصورة الخاطئة والمضللة عن الفيدرالية بسبب الاستقطاب الحاد والمزايدات السياسية، وعزف بعض السياسيين وتر القبلية والإقليمية الحساس في أوقات الأزمات السياسية، والاتهامات المتبادلة بين القادة السياسيين، مما يشحن المواطن العادي ضد الحكومة الفيدرالية او إقليما معينا.
وتقوم وسائل الإعلام المختلفة دورا كبيراً في تضليل الرأي العام الصومالي تجاه الفيدرالية، وترسيخ المفاهيم الخاطئة عنها، والملاحظ في وسائل الإعلام المختلفة غياب البرامج الحوارية السياسية التي ترسم المعالم الواضحة للفيدرالية وتبرز سلبياتها والمآخذ عليها، وتوضح لرأي العام أنها ليست حلا سحريا، وإنما هي آلية من آليات الحكم يمكن إساءة استخدامها، أو تنطبق طبقا لمعايير معينة لتجاوز الانقسام الذي يعاني منه الشعب الصومالي.
سادساً- عوامل مساعدة لنجاح الفيدرالية
هل كتابة الدستور وإجراء بعض التعديلات عليه، وإنشاء الوحدات المكونة للفيدرالية ومنحها بعض السلطات كفيلة بأن تقف الدولة الصومالية على الطريق الصحيح، وتتغير أحوال الشعب الصومالي البائسة منذ عقدين من الزمن إلى الأفضل؟ هناك فرق كبير بين التنظير والتطبيق ، بين ما هو في الدساتير أو في مخيلة الناس وما ينفذ على الأرض، فكما أن تجانس الشعب الصومالي من حيث التاريخ المشترك واللغة والثقافة والمعتقدات لم تؤدي تلقائيا إلى تحقيق وحدة وطنية تقود نحو الاستقرار وتماسك النسيج الاجتماعي والرفاهية – فإن اعتماد الفيدرالية نظاما سياسيا للحكم غير كاف لتحقيق الاستقرار والتنمية والتعايش السلمي ما لم تصاحب تلك الخطوة خطوات وعوامل أخري ضرورية لنجاح الفيدرالية.
وأولى تلك العوامل تتمثل في ضرورة أن تكون هناك ممارسة حقيقية للديمقراطية على الأرض التي تعني المشاركة والمحاسبة وسيادة القانون في المستويات المختلفة للحكم والتعاون بين الجميع، والنظام الفيدرالي يعني (من بين ما يعني) المشاركة في الحكم ، كما يعني تماما الحكم الذاتي، ويلاحظ أن المشاركة الشعبية حالياً في تنفيذ النظام الفيدرالي وفي تأسيس الوحدات المكونة للفيدرالية ضعيف، وعادة ما تقرر النخب السياسية غير المنتخبة في غرف مغلقة بمنأى عن القواعد الشعبية مستقبل الصومال السياسي، وهو أمر لا يبشر بالإطمئنان ويجب إدراك خطورته.
وينبغي أن يكون هناك الوعي الكافي لدى المواطنين في إدراك متطلبات المرحلة، وأن تكون هناك محاسبة حقيقية للمسئولين، وخاصة مسئولي الأقاليم بعد أن أصبحت لديهم الصلاحيات الكاملة والمسئولية المباشرة أمام المواطنين لخدمتهم، وألا يسمح لهم بإثارة المشكلات بين المركز والأقاليم، والعزف على وتر القبلية والإقليمية لصرف الأنظار عن اخفاقاتهم أو التنصل من مسئولياتهم، كما يجب أن يكون هناك تعاون تام بين الجميع، وألا تكون المصالح العليا للشعب الصومالي ومصيره السياسي مجالاً للمزايدات والمناورات بين القادة عند المناسبات السياسية.
ولنجاح الفيدرالية من الضرروري أن تكون هناك خطط لإقامة بنية تحتية تتمثل لإنشاء طرق سريعة لدعم الوحدة والاندماج الوطني وربط المركز بالأقاليم، وبين الأقاليم نفسها، ولتسريع وتيرة التنمية المتوازنة في البلاد وتسهيل حركة البشر والبضائع. ويعتبر إعادة بناء الطريق القديم الذي يربط بين الجنوب والشمال ماراً بوسط البلاد ضرورة ملحة لمرحلة إعادة بناء الدولة الصومالية عبر الفيدرالية، ومن المهم أن يكون لكل إقليم ميناء خاص له ، وأن تكون هناك طرق عرضية تربط بين المواني وعواصم الأقاليم أو الولايات، وسوف تكون الحاجة ماسة في المستقبل القريب لانشاء طريق ساحلي يمر بموازات الساحل الصومالي الطويل، وانشاء خطوط مواصلات بحرية بين المدن الممتدة على الساحل(31).
ومن العوامل المهة لنجاح الفيدرالية في الصومال العمل على إيجاد أحزاب قومية تتخطى حدود الأقليم وتنجح في كسب مؤيدين لها في جميع أقاليم الجمهورية، وهو أمر يساعد على تدعيم الوحدة الوطنية وإزالة الحواجز الإقليمية والقبلية، وكان من نجاح نجاح بعض الفيدراليات في العالم مثل كندا وسويسرا وجود مثل تلك الأحزاب الوطنية المتعددة اللغات(32)، كما كان أحد أسباب نجاح فيدرالة الهند تجاوزها من سيطرة حزب المؤتمر التقليدية على الحكم لفترة طويلة إلى نظام متعدد الأحزاب بعد أن استطاع تحالف أحزاب صغيرة متعددة هزيمته والوصول إلى الحكم(33).
وأخيراً يجب أن يدرك الصوماليون أن الطريق الذي ينتظرهم لإعادة بناء دولتهم المنهارة ليس سهلا ويتطلب لوصول نهايته الكثير من التضحيات، إن مشكلتنا ليست مع شكل نظام الحكم السياسي أو الإداري الذي نختاره، ولكن مشكلتنا الحقيقية تكمن في عدم استعدانا بعد للعيش المشترك والمواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية، رغم توفر الأساس والمقومات لذلك، فهل حان الأوان لتحقيق ذلك.

Want your business to be the top-listed Government Service in Sanaa?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Telephone

Address


Sanaa
11114